العنوان الأطفال في الغرب.. مجرمون وضحايا
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 07-أبريل-1998
▪ أوضاع النساء في أمريكا في ظل السلام والحرية أشبه بأوضاع نساء البوسنة في ظل الإجرام الصربي
▪ العنف الاجتماعي يجتاح الغرب، والحرية المطلقة وصلت مرحلة حرية القتل
في تعليقه على آخر الجرائم المثيرة التي كان مرتكبوها وضحاياها من الأطفال، قال الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أثناء جولته الأخيرة في القارة الإفريقية: لا تستطيع أن نفهم ما الذي يدفع الأطفال إلى اللجوء للسلاح واستخدامه، وقد لا نفهم ذلك على الإطلاق، ولكن ينبغي أن تسعى لفهمه على الأقل.
ولا ينبغي التشكيك في كلام الرئيس الأمريكي أو الظن أنه لا يريد أن يفهم الدوافع، رغم كثرة الحديث عنها في المجتمع الغربي منذ سنوات عديدة، واصطدام كل مواجهة لها بالمصالح المادية المحضة، كمصلحة أصحاب المال في صناعة الأسلحة في الولايات المتحدة، حيث تنتشر ۲۰۰ مليون قطعة سلاح بين أيدي السكان، فالواقع أن الفرد الغربي عامة وصل- باستثناءات محدودة- إلى مرحلة العجز عن فهم ما يجري وعلاجه.
وقبل التفصيل في ذلك ينبغي التأكيد على ما يبدو أشبه بحوادث منفردة، إنما يمثل ظاهرة متفشية واسعة الانتشار، متعددة الأشكال، راسخة الجذور، ولئن كثر الحديث عن حادثة ارتكاب طفلين أمريكيين لجريمة قتل جماعية داخل إحدى مدارس أركنسو، فيكفي إلقاء نظرة عاجلة على بعض ما شهده الأسبوعان السابقان والتاليان لتلك الجريمة، في بعض الدول الغربية لبيان أن هذه الحالة تلفت الأنظار، ولكنها ليست الوحيدة قطعًا.
في منتصف مارس ۱۹۹۸م عثر في بلدة ألمانية صغيرة على جثة فتاة في الحادية عشرة من عمرها، اختطفت واغتصبت ثم قتلت، وبعد أسبوعين عثر في فرانكفورت بألمانيا على غلام في الثالثة عشرة مذبوحًا وآثار الاعتداء عليه تملأ جسده، وفي اليوم نفسه طعن فتى في الخامسة عشرة فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لأنها أهانته، واعتقل في إحدى المدارس بمدينة أخرى تلميذ عبًأ مسدسه بالرصاص أمام أقرانه وأطلق آخر عيارات من مسدس هواء مضغوط على معلمته فأصابها بجروح، وأطلق آخران في اليوم نفسه من شرفة أحد المنازل عيارات مماثلة على المارة في أحد الشوارع، فأصابا أحد عشر شخصًا، وقالا إن الملل دفعهما إلى صنع ما صنعا، وقبل يوم واحد ألقى مجهول أحماضًا في مدينة إيرلانجن على طفلة رضيعة لم تتجاوز ١٤ شهرًا من العمر فقضى على بشرة قدميها حتى الأعصاب داخل رواق أحد المنازل، وفي اليوم نفسه صدر حكم قضائي بالسجن لمدة عام ونصف العام مع وقف التنفيذ على شاب في العشرين من عمره، انزعج من صراخ طفل عمره سنتان فجعل يهزه هزًا شديدًا حتى قضى نحبه، في ذلك اليوم وهو ٢٦ مارس ۱۹۹۸م انتزع المسؤولون مسدسًا معبأ بالعيارات النارية من يد طفل في الرابعة من عمره وهو «يتباهى» به بين اقرأنه في حضانة أطفال في ولاية أوهايو الأمريكية، واعتقل آخر في الرابعة عشرة من العمر بعد أن أطلق النار على مدير مدرسته في دالي سيتي بكاليفورنيا.
القائمة لا تنتهي، ففي أمريكا يقتل ١٣ طفلًا دون ۱۸ سنة من العمر، يوميًا- وليس هذا خطأ مطبعيًا- وكان من أقوال وزيرة التربية الأمريكية إديت ماك آرثر مؤخرًا: إن جرائم ارتكاب أعمال العنف والسطو المسلح والاغتصاب، والقتل، غير منتشرة كثيرًا في المدارس- كما تزعم وسائل الإعلام- ودليلها على ذلك أنها لم تنتشر إلا في ١٠% من المدارس الحكومية، بينما يقول روبرت فيليبس- الخبير في الطب الشرعي والخبير النفساني- «إننا ترصد ارتفاعًا خطيرًا لأعمال العنف في المدارس، وأرقام وزارة الصحة تقول بارتفاع نسبة القتل خلال عشرة أعوام إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه»، وهو يشير بذلك إلى تقرير صادر عن الوزارة عن السنوات بين ١٩٨٥م و ١٩٩٤م، وفيه على سبيل المثال دون الحصر، أن عدد النساء والفتيات ضحية العنف بلغ في عام ١٩٩٤م فقط أكثر من خمسة ملايين، وتقول التقديرات إن كل امرأة من ثماني نساء فوق سن البلوغ في الولايات المتحدة، تعرضت للاغتصاب: مرة في حياتها على الأقل، وهذا ما يعادل مليون أمريكية مغتصبة مما يجعل أوضاع أمريكا في -ظل السلام والحرية- أشبه بأوضاع البوسنة والهرسك في ظل الحرب الإجرامية الصربية- الغربية الأخيرة، هذا علاوة على الذكور الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي في الولايات المتحدة أيضًا بنسبة تعادل ثلث الإناث.
مرة أخرى.. القائمة لا تنتهي لأنها تتحدث عن «ظاهرة مرضية، ومن جوانبها في ظل ما انتشر تحت دعوى التحرير المزيف للمرأة أن: استخدام العنف من جانب النساء قد انتشر حتى باتت المرأة تنافس الرجل على هذا الصعيد، ففي السنوات العشر المذكورة في التقرير المشار إليه، ازدادت حالات الاعتقال للنساء بسبب ارتكاب أعمال العنف بنسبة 134% مقابل زيادتها على صعيد الذكور بنسبة 88% وارتفع عدد تلك الحالات إلى الضعف، ومن نماذجها الواردة في التقرير كارين كوسلوف ١٧ سنة، التي استأجرت عام ۱۹۹۲م مجرمين لقتل والديها من أجل الحصول على مبلغ التأمين على الحياة، وصنعت مثل ذلك جينيفر بسكونيس ٢٢ سنة، عام ١٩٩٤م، وقتلت دوروتي روبارد أباها بالسم الذي حصلت عليه من مخبر المدرسة عام ١٩٩٣م، ولم يمض سوى أسابيع محدودة على تلك المحاكمة المثيرة لكارلا فايي توكر في تكساس التي حوكمت بسبب إكراه ابنتها على الجنس زمنًا طويلًا، وكانت ابنتها في السابعة من العمر.
▪ مكمن الخلل
إن عجز كلينتون عن استيعاب الظاهرة إنما يعود إلى أن المشكلة في الخلل الذي تفشى في البنية الاجتماعية، فقد بلغ مفعول أزمة القيم في الغرب درجة استفحلت معها مظاهر الداء، وأصابت فيما أصابت أسلوب التفكير في محاولة تشخيصه وتحديد أسبابه والبحث عن الأدوية الناجعة لعلاجه أو التخفيف من عواقبه على الأقل، ولا يقتصر ذلك على ميدان استفحال انتشار الجريمة في صفوف الأطفال والناشئة، وهم في الوقت نفسه الضحية الأولى للجرائم، بل يمتد الخلل إلى سائر الميادين الاجتماعية ذات العلاقة بمنظومة القيم، فالتفكير بالمشكلات الأسرية الناشئة عن غياب الأبوين نتيجة العمل أو نتيجة ضعف الأصرة الأسرية لا يتوجه عند معظم المفكرين والمختصين والمسؤولين عن اتخاذ القرار نحو الأسباب الجذرية، بما يمكن أن يعيد للأسرة وجودها، بل يتركز على الظواهر، مثل البحث عن توفير دور حضانة لصغار الأطفال، وكان الأصل ألا تحضنهم أمهاتهم، وعن دور رعاية للمشردين منهم، وكان الأصل هو تشريدهم ثم رعايتهم ودور حماية للنساء المعرضات للاضطهاد، وكأن من مستلزمات الحرية، أن يصبح اضطهاد المرأة ثمنًا للتقدم تحت شعار تحريرها، ويوجد عدد كبير من الأمثلة على هذه الإجراءات وما يشابهها العلاج نتائج المرض مع تقبلها، بدلًا من استئصال الأسباب، ولهذا تبقى المشكلة الكبرى التي قضت على الأسرة ويتنامى خطرها وخطر نتائجها عامًا بعد عام وجيلا بعد جيل، في مختلف الميادين، بدءًا بانتشار المخدرات، وانتهاء بقتل الأطفال للأطفال.
ولئن كان كلينتون لا يستوعب، ولا يستطيع أن يستوعب فلعل مما يشير إلى حقيقة المشكلة قول مايك هو كابي حاكم أركنسو يوم تأبين ضحايا المجزرة المدرسية أشعر بالغضب إزاء ثقافة أصبحت أفلامها ولغتها وموسيقاها تقدس العنف، ولئن أردنا الإشارة إلى ارتباط تأثير تلك والثقافة، فعلًا على تكوين الأطفال يمكننا الإشارة إلى أن التلاميذ الذين شاركوا في تأبين كريستياني، الضحية التي قتلها الاغتصاب وهي ابنة ١١ سنة في ألمانيا، قد شاركوا في التأبين التي كانوا My Heart will go on بأغنية قد حفظوها عن ظهر قلب، نقلًا عن فيلم تيتانيك الذي اشتهر مؤخرًا.
الثقافة التي يعنيها حاكم أركنسو هي تلك التي نواجه ما نواجه من حملات، كلما دعونا إلى الحذر من نقل منتجاتها وتقليدها، فتعرض للاتهام بالجهل الثقافي، أو التخلف، أو التعصب، أو الدعوة إلى حجر الحريات وما شابه ذلك من قوم نرى رأي العين أنهم يريدون المضي في تدمير المجتمع الإسلامي من داخله.
ويمكن استقراء أسباب ما وصل إليه العجز عن مواجهة الوباء، عند الإشارة إلى أن نشأته كانت نتيجة ما سمي بالثورة «بالثورة الجنسية» في الغرب، منذ مطالعها الأولى في أواخر الستينيات الميلادية، عندما بدأت تظهر حالات محدودة العدد التجاوز القوانين القائمة على بعض القيم الأخلاقية الباقية لتنظيم العلاقة بين الجنسين، وهذا ما تطور حتى وصل في خاتمة المطاف إلى أقصى درجات الإباحية الماجنة والشذوذ الكريه.
إن النسبة العظمى ممن يحتلون مواقع صناعة القرار في المجتمع الغربي الآن هم من الجيل الذي تربى في ظل الثورة الجنسية تلك، وهؤلاء يحملون معهم ما رفعته من شعارات ويتبنون ما زعمته من مقولات، بل هي التي وصلت بفريق منهم إلى مستوى الإدمان الجنسي الأشبه بالإدمان على المخدرات، فبات المدمنون- ولا نقول المرضى- لا يتورعون حتى عن الاعتداء على الأطفال والناشئة، داخل نطاق أفراد العائلة، أي على أولادهم وبناتهم، وأخواتهم والأقربين، وهو ما يمثل ما بين ٦٠% و٨٠% من حوادث الاعتداء.
كيف ينتظر إذن ممن صنع المرض بيديه وأصابه كثير من نتائجه وعوارضه أن يوجد الدواء الناجع، مادام مصرًا على ما كان عليه طوال العقود الماضية؟
وفي مقدمة ما ينبغي بيانه بهذا الصدد، أكذوبة كبرى اقترنت بإشاعة الإباحية تحت عنوان التحرر الجنسي المزيف من أنه كان نتيجة تطور اجتماعي تلقائي، بمعنى أنه يعبر عن تطلع الفرد في المجتمع العربي إلى حرية مطلقة بما في ذلك الحرية الجنسية، ومادام التشريع الوضعي يخضع لإرادة الشعب وفق المفاهيم الديمقراطية الغربية، فلا مناص من تغيير منظومة القيم والقوانين.. تبعًا لإرادة الشعوب.
ومن أخطر ما نرصده في الوقت الحاضر انتشار مقولات انتسب إلى تلك الأكذوبة الكبرى وتعمم في بعض بلادنا لتبرير مزيد من الخطوات باتجاه الانحلال الأخلاقي، عبر ما يتم نشره عن طريق القنوات الفضائية مثلًا، المحلية لا الوافدة فهنا تتريد مزاعم تقول «إن هذا ما يريده الجمهور»، وكأن أصحاب تلك المزاعم هم الأوصياء على إرادة الجمهور وأذواقه وقيمه وعلى النظم والقوانين، فنساهم بأيدينا في تثبيت المخاطر التي سبق أن تردى فيها الجيل الحالي من الغربيين أثناء العقود الماضية، وأوصلته إلى ما هو فيه الآن.
قبل ثلاثين عامًا.. كانت بداية الغرب إلى ما وصل إليه اليوم بداية مشابهة، فلم تكن القضية قضية «إرادة... وحرية» بل كانت كل خطوة من خطوات تبديل القيم، وتعديل القوانين بعيدة كل البعد عن مظاهرات شعبية ومطالب نيابية سابقة، إنما كان المنطق إليها هو تجاوز القيم والقوانين من جانب فئة محدودة العدد من أصحاب المال والأعمال، تنشر المحظورات وتنفق مبالغ ضخمة أشبه بالاستثمارات المبدئية البدنية، بانتظار ترويج البضاعة، التي كانت مرفوضة من غالبية أفراد المجتمع في البداية، ويتغاضى أصحاب القرار عن تلك التجاوزات في البداية، حتى يتمكن أصحابها عبر وسائل الدعاية، وبمختلف السيل المشروعة وغير المشروعة من تحويل مطالبهم كأقلية تناقض القيم والقوانين إلى «حملة» منظمة على المشرعين الوضعيين في ديمقراطيات لا جدال في أن عنصر المال وقوة المادة ومفعول الإعلام أشد تحكمًا فيها من إرادة الناخبين، إلى أن يخفف المشرعين العقبات القانونية، ويبيحوا ما كان محظورًا.
وكأنهم باعتبارهم منتخبين، يعبرون عن إرادة الشعب وتنتهي مرحلة من نشر الفاحشة لنبدأ الحملة التالية، وهكذا دواليك حتى بانت مهمة الدولة البحث عن مأوى للضحايا، من نساء وأطفال من الدرجة الأولى، بدلًا من تشريع ما يكفل إعادتهم إلى المأوى الأسري الذي بات مفقودًا.