العنوان الإمبراطورية الرأسمالية تتبخر.. هل يستطيع المسلمون طرح نموذج اقتصادي ينقذ البشرية من شقائها؟
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2008
مشاهدات 62
نشر في العدد 1824
نشر في الصفحة 18
السبت 25-أكتوبر-2008
الكارثة المالية العالمية فرصة سانحة للبديل الإسلامي
التحدي القائم يكمن في القدرة على إنتاج نظام مصرفي يتمكن من استيعاب الأزمة المالية العالمية وفق النظرية الإسلامية.
على العاملين في المجال المصرفي الإسلامي مسؤولية تاريخية لتطوير النموذج الإسلامي بأدوات جديدة تستوعب متطلبات العصر.
النموذج الليبرالي الجديد: خمسة آلاف شخص يملكون نصف الناتج القومي العالمي.. ونصف سكان العالم يعيشون بأقل من دولارين يوميا!!
الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية: النظام المالي العالمي في الأعوام المقبلة سيكون مختلفا تماما عما نشاهده اليوم.
انهيار الأسواق المالية ليس حدثا مصرفيا فقط..بل هو تعبير عن فشل الليبرالية الجديدة في الامتحان التطبيقي على أرض الواقع.
«إن القتلة الاقتصاديين هم محترفون يتقاضون رواتب عالية، ويغشون البلدان في أرجاء الكرة الأرضية كلها بمبالغ تصل إلى تريليونات من الدولارات.
إنهم يقومون بتحويل المال من البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وغيرهما من منظمات المساعدة الخارجية إلى صناديق الشركات العملاقة، وجيوب عدد قليل من العائلات الموسرة التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكوكب، وتشمل أدواتهم إعداد تقارير مالية خادعة، والابتزاز، وتجارة الجنس، إنهم يمارسون لعبة قديمة بعمر الإمبراطورية، لكنها لعبة اتخذت أبعادًا جديدة مرعبة خلال زمن العولمة هذا، ويجب أن أدرك أنني كنت أحد هؤلاء القتلة الاقتصاديين».
هذه الفقرة هي المقدمة الافتتاحية لكتاب اعترافات قاتل اقتصادي للمحاضر والاقتصادي الأمريكي جون بيركنز، والذي بيع منه أكثر من نصف مليون نسخة، وهي تختزل وصف الجانب غير الأخلاقي في الليبرالية الجديدة آخر طبعة من الرأسمالية الغربية.
النموذج الليبرالي الجديد الذي وصفه فرانسيس فوكوياما بأنه نهاية التاريخ على إثر سقوط الاتحاد السوفييتي ونموذجه الاشتراكي يموت بسببه حاليا نحو ٢٤ ألف شخص من الجوع يوميًّا، ويهلك عشرات الآلاف. معظمهم من الأطفال جزاء المرض، وهو يكدسُ الثروة بشكل لم تعرف البشرية له مثيلا، إذ يمتلك نحو أقل من خمسة آلاف شخص نصف الناتج القومي العالمي، بينما يعيش أكثر من نصف سكان العالم على أقل من دولارين يوميا!
وقد أصبح نموذجًا، إنمائيًا تحديثيًا معولمًا، بحسب التعبير الأمريكي، سوقه البنك الدولي مبنيا على الدين حيث دفع مقرضو العالم الأول، قروضهم، فتلقفتها نخب العالم الثالث الفاسدة، ونصبت فخ الدين لبلدان الجنوب بمبالغ تزيد على ٣٠٢ تريليون دولار أمريكي، من دون أن ينتج في المقابل إنماء حقيقي، وهذه البلدان مضطرة الدفع ٣٧٥ بليون دولار سنويا كي تفي بديونها، بحسب ستيفن هيات في كتاب لعبة قديمة بعمر الإمبراطورية، ويحمي هذا النظام المجحف شبكة محكمة من الضبط والسيطرة بأدوات مالية وسياسية وعسكرية بيد القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
ويصور جوزيف سيتجليتز رئيس الخبراء الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه العولمة والساخطون عليها، حجم العطب والتحايل على أعلى مستوى في المنظومة الاقتصادية العالمية (النموذج التطبيقي لفكرة الليبرالية الجديدة)، حيث يقول: من أجل جعل برامج صندوق التمويل الدولي تبدو صالحة، ولجعل الأعداد ذات معنى لا بد للتنبؤات الاقتصادية من تكييف. وكثيرٌ من مستخدمي هذه الأعداد لا يدركون أنها ليست تنبؤات معتادة.. وفي هذه الأحوال تصبح تنبؤات الناتج المحلي الخام غير مبنية على نموذج إحصائي مطور، أو حتى على أحسن تقديرات أولئك الذين يعرفون الاقتصاد حق المعرفة، بل تكون تلك الأعداد مجرد أعداد تمت المفاوضة حولها كجزء من برنامج هذا الصندوق.. فالعولمة، كما تتم الدعوة إليها، تبدو غالبًا أنها تحل محل الدكتاتوريات القديمة للنخب الوطنية، وتقيم مكانها دكتاتوريات مالية دولية جديدة.
عاصفة وول ستريت
تطورت الرأسمالية منذ نشأتها بأشكال مختلفة بدأت بالرأسمالية التجارية وتبعتها الصناعية، وقد أنتجتا الإمبريالية الغربية بحروبها الكولونيالية، التي سيطرت على ثروات العالم بقوة السلاح، وأخيرًا الرأسمالية المالية بشكلها الليبرالي الجديد المتوحش منتجة نوعًا من الإمبريالية القاتلة، ولكن بنعومة خادعة في رداء ما سمي به «العولمة»، وأداتها «الخصخصة» التي امتصت ثروات العالم الثالث عبر عملية شراء محمومة للمؤسسات الاقتصادية الرابحة في العالم الثالث لصالح الشركات المتعددة الجنسيات.
لم يقف هذا التوحش الليبرالي الجديد عند حد سرقة الآخرين، بل عمل على تغييب القاعدة الأساسية في الاقتصاد، وهي العرض والطلب، بسبب حالة التشبع الاقتصادي، ومجاراة لما يسمى بالنمو الاقتصادي: فأنتجت ذئاب السوق الغربية اقتصادا وهميًا خادعًا في وطن الرأسمالية ذاتها إذ تجد صورته المتورمة في النظام المصرفي عبر أرقام تنبض على شاشات الأسواق المالية، لكنها ليست بالضرورة معبرة عن الواقع الاقتصادي الحقيقي، التورم الاقتصادي الخادع هذا ولد فقاعات اقتصادية سرعان ما انفجرت كما حدث في فقاعة الإنترنت عام ٢٠٠٠م، ومن ثم فقاعة الرهن العقاري وأخيرًا مولدة زلزالًا ماليًا ضخمًا عصف بالنظام المالي العالمي بأكمله، معقبا ارتدادات وصفها جون ليبسكي النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولي، بأنها تحركات زلزالية لم تشهد نظم المال العالمية مثيلاً لها من قبل في حين شبهها الملياردير، وارين بافيت بأنَّها ليست أقل من بيرل هاربر اقتصادية في إشارة إلى انهيار الدفاعات الأمريكية أمام الهجوم الجوي الياباني الكاسح في ديسمبر عام ١٩٤١م.
أصداء الأزمة
أدق ما يعبر عن تداعيات الأزمة اقتصاديًا وجيوسياسيًّا، ما صرح به الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية جان بيار جوبيه، قائلا: إنها نهاية عهد وسيكون النظام المالي في السنوات المقبلة مختلفًا تمامًا عما نشاهده اليوم: لأنه لا بد من ضمانات أقوى وشفافية أكبر..
ويشكل أكثر جرأة وصفها وزير المالية الألماني بير شتاينبروك، بقوله: «إن أمريكا ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي، ويجب أن تعمل مع شركائها للإنفاق على قواعد عالمية أقوى لتنظيم الأسواق بعد كل ما تركته الأزمة الحالية من آثار عميقة.. وإن (وول ستريت) لن تعود أبدًا إلى ما كانت عليه قبل الأزمة».
لكن أخطر ما قيل من داخل البيت الغربي، تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي: إن الأزمة المالية الأمريكية تشير إلى نهاية نظام السوق الحرة، وهو ما يعني تهديد الليبرالية الجديدة في أحد أهم أسسها الفكرية والاقتصادية.. السوق الحرة.
مخرجات مستقبلية
والقراءة الفاحصة لجوهر الأزمة المالية العالمية يشير المخرجات إستراتيجية مستقبلية، منها: الأزمة الحالية ستزيد وتيرة التحولات الجارية في النظام الدولي، بما يعني غياب القطبية الأحادية الأمريكية تجاه تشکیل جديد للمنظومة الدولية ربما يكون تعدديًّا: إذ إن انفجار وول ستريت جاء مؤكدا لتنبؤات العديد من المحللين الاستراتيجيين، ومنهم الكاتب دانيال دريزنر الذي كتب مقالا تحت عنوان ما بعد النظام العالمي الجديد.
نشرته مجلة- Foreign Affairsشؤون خارجية عدد مارس/أبريل ٢٠٠٦م، و قال فيه: إن المعطيات التي فرضها الواقع الدولي من تصاعد قوى ذات ثقل اقتصادي و سياسي متنام أصبحت محددات لا يمكن لأمريكا غض الطرف عنها، وفي سبيل بحث الولايات المتحدة عن مصالحها، ربما تجد من الأفضل أن تتلاقى مصالحها مع مصالح هذه القوى المتنامية؛ لتعيد تشكيل النظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.
انهيار الأسواق المالية في وول ستريت لم يكن حدثا مصرفيًّا فقط، بل هو تعبير عن فشل الليبرالية الجديدة في الامتحان التطبيقي على أرض الواقع، وذلك يعني.. فكريا أن الرأسمالية فشلت فشلًا ذريعًا بنموذجها الجديد وعليها إما أن تجدد نفسها، أو أن تفسح المجال لغيرها من عقائد من اقتصادية أخرى.
فرصة السقوط هذه، تشكل تحديًا في اختباريًّا للنظام المصرفي الإسلامي، وعلى العاملين في هذا المجال مسؤولية تاريخية لتطوير هذا النموذج الإسلامي بأدوات عصرية تستوعب نطاق العصر ومتطلباته، ولا شك أن النظرية المالية الإسلامية حقيقة ثابتة باعتبارها تستند إلى الحق، ولكن التحدي القائم يكمن في القدرة على إنتاج نظام مصرفي عالمي يتمكن من استيعاب الأزمة المالية العالمية وفق النظرية الإسلامية، خاصة وأن أصواتًا عديدة داخل النموذج الغربي أخذت تطالب باستدعاء النموذج الاقتصادي الإسلامي.
وهناك شهادة مهمة للفيلسوف الإنجليزي المحافظ مايكل أوكشوت - اقتبسها جون جري في كتابه القيم (ما بعد الليبرالية: دراسات في الفكر السياسي) - يقول فيها: إن أيام الليبرالية معدودة، فالليبرالية خاصة بالشكل الذي تحكم به السياسة في الولايات المتحدة، غير مجهزة للتعامل مع مآزق العالم الجديدة.
ويبقى القول: إن اللحظة التاريخية توفر فرصة حضارية سانحة للبديل الإسلامي، ولكن هل المسلمون قادرون على تقديم النموذج المستند إلى الوحي لإخراج البشرية من شقائها؟!