; الافتتاحية: المسلمون وامتلاك السلاح الحاسم | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: المسلمون وامتلاك السلاح الحاسم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1990

مشاهدات 64

نشر في العدد 962

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 10-أبريل-1990

حملة إعلامية صاخبة هذه التي أحاطت مؤخرًا بعلاقة العراق بدول المعسكر الغربي وعلى الأخص بريطانيا والولايات المتحدة، والسبب المعلن لذلك هو قرار العراق بشأن الجاسوس البريطاني «بازوفت»، ثم قضية الأسلحة الصاروخية والكيماوية التي بات العراق يمتلكها، والتي أعلنت واشنطن لدى الكشف عنها أن العراق أصبح يشكل خطرًا على «الاستقرار» في الشرق الأوسط.

وكان من الممكن تفسير هذه الحملة في البداية في إطار الحملات الإعلامية للاستهلاك المحلي والتي اعتادت عليها المنطقة العربية، لولا أن ما حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية كان مبدأه تلك الإجراءات البريطانية المبالغ فيها ضد العراق، بسبب جاسوس فاشل ضبط بالجرم المشهود في موقع عسكري عراقي، وأثبتت وسائل الإعلام البريطانية- سوى الرسمية منها- ارتباطه في مناسبات عديدة بدوائر الأمن والاستخبارات داخل بريطانيا.

كانت الإجراءات البريطانية باستدعاء السفير وطرد الطلبة العراقيين والتهديد بالمقاطعة الاقتصادية ثم الحملة الإعلامية ضد العراق- في إطار الدفاع عن حقوق الإنسان- رد فعل مبالغًا فيه على قرار الإعدام العراقي، وإذا كان من المعروف أن عملاء أجهزة المخابرات البريطانية لا يساوون لديها أكثر من الجنيهات الإسترلينية التي تصرف إليهم- وخاصة إذا كانوا من دول العالم الثالث- فإن ذلك الموقف المتصلب لبريطانيا يكشف عن موقف موحد يتبناه العالم الغربي مؤخرًا ضد العراق، بسبب نجاح هذا الأخير في تطوير وامتلاك الأسلحة «الحاسمة» التي تحرص الدول الكبرى على احتكارها.

وكان العراق قد أعلن في مناسبتين مختلفتين عن امتلاك نوعين من الأسلحة: أحدهما هو السلاح الكيماوي «المزدوج»، وهو نوع فتاك ومعقد من الأسلحة الكيماوية، والثاني هو صاروخ «العابد» الذي أطلقه العراق قبل فترة، وأكدت مصادر عالمية أنه قادر على بلوغ مسافة ۲۰۰۰ کیلو متر وحمل أقمار صناعية إلى الفضاء.

هذه القدرة الثنائية «العبوة الكيماوية + الصاروخ الناقل لها» تمثل مستوى حساسًا من القدرة العسكرية لدولة من العالم الثالث، وعندما تمتلك دولة عربية وإسلامية التكنولوجيا الكافية لتحقيق هذا المستوى، فإنه من الممكن توقع الموقف الذي سينشأ في عواصم مثل واشنطن ولندن.

وقد كان للعراق محاولة سابقة لامتلاك السلاح الحاسم في إطاره الأخطر وهو السلاح النووي، وكانت الغارة الجوية الإسرائيلية على المفاعل العراقي قرب بغداد في ٧ يونيو ۱۹۸۱ والتي أدت إلى تدمير أجزاء حساسة فيه، وتعطيل ذلك المشروع الطموح هو الرد الغربي على محاولة كسر احتكار السلاح الحاسم، والأداة المستخدمة هي الكيان اليهودي بآلته العسكرية المستأسدة، وقد باركت الولايات المتحدة في وقتها نجاح الضربة الإسرائيلية.

ولم يكن العراق أول المواجهين لهذا النوع من العسف الغربي، فقبله واجهت الباكستان ضغوطًا رهيبة من الولايات المتحدة لإيقاف مشروعها النووي، وكان هذا الأمر مدار مساومات بين المسؤولين الأمريكيين والباكستانيين خلال مناقشة المساعدات المالية لباكستان، بصفتها صديق إقليمي للولايات المتحدة.

ويقال إن تفجير طائرة الرئيس الباكستاني السابق ضياء الحق كان محاولة دموية تهدف في النهاية- مع أمور أخرى- لوقف مشروع «القنبلة الإسلامية»، كما كانت الصحافة الغربية تصف قنبلة الباكستان.

وفي الحالتين فإن الموقف واحد، فالدول الغربية لديها إصرار تام على منع أي دولة ضمن العالم الإسلامي من امتلاك السلاح الحاسم، نوويًّا كان أم كيماويًّا، وكذلك الوسيلة الناقلة له كالصواريخ بعيدة المدى والصواريخ الجوالة «كروز»، وفي المقابل نجد دولًا أخرى في العالم الثالث قد امتلكت فعلًا هذه الأسلحة مثل «إسرائيل» والهند ودول أخرى في طريقها لذلك مثل الأرجنتين وتشيلي، ولا يوجد في العالم الغربي موقف مماثل ضد مشاريع هذه الدول كالذي يحدث مع العراق والباكستان.

هذا النجاح العراقي في امتلاك نوع من الأسلحة الحاسمة سوف يحدث تغييرًا ولو جزئيًّا في معادلة القوة العسكرية في الشرق الأوسط، وفي إطار المواجهة العربية- الإسرائيلية، فمنذ أواسط السبعينيات امتلكت «إسرائيل» السلاح النووي وأصبح العالم العربي بأكمله مكشوفًا أمام قنابلها المخيفة، وبذلك اختلت المعادلة تمامًا لصالحها، وأصبح التفكير بتحطيم الكيان اليهودي حلمًا غابرًا في نفوس العسكريين العرب أمام سلاح الردع النووي «لإسرائيل».

وإذا كان السلاح الكيماوي لا يرتقي في قدراته إلى القنبلة النووية فإنه يبقى سلاحًا فتاكًا قادرًا على فعل الكثير ضد جيوش وأفراد العدو، وبالتالي يعطي تعديلًا ولو قليلًا لمعادلة اختلت بقدر كبير.

نحن مع كل قرار إسلامي وعربي بامتلاك التكنولوجيا المتقدمة في مجال الدفاع، سواء أمام الخطر الإسرائيلي أو سائر الأخطار ضد أراضي الإسلام وديار العروبة، وبغض النظر عن دوافع أي دولة إسلامية وعربية في امتلاك السلاح النووي أو الكيماوي، فإن توفر هذه التكنولوجيا شر لابد منه، للوقوف على أرض صلبة في أي مواجهة حاسمة للدفاع عن وجودنا في مواجهة عدو لا يملك أي رادع أخلاقي، أو قانوني في استخدام سلاحه لقتل الملايين من أهلنا وفي ديارنا.

الرابط المختصر :