; الجزائر: الموقف الأمريكي تجاه الجزائر هل يتغير؟ | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر: الموقف الأمريكي تجاه الجزائر هل يتغير؟

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994

مشاهدات 127

نشر في العدد 1094

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-أبريل-1994

·       ثلاثية من الأكاديميين الأمريكيين يطالبون الحكومة الأمريكية بتغيير موقفها.

·       رئيس لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب يتهم إدارة الرئيس كلينتون بالتحيز في موقفها من الديمقراطية في الجزائر.

مضى وقت طويل لم تعلن فيه الولايات المتحدة موقفًا محددًا من الصراع الدامي في الجزائر، الذي بدأ منذ انقلاب السلطات الجزائرية «العسكرية» على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في مطلع عام 1992، وانتهت بـ «انقلاب أبيض»، قاده قادة الجيش الجزائري أرغم خلاله الرئيس الشاذلي بن جديد على تقديم استقالته، لتدخل الجزائر بعدها مرحلة لم تشهدها منذ استقلالها عام 1962، وتتسم بالفوضى والاضطراب الدامي، وعندما قررت واشنطن أن تعلن موقفها لما يحدث في الجزائر، فإن إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لم تجد سوى أن تؤكد دعمها للسلطة العسكرية التي يمثلها في الحكم الآن اللواء المتقاعد "الأمين زروال"، الذي تم تنصيبه مؤخرًا رئيسًا لمجلس الدولة الجزائري للسنوات الثلاث المقبلة، مؤيدة دعوته للتعاون مع الخصوم، وفي الوقت نفسه ألقت اللوم فيما يجري في الجزائر على ما تسميهم بـ «المتطرفين الإسلاميين» في تعميق مناخ الخوف والرعب في الجزائر.

وقد لقي موقف إدارة كلينتون معارضة من بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين يريدون أن تمارس حكومة كلينتون ضغوطًا على السلطات العسكرية الجزائرية التي ألغت نتائج انتخابات يناير 1992، لتحول دون تشكيل الجبهة الإسلامية للإنقاذ للحكومة الجزائرية، وقد اتهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية الفرعية حول أفريقيا التابعة لمجلس النواب الأمريكي هاري جونستون «ديمقراطي من ولاية فلوريدا» إدارة الرئيس كلينتون بعدم الانسجام مع سياستها تجاه إخفاقات الديمقراطية في أفريقيا، مشيرًا إلى الخطوات الأكثر صرامة التي اتخذتها ضد نيجيريا، فيما لم تتخذ ذات الخطوات ضد الجزائر، وتقول مصادر الكونجرس الأمريكي إن هناك قرارًا على وشك أن يصدره مجلس النواب قد يدعو إلى تعليق كافة المساعدات والقروض إلى الجزائر حتى يمكن تلمس تحقيق تقدم نحو الديمقراطية في الجزائر.

وقد جاء الإعلان عن موقف إدارة كلينتون على لسان القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط مارك هاريس، في شهادة له أمام لجنة الشؤون الخارجية الفرعية حول أفريقيا في مجلس النواب يوم الثالث والعشرين من شهر مارس الماضي «23/3/1994» حين قال: «إن المجموعات الإسلامية الأصولية واصلت بثبات حملتها للإطاحة بالنظام العلماني عبر العنف» فيما اتفق خبراء وأكاديميون أمريكيون في شؤون الجزائر في شهادات لهم أمام ذات اللجنة في اليوم نفسه أن الولايات المتحدة «لم تولِ الجزائر اهتماماً جديًا، وأن الوضع هناك يزداد تفاقمًا».

وقد أشاد هاريس بالرئيس الجزائري الجديد «الأمين زروال»، لتعهده بفتح باب الحوار السياسي ودعوته إلى الإصلاحات الاقتصادية وقال: «نحن نوافق على هذه الأولويات، ونريد أن نرى أن تنجح الجزائر في تطبيق هذا النهج الذي أعلنه الرئيس زروال». غير أنه حذر من أن كافة الأطراف ينبغي أن تنضم إلى الحوار، وأشار إلى أن الاهتمامات السابقة للحكومة الجزائرية لإجراء إصلاحات لم تسفر سوى عن تقدم طفيف.

وردًا على أسئلة بعض أعضاء اللجنة التي انصبت حول انتهاكات حقوق الإنسان في الجزائر قال هاريس «إن الحكومة الجزائرية سجنت أكثر من ألفين (2000) من المشتبه فيهم بأنهم نشيطون إسلاميون أو متعاطفون معهم وكثيرون منهم بلا محاكمة»، إلا أنه قال: «إن انتهاكات حقوق الإنسان تتم من قبل كافة الأطراف في الجزائر»، ونفى هاريس محاولة البعض إضفاء الانطباع بأن السودان وإيران تزيدان من اشتعال أعمال العنف في الجزائر، وقال إن الأزمة في الجزائر هي: جزائرية المنبت، وذات طبيعة محلية، فيما رد على المطالبين بدور أمريكي أكبر في حل الأزمة هناك بأن النفوذ الأمريكي في الجزائر محدود؛ حيث لم يعد لدينا ما نقدمه سوى دعم مباشر ضئيل!!

آراء الخبراء:

ولكن الذين تقدموا بشهادات أمام اللجنة في أعقاب انتهاء هاريس في شهادته أشاروا إلى حقائق ووقائع تثبت وجود تقصير، وازدواجية في السياسة الأمريكية تجاه مسألة الديمقراطية في العالم الثالث، روبرت مورتيمر، الأستاذ في جامعة هافرفورد بولاية بنسلفانيا، والذي كتب الكثير حول الجزائر - كان أول الذين أدلوا بشهاداتهم أمام اللجنة؛ حيث أكد أن الجزائر دخلت أزمتها السياسية في يناير 1992 في أعقاب رفض السلطات الجزائرية القبول بالنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات التشريعية التي أشارت بوضوح إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بغالبية المقاعد إضافة إلى إرغام قادة الجيش الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة.

ووصف الأزمة بأنها «أزمة شرعية سياسية» مشيرًا إلى أن الشرعية السياسية التي اعتمدت عليها جبهة التحرير الوطني الجزائرية في الحكم هو دورها في نيل استقلال الجزائر، ولكن مع نهاية الثمانينيات أصبح هذا المصدر للشرعية يتضاءل أمام المشاكل الاقتصادية المتعددة وارتفاع نسبة البطالة، وعدم كفاية أداء الصناعات التي تسيطر عليها الدولة، وفقدان النمو الاقتصادي لاستيعاب ملايين الشباب والمشاكل الاجتماعية، وأزمة السكن، وانخفاض الخدمات، وحماية الفساد في أوساط أعضاء الحزب والدولة، وقد ترافقت كافة هذه المشاكل مع انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية عام 1986 الذي أثر سلبًا على عوائد الجزائر المالية.

أما الزاوية الأخرى لأزمة الشرعية السياسية في الجزائر فتتعلق بالثقافة، إذ يشير مورتيمر إلى أن النخبة التي سيطرت على مقاليد السلطة والمؤسسات في الجزائر كانت ذات ثقافة فرنسية؛ حيث كانت الفرنسية لغة الأمر الواقع في التجارة والإدارة بالرغم من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية دستوريًا، ومع ازدياد عملية التعريب التي بدأت مع الاستقلال فقد ظهرت الأجيال التي ولدت منذ عام 1962 تتحدث بالعربية المقرونة في الجزائر بالإسلام؛ حيث اتجه الشباب إلى المساجد يحملون إليها مشاكلهم في مجتمع حاولت النخبة المفرنسة أن تفصل بين الدين والحياة السياسية، «علماً بأن المجتمع الجزائري يحترم الإسلام كدين للأمة»، وأشار إلى أن اضطرابات أكتوبر 1988 قد أنهت النظام السياسي ذي الحزب الواحد في الجزائر.

ويعتقد مورتيمر أن تعيين «الأمين زروال» جاء في إطار وجهة نظر الأغلبية داخل القيادة العسكرية العليا بأنه من الممكن والضروري التفاوض مع القيادة السياسية للحركة الإسلامية، ولكن الجيش يريد الاحتفاظ «باستقلاليته»، أو كما قال بـ «حكم ذاتي في إطار الدولة الجزائرية؛ بحيث لا تتدخل الحكومة في شؤونه المالية والمؤسسات التابعة له، وأن هذا ما يجب أن تتضمنه أية اتفاقية معالجة.

وفي إطار مثل هذا الاتفاق يمكن لسياسي من الجبهة الإسلامية للإنقاذ مثل: عبد القادر حشاني أن يشكل حكومة في الفترة الانتقالية فيما يبقى زروال ممسكًا بالسلطة الفعلية».

أما وليام زارتمان أستاذ حل النزاعات الدولية ورئيس الدراسات الأفريقية في جامعة جون هوبكنز فقد أكد أيضًا في شهادته على أن الوضع في الجزائر مستمر نحو الأسوأ، وأن ذلك قد يؤدي إلى نتيجة من اثنين:

إما استكمال انهيار أحد طرفي الصراع أو الإبقاء على المأزق الذي يكون فيه الطرفان قد أقاما سلطتهما، وعدم قدرة أي منهما على إزاحة الطرف الآخر، وهو الأمر - حسب اعتقاده - الذي قد يفتح الطريق إلى المفاوضات وإعادة هيكلة نظام الحكم في الجزائر، ويشير زارتمان - الذي يقدم نفسه على أنه خبير في شؤون المغرب العربي والحركات الإسلامية - إلى أن المأزق الراهن في الجزائر يفتح الباب نحو مفاوضات بين الحكومة والحركة الإسلامية، وأن هناك - حسب اعتقاده - دلائل عديدة على أن المفاوضات جارية في الوقت الراهن.

ويعتبر زارتمان أن هذا هو التطور التقليدي لمثل هذا النوع من الصراع الداخلي، لكنه يقول بأنه في الوقت الراهن ليس هناك أية إشارة تدل على أن الحكومة تتجه إلى الفوز، فيما أن التمرد الداخلي يكسب عندما لا يخسر، مشيرًا إلى فكرة هنري كيسنجر التي يقول فيها: «إن الحكومة تخسر عندما لا تستطيع أن تحقق فوزاً» ويقول ديرك فانديوال - أستاذ الدراسات الحكومية في جامعة دارتموث بولاية ماساشوستس - بأن ما يحدث في الجزائر ليس فقط صراعًا بين «حكومة شرعية»، وبين الإسلاميين أو كما تحاول الحكومة الجزائرية والغرب تصويره بأنه يتعلق بالسياسة والاقتصاد، بل هو صراع أيديولوجي وتوجه أخلاقي لبلد يستحضر ماضيه، ويضيف فانديوال أن الجزائر الآن لم تعد تتحرك بنصائح قياداتها المحلية الذين كانت شرعيتهم في السابق تقوم على معارضتهم للغرب، وهم الآن يندفعون باتجاه الغرب في انتهاجهم استراتيجية الغرب في الاقتصاد، ويرى أن الإسلاميين هم الذين سيرضون الجزائريين من خلال تقديم الموقف الأخلاقي، حتى لو كانوا يفتقدون إلى استراتيجية اقتصادية حقيقية.

خيارات أمام الغرب وماذا يمكن أن تفعله واشنطن:

أشار الأكاديميون الثلاثة إلى أن السياسة الأمريكية حتى الآن لم تفعل سوى القليل جدًا تجاه انزلاق الجزائر نحو أتون الحرب الأهلية، فمورتيمر أكد أن الولايات المتحدة لم تقدم أي شيء من شأنه تشجيع الاقتصاد الجزائري خلال السنوات الثلاث التي سبقت استقالة بن جديد، التي كان أعلنها سنوات انفتاح وتعددية سياسية، وقال إنه كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تشجع التوجهات الليبرالية التي كان طاقم بن جديد - قاصدي مرباح - يسعى إلى تحقيقها في المجتمع الجزائري، وأن الولايات المتحدة قد تأخذ بعض الخطوات الدبلوماسية والاقتصادية الأحدث التي من شأنها زيادة فرص نجاح بن جديد في توجهاته الديمقراطية، أما زارتمان فقد دعا إلى ضرورة القيام بخطوات عاجلة على صعيد الإصلاحات الاقتصادية واستعادة الديمقراطية، وإلا فإن كلاً من الدولة الجزائرية والمجتمع الجزائري والمصالح الغربية جميعها في حوض البحر المتوسط ستواجه كارثة حقيقية.

ويشير مورتيمر إلى وجود انقسام في الموقف الأمريكي تجاه قرار الجيش الجزائري بالتدخل لمنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من استلام السلطة في الجزائر، كما أن واشنطن لم تقدم أي دعم لسياسة الإصلاح والمرونة الاقتصادية التي أراد تنفيذها رئيس الوزراء الجزائري السابق بلعيد عبد السلام في شهر يوليو 1992، كما لم تشجع أية مبادرة أمريكية، وقال إن تعيين السفير الجزائري السابق لدى الولايات المتحدة رضا مالك رئيسًا لحكومة الجزائر كان فرصة جيدة في الصيف الماضي لسياسة أمريكية نشطة، لكن الانقسام داخل الإدارة الأمريكية حول الموقف من النظام أو الحركة الإسلامية من المرجح أنه أرغم الأمريكيين على عدم التدخل.

ويطرح مورتيمر سؤالاً هو قيد التداول في أوساط الإدارة الأمريكية «هل للولايات المتحدة مصلحة في نجاح استراتيجية «الأمين زروال» للمصالحة في الجزائر؟»، ويجيب عن ذلك بالقول «إنني أجادل بأن لنا مصلحة في ذلك»، وقال إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تقبل بأن المؤسسة العسكرية الجزائرية بما تمثله حاليًا هي اللاعب الأكبر في النظام السياسي الجزائري، وأنه يملك القدرة على أن يكون القناة التي تبعد الإسلاميين عن التطرف السياسي ومن العنف، لهذا يعتقد بضرورة دعم استراتيجية زروال، ولكن في الوقت نفسه ينبغي على الولايات المتحدة أن توجه رسالة إلى القيادة السياسية للحركة الإسلامية في الجزائر تؤكد فيها على أن الولايات المتحدة تحترم حركتهم كصوت للتماسك في الحكومة طالما أنها على استعداد لاحترام الضمانات الأساسية لحرية التعبير والتجمع».

ويضيف بأن ذلك ما لم تؤكد عليه تصريحات الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أعقاب انتخابات يناير 1991، ودعا مورتيمر الإدارة الأمريكية إلى ضرورة تنسيق سياستها الجزائرية مع فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى أقصى حد ممكن.

ويتحدث ديرك فانديوال عن الخيارات التي قد تكون متاحة للولايات المتحدة في الجزائر بالقول إن المأزق الذي تواجهه واشنطن في الجزائر هو من النوع المألوف لدى العديد من صناع السياسة الأمريكية، وإن دعمًا سياسيًا واقتصاديًا يمكن أن يساعد في ازدراء المحاسبة السياسية في الجزائر، إذا لم تظهر أية إصلاحات داخلية تأخذ طريقها هناك، فالحكومة المحلية في الجزائر قد تتحول إلى طرف لا يتعاون مما يزيد الضغط باتجاه الهجرة والراديكالية الإسلامية، وهذا يدعو إلى أن تلعب واشنطن دورًا نشطًا، ومادامت هناك حاجة إلى تقديم المساعدة لمواجهة الديون المترتبة على الجزائر، فإن هذا يتطلب التنسيق مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أكثر تفهمًا لما يحدث في الجزائر وأفريقيا، وخلق جو للمحاسبة السياسية، واحترام حقوق الإنسان. وقال إنه إذا كان البعض يعتقد أن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1992 كان يمكن أن يتسبب في مشكلة للجزائر وللغرب، فإن البديل القائم حاليًا هو صعب جدًا.

وأضاف أن القلق الذي يواجه الجزائر الآن كالتالي: إلى متى يمكن للجيش أن يبقى ممسكًا بالسلطة عندما تزداد معارضة جزء كبير في المجتمع للحكومة؟ ودعا إدارة كلينتون إلى ضرورة أن توجه اهتمامًا جديدًا للأصوات من كلا الجانبين في الجزائر.

 

الرابط المختصر :