العنوان من مسرح الميدان
الكاتب منال أبو الحسن
تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012
مشاهدات 111
نشر في العدد 1996
نشر في الصفحة 51
الجمعة 06-أبريل-2012
البدايات الأولى للمسرح تعبِّر عن البساطة والطلاقة في عرض الفكرة والانبهار بالموهبة في الأداء الدرامي في توصيل الرسالة للمتلقي، مع الارتباط الفعلي بالقضية الملموسة للجمهور؛ فيصبح المؤدي جزءاً من العملية الاتصالية، يكملها الجمهور وتفاعله مع الشخصية والموضوع، وحتى الكلمة المستخدمة حتى لو كانت همهمات غير مفهومة وغير مدرجة بالقاموس اللغوي للجمهور.
ففي إحدى ليالي زمان، تجمَّع أناس في مكان طلباً للدفء حول نار مشتعلة، وتبادل المجتمعون القصص والأحاديث، فخطر في بال أحدهم الوقوف واستخدام ظله لتوضيح حديثه على الجدار؛ فانبهر الحاضرون، وفهموا الرسالة في شكلها الجديد بالتعبير من خلال الخيال والصور الكبيرة على الحائط.
وبعد قرون من الزمان، وعندما أُعطي الإنسان الفرصة للتعبير عما بداخله للناس، وعندما توافرت الحرية والمكان والناس والقضية الواحدة؛ ظهرت نماذج من الأداء الدرامي الإبداعي في «ميدان التحرير »؛ مما جعله مزاراً للناس وللسائح ن توافدوا ليروا ي جمال الإبداع بأشكاله الفنية المتعددة.
وقف أحد الشباب في الميدان مرتدياً ملابس مصرية وقبَّعة هندية يدعى «مستر نانا »، وأخذ يتحاور بلغة غير مفهومة مع صديق له مصري الشكل واللغة، يقوم بترجمة حديثه للناس حول الخبرة الهندية في القضاء على الفساد والبلطجة في شكل من أشكال الكوميديا السياسية، وبأبسط السبل استطاع توصيل فكرته حول رفض الشعب لرئيس البلاد وحاشيته، وكيفية محاكمتهم، وما زال هذا الأداء يُعرض على موقع «اليوتيوب » تحت عنوان «هندي في ميدان التحرير .
هذا النوع من الترويح عن النفس له قيمته في إحداث التغيير، فلم يظهر الفن هنا من أجل الفن، ولم تكن مهمته الترويح والتنزه، رغم ما يقوم به إلى الآن من هذه الوظائف، ولكن كان شكلاً جديداً قديماً للتعبير عن رسالة شعب في الميدان.
لم يحتَجْ لمدرجات رومانية، ولا لديكور مسرحي، ولا موسيقى تصويرية، ولا إضاءة مبهرة، ولا وسائل للتسلية، ولكن اكتملت فيه عناصر الاتصال؛ فوصلت الرسالة وحفظت وتداولت ووثقت وأثارت وفكهت عن الناس. وفي تاريخ المسرح في العلوم الإنسانية، نجد أنواعاً يمكن من خلالها التعبير الصريح عن الرسالة المقصودة بأشكال متعددة، قد تأتي في شكل مأساة تحكي قصصاً مأساوية للشعب، وقد ترفِّه عنهم باللهو والنكت البسيطة في شكل مواقف وأداء درامي وكلمة ساخرة، وقد تأتي في شكل هزلي ساخر، أو شكل مسلٍّ للناس بالغناء والرقص الشعبي، أو تعرض معجزات للشخصيات التاريخية لربط الناس بتاريخ بلدهم والحفاظ على قيمهم المتوارثة، وقد حت حتدث الثورات العربية أشكالاً جديدة للمسرح، تعبِّر عن شباب الثورة والحرية والعدالة الاجتماعية المنشودة، وبلغات شبابية من قاموس جديد ابتكرته الأجيال عبر التطور العصري للتقنيات الاتصالية؛ ليواجهوا بكل تحدٍّ الأشكال التقليدية للمسرح العربي، ويعبُروا به إلى عالم التطور والمتعة الاتصالية وحرية الفكر والإبداع.
يحتاج هذا الشباب الملهم صاحب القدرات الإبداعية التواصل الفعلي مع الثقافات الحرة ومراجعة التاريخ الأصيل لكي يجمع بين الأصالة والتجديد.. فقد يحتاج للرجوع إلى المدارس المسرحية من أجل استلهام الفن الراقي، ففي المدرسة
الرومانسية حرية الإبداع والخلط ب ن التراجيدي والكوميدي، والجمع بين الشخصيات النبيلة والدنيئة، بين الضحك والبكاء، والجمع بين الرفيع والوضيع ومحاكاة الطبيعة. وفي المدرسة الطبيعية، نجد الفن الطبيعي ينقل لنا الأحداث كما تقع في الطبيعة من أجل معرفة الإنسان معرفة علمية بسلوكه الفردي والاجتماعي، ودراسة أهوائه ونوازعه، وتقدم المسرحيات الحياة في ثوبها الطبيعي، ولكن بطريقة فنية تسعى إلى تطوير فعالية رسم القيم والأخلاق.. وفي المدرسة الرمزية يثير الكاتب العالم الروحي الداخلي للشخصيات المرصودة، ولا يتم التركيز فقط على المظهر الخارجي.
وفي المدرسة المستقبلية، نجد فيها مدرسة فنية وجمالية وأدبية تمجد الحركة والمستقبل والتقنية والحداثة.
كما يحتاج الشباب إلى من يضع لهم خططاً أكثر شمولية لتطوير البنية الأساسيَّة للفن المسرحي، تبحث عن المواهب الجديدة في مختلف مجالات الفن المسرحي، وتتوسع في تشييد دور المسرح المجهزة، وتدعم النشاط المسرحي سواء على مستوى الفرق أو المُنشآت أو النصوص المسرحية، وتزيد الاهتمام بالمسرح الجامعي والمدرسي، وتنسق بين
مؤسسات الدولة المختلفة التعليمية والثقافية والتربوية والدعوية.. ولكن الأولوية لمن يلملم الشمل ويرفع الهمم ويزكي القيم النبيلة ويرسخ مفاهيم أخفتها أجيال طمست الحرية والإبداع
الرابط المختصر :