العنوان مجازر الاحتلال والانتفاضة تصنع ظاهرة التدين في فلسطين المحتلة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2004
مشاهدات 103
نشر في العدد 1600
نشر في الصفحة 24
السبت 08-مايو-2004
إقبال الفتيات يتزايد على إرتداء الحجاب.. وشعارات الجدران التي تكتبها كل الفصائل «إسلامية»
د. ماهر أبو زلط: حالات الإستشهاد المتزايدة.. أعمال القصف اليومية والصمت العربي والدولي جسد لدى الفلسطيني قناعة بضرورة العودة إلى الله
شعور المواطن «بالفراغ الوجداني» بعدما فقد ثقته بكافة الأنظمة الأرضية والحلول الناقصة ألجأه لخيار الدين بصفته الحل الأمثل
د. زياد أبو عمر: دور حماس الكبير في المقاومة ونشاطها الإجتماعي ساهم في تقبل المجتمع للقيم والمبادئ المرتبطة بالمقاومة
ماجدة فضة: مؤشر الصحوة الإسلامية بين النساء يتصاعد منذ عقد الثمانينيات، وتزايد حالة التدين داخل المؤسسات الأكاديمية العليا خصوصًا في الجامعات
طلال عوكل: من أسباب الظاهرة.. وضع الغرب للإسلام كقوة رئيسية في مواجهته وهو ما يؤكد أن الفلسفات والمفاهيم الأخرى قد تراجعت وآخرها الفكر القومي
كان لإنتفاضة الأقصى التي إنطلقت قبل نحو ثلاث سنوات ونصف إيجابيات كثيرة وكبيرة على الشعب الفلسطيني، كان أبرزها زيادة نسبة التدين في الشارع الفلسطيني، خصوصًا بين فئة الشباب والنساء.
فقد صار لافتًا للنظر تلك العودة الكبيرة إلى التمسك بالقيم والمبادئ الإسلامية، وليس الأمر في هذا الخصوص مقتصرًا على المواطن العادي، بل صار ملحوظًا داخل الأحزاب والحركات التي توصف بأنها يسارية أو علمانية.
المظاهر والمشاهد تعزز مثل هذا التوجه، فالمساجد تشهد إقبالًا كبيرًا، كما أن عددًا كبيرًا من المساجد تم تشييده في السنوات الأخيرة، وتصل نسبة زيادة بناء المساجد خلال فترة الإنتفاضة إلى ما يقارب ٥٠% في مدن القطاع، إلى جانب تنام في إقبال الفتيات على إرتداء اللباس الإسلامي وخاصة الحجاب، كما أن الشعارات التي تكتب على الجدران غالبًا ما تكتب بالطابع الإسلامي، ولا تقتصر هذه الشعارات على الحركات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي، بل تتعداها إلى فصائل غير إسلامية مثل فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية.
ويرى بعض المحللين الفلسطينيين أن بروز ظاهرة التدين في المجتمع الفلسطيني ليست متعلقة فقط بأحداث الإنتفاضة، وإنما هي متجذرة، بسبب قوة نشاط الحركات الإسلامية عمومًا، وخصوصًا ذات الفاعلية السياسية.
وفي هذا الإطار يقول المحلل والكاتب طلال عوكل «والذي نشط في فترة ماضية ضمن صفوف الجبهة الشعبية»، هناك بصمات واضحة لبروز التيار الإسلامي، والمجتمع الفلسطيني لديه تقبل سريع للأفكار الدينية.. إضافة إلى وطأة الأحداث وصعود الحالة الجهادية التي مثلتها القوى الإسلامية.
ويشير عوكل إلى أن هناك إرتفاعًا ملحوظًا في مستوى التقيد بالقيم الإسلامية، ويضيف: «حتى التيارات العلمانية تأثرت بهذا، وهناك عدد كبير من قادة هذا التيار بدأوا يواظبون على الصلاة وأداء الشعائر الإسلامية»، مؤكدًا أن هذا الأمر يعبر عن قناعات راسخة وليس مجرد التماهي من الواقع الجاري.
إلا أن الدكتور «ماهر أبو زنط» -محاضر في قسم علم الإجتماع بجامعة النجاح الوطنية بنابلس- يرجع إزدياد مظاهر التدين عند الفلسطينيين لما يعانونه من ظروف تتمثل في حالات الإستشهاد المتزايدة، وأعمال القصف والهدم اليومية التي تقوم بها قوات الإحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين العزل، والصمت العربي والدولي على تلك الجرائم فتجسدت لدى الفلسطيني قناعة بضرورة العودة لله.
كما أن الإنتفاضة الفلسطينية قللت من مظاهر الإنحراف في المجتمع الفلسطيني بعد انصراف الفلسطينيين وخاصة الشباب لمقاومة الإحتلال التي استأثرت بإهتمامه، وشغلت جل وقته، خاصة مع تصاعد المواجهات وإستمرارها بوتيرة متزايدة، بعدما كانت الرحلات والسهرات تحوز على إهتمامه.
كما أشار إلى أن وقت الفراغ الكبير وإنقطاع الناس عن أعمالهم؛ بسبب منع التجول.. يتطلب منهم أن يشغلوه بما يفيد، فهناك عائلات تختم المصحف يوميا «كل فرد جزء معين»، ويضيف أبو زنط: إن شعور المواطن الفلسطيني «بالفراغ الوجداني» بعدما فقد ثقته بكافة الأنظمة الأرضية والحلول الناقصة التي لا تلبي له مطالبه، وبما أن الإنسان بحاجة ماسة لملء هذا الفراغ النفسي والوجداني، فإنه يلجأ إلى الله، ولخيار الدين بصفته الحل الأمثل.
ويتابع قائلًا: إن من طبيعة الإنسان التقرب إلى الله في وقت الضيق، خاصة أن حياة كل فلسطيني معرضة للخطر والموت جراء الممارسات الإسرائيلية، مما يجعله حريصًا على لقاء الله وهو راض عنه.
ويرى الدكتور زياد أبو عمر- عضو المجلس التشريعي الفلسطيني ورئيس المجلس الفلسطيني للعلاقات الخارجية،وهو محسوب على التيار المستقل- أنه خلال سنوات الإنتفاضة إزداد نفوذ حركة حماس في المجتمع الفلسطيني، كما إزداد نفوذ الخطاب الديني الذي لعب دورًا كبيرًا في توجيه سلوك وتصرفات المواطنين.
وأضاف أبو عمرو: إن الدور الكبير الذي قامت به حماس في مجال المقاومة ودورها الإجتماعي ساهم في تقبل المجتمع للقيم والمبادئ المرتبطة بالمقاومة والمساعدات، مشيرًا إلى أن مستوى المواجهة مع الإحتلال تدفع الفلسطينيين للبحث عن ملجأ روحي، وهو المسجد، وكلما إشتدت المعاناة زاد توجه الجمهور إلى الله.
ويرى أبو عمرو أن إفراط استخدام إسرائيل للقوة يؤجج رغبة الناس في الإنتقام، وهو أمر غالبًا ما تنجح فيه حماس، والتي أصبحت تمثل عنوان القوة في الرد على الجرائم الصهيونية. ومن الملاحظ أن بعض الأجنحة المسلحة مثل شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح أضافت عبارة «لا إله إلا الله» على راياتها، وعن هذا يقول د. أبو عمرو: «الكل أصبح يتماهى مع الخطاب الإسلامي؛ لأنه الأقدر على اكتساب الزخم الشعبي».
أما يحيى موسى- الأمين العام السابق لحزب الخلاص الإسلامي- فيعزو أحد أسباب الظاهرة إلى قانون التحدي والإستجابة، ويقول: هناك تحد خارجي قوي ويكون ردة، فعله تمترس المجتمع حول قيمه ودينه لصد الهجمة الخارجية، وهذا يفسر كثيرا من التحولات في موضوع إحياء الهوية وهو ما يعبر عنه بالتدين، ويشير إلى أن المجتمعات العربية تشهد حالة تدين مستمرة، وهو شكل من أشكال الإستجابة للتحدي، ويضيف: إن الكل ينظر إلى النموذج الإسلامي على أنه هو النموذج الأفضل.
ويرى أن حماس تشكل عنصر قوة في مواجهة الهجمة، وهذا يزيد من إلتفاف الناس حولها، كما أن هذا الأمر قائم في لبنان بعد بروز قوة حزب الله، فالنموذج المقاوم هو الذي ينجح في إستقطاب الجماهير؛ لأنها تعتبر عناوين كرامة ودفاع عن حق المواطن.
ويضيف موسى: في حال التضحيات فإن الإسلاميين هم الأقدر في تقديم حالة جهاد واستشهاد، لكن في مراحل جني الثمار تتدخل عناصر أخرى، منها متسلقة ونفعية وتحاول مزاحمة التيار الإسلامي المطروح، ولا بد من تطوير برامج أكثر تفصيلًا.
وكانت بعض أجهزة الأمن الفلسطينية قد أشارت إلى أن حركة حماس تعمل دومًا للسيادة على المساجد وتنشيط عملها في مجال الدعوة وتوجيه الجمهور.
هذا وتبدو المرأة الفلسطينية أحد أبرز مظاهر الصحوة الإسلامية؛ حيث أشارت دراسة -على سبيل المثال- إلى أن ٧٠% من الفلسطينيات يرتدين الحجاب، وهذا يظهر بوضوح خلال مشاركتهن في المسيرات والمظاهرات، خصوصًا في مسيرات جنازات الشهداء وفي المناسبات الوطنية، وتشكل طالبات الجامعات النسبة الكبرى بينهن.
وتقول ماجدة فضة- إحدى نشيطات العمل النسائي الإسلامي في فلسطين -: إن «مؤشر الصحوة الإسلامية بين النساء في فلسطين يتصاعد بإستمرار وكذا الوعي الإسلامي خصوصًا منذ عقد الثمانينيات، وحتى الآن؛ حيث تشير الدراسات إلى وجود نمو في هذا الوعي يتراوح بين ٦٠ - ٧٠% داخل المجتمع الفلسطيني. وتضيف فضة: «حقيقة هناك عدة مؤشرات تؤكد ذلك، أذكر منها: تزايد إقبال النساء على الإلتزام بالحجاب الشرعي حتى من النساء غير الملتزمات بالأطر الحركية السياسية الإسلامية، وتزايد الإقبال على الدروس الدينية النشطة، كذلك نلاحظ أن هناك تزايدًا في حالة التدين داخل المؤسسات الأكاديمية العليا في فلسطين، خصوصًا في الجامعات، وإن تجربة الانتخابات التي خاضتها الكتل الإسلامية في هذه الجامعات «خصوصًا جامعتي النجاح وبيرزيت» أكدت عظم الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة المسلمة في الحياة السياسية، كما يشير التنامي في عدد الإسلاميات في هذه المراكز إلى مدى التحول في الوعي النسوي بإتجاه الطرح والمنهج الإسلامي».
عوامل أخرى
وفي هذا السياق يشير المحلل السياسي طلال عوكل إلى سبب آخر من أسباب هذه الظاهرة، وهي بروز الإسلام كقوة رئيسة في مواجهة الغرب والولايات المتحدة، وقال: في العالم عمومًا، يتقدم العنوان الإسلامي کعنوان صراع، ليس هم المسلمون الذين ساهموا في ذلك بل هو الغرب، وهذا يعني أن الفلسفات والمفاهيم الأخرى قد تراجعت وآخرها الفكر القومي الذي سقط في العراق وهو على وشك الانهيار في سورية، وأضاف: «لم يعد في الساحة سوى التيار الإسلامي وهذا يؤثر على الحالة الفلسطينية» ...
ويقول الدكتور ناصر الدين الشاعر-عميد كلية الشريعة في جامعة النجاح-: «إن هناك عدة عوامل لهذه الظاهرة، منها : الوعي الديني الذي انتشر في المجتمع الفلسطيني، فقد إزدادت نسبة المثقفين، ويبرز هذا بشكل جلي في الجامعات؛ حيث زاد التدين والعودة إلى الله، وكما هو معروف فإن الجهل والأمية ضد التدين».
ويؤكد د. الشاعر أن سمعة الداعية وأسلوبه في الطرح والمناقشة والسماح للمستمعين بإبداء رأيهم، وعكسه للقدوة الحسنة بين الناس تدفع الكثير للإقتناع بأقواله والإلتزام بالمنهج الإسلامي.
كما فسر د. الشاعر الظاهرة على أنها ردة فعل عكسية على سلوك الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لإسرائيل التي تمثل «اللادينية والعولمة والإتجاه الليبرالي». وترتبط مباشرة بالإستعمار، وخاصة بعد وصف الرئيس بوش حربه على الإسلام به الحروب الصليبية»، فالتصريحات ضد الدين تجعل الناس تلقائيا يتمسكون بدينهم.
وهناك من يرى أن الصبغة الدينية أو إنتشار التيار الإسلامي إنما ينمو ويكبر مع تصاعد المواجهة مع الإحتلال، وحينما يكون الوضع معكوسًا بحيث يسمح لحالة من طوارئ وإستمرار المفاوضات السياسية، فإن المد الديني يتراجع، وهذا يدل -في رأيه- على عدم وجود تجذر في مشروع الطرح الإسلامي كمشروع، لكن زياد أبو عمرو يرى أن الحركة الإسلامية تشارك في المجتمع بحدود معينة والمطلوب منها أن تتدخل بشكل أكبر في القضايا الداخلية مثل الإصلاح ومحاربة الفساد، وتعزيز حكم القانون والدفع بإتجاه إجراء إنتخابات». ويرى أبو عمرو أن الإسلاميين لديهم رؤية وخطاب بشأن القضايا العامة، لكنه يرى أن «الإسلاميين خارج السلطة أفضل من أن يكونوا داخلها»، ويشير إلى أن إخفاق السلطة الفلسطينية في حل القضايا المجتمعية يعزز إقبال الناس على حركة حماس لتمثل بديلًا آخر.
أما دياب اللوح القيادي البارز في حركة فتح فيعتبر أن مسألة إنتشار التدين ليست قاصرة على فترة الإنتفاضة، وإنما هي حالة قائمة في المجتمع الفلسطيني كونه مجتمعًا ذا أغلبية مسلمة، ويضيف بأن الحس الإسلامي قوي ومتأجج، ويشير إلى أن الإسلام السياسي ليس له علاقة بترسيخ قناعات الناس بالتمسك بالإسلام، لكنه يرى أن المد الإسلامي في فلسطين يؤثر على جوانب أخرى وطنية ومعنوية.
ويشير إلى أن ظاهرة الصحوة الإسلامية قد شملت الجميع بما فيها التيارات اليسارية -ويرى أن حدة الصراع، وتجذير روح المقاومة بين الفلسطينيين ينمي الجوانب الأخلاقية ويدفع الناس للتمسك بدينهم أكثر.
من ناحية أخرى يربط الشيخ «حامد البيتاوي»- رئيس رابطة علماء فلسطين وخطيب المسجد الأقصى- بين ما يمر به المجتمع الفلسطيني من ناحية دينية في هذه الفترة بما سبقها؛ حيث شهدت فلسطين صحوة إسلامية سواء في الضفة والقطاع أو في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨، تتمثل في أن كل مساجد فلسطين- وعددها بالمئات- عامرة بالعباد المصلين، وخصوصًا من فئة الشباب «من الجنسين» المتعلمين المثقفين وطلبة الجامعات.
ويضرب الشيخ مثالًا بمدينة نابلس «كبرى مدن الضفة الغربية»؛ حيث يوجد فيها أكثر من ۷۰ مسجدًا، وبها عشرات بل مئات من حلقات الدروس الدينية كدورات تعلم التجويد وحفظ كتاب الله -عز وجل- والتفقه في الدين وحلقات العلم، حتى إن هذه المساجد لا تتسع للحضور .