الثلاثاء 30-يناير-1979
حول البحث الإسلامي الذي ينبثق مجددًا في مشارق الأرض ومغاربها، تعددت التحليلات والدراسات الغربية، فمنها من أرجع هذه الظاهرة إلى عوامل اجتماعية، ومنها من ردها إلى العامل السياسي، وقليلة هي الدراسات التي عرفت أن الشعب المسلم يقوم بردة للانسلاخ عن الفكر الغربي والثقافة الاستعمارية، في محاولة للبحث عن الذات الإسلامية، وهذا ما أشار إليه. راديو كولونيا في تعليق له قال فيه:
«إن ما يبدو لنا في أوروبا على أن ما يحدث في أقطار البلدان الإسلامية إنما هو تقلب سياسي أو تيه في أغلب الأحيان، ما هو إلا عبارة عن بحث دائب من جانب تلك الشعوب عن رأي خاص بها، وعن هوية جديدة تطمح للتوصل إلى وعي إسلامي ذاتي، على النحو الذي طالب به في القرن الماضي المصلح الإسلامي الشيخ جمال الدين الأفغاني».
ولعل مسألة اضمحلال التأثير الديني على الحياة السياسية في الدول الغربية، جعلت الغربيين لا يجيدون الطريقة المثلى التي تضمن لهم إدارة شعوب البلدان الإسلامية في الفترات الماضية، والتي ما زالت متعلقة بإسلامها، تنادي به دینا ودولة، عقيدة وتشريعًا، بيد أن هذا التسارع الذي يشهده العالم للبعث الإسلامي الجديد، هو الذي أثار حفيظة الصليبية واليهودية في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي دعا القوى المتواجدة في مناطق المسلمين إلى إعادة النظر في التعامل مع الإسلام، لأن الإسلام لا بد وأن يقلب موازين تلك القوى، وهذا الذي جعل وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق ينبه حكومة بلاده في حديث مطول أجرته معه في الأسبوع الماضي صحيفة «يديعوت أحرونوت» حذر فيه من ظاهرة البعث الإسلامي وقال: «إنها تقلب العديد من الموازين الإسرائيلية، وتفرض علينا التفكير بصورة جديدة بمدى الوزن الذي يتمتع به الإسلام في جيلنا الحاضر»، وقد أشار في حديثه إلى أن السلام مع مصر يحقق لإسرائيل مواجهة الإسلام فقال: «إن هنالك إمكانات حقيقية لمواجهة هذا الوضع عن طريق إقامة السلام بين مصر وإسرائيل، وعلم إضاعة الفرصة السانحة حاليًا والتي لا يعرف أحد متى يتكرر مثلها».
وإذا كان الغرب يتخبط في فهمه للحركة الإسلامية وطبيعتها، فإن الولايات المتحدة بدأت تعرف طبيعة هذه الحركة التي بدأت الشعوب الإسلامية تجنح إليها وتعول عليها في ردتها عن أيديولوجيات الشرق والغرب معًا، وأمام هذه المعرفة الأمريكية، بدأ الساسة الأمريكيون يفكرون بالطرق التي تمكن لدولتهم المحافظة على توازنها في مناطق المسلمين، ويمكن للمرء أن يقف على التكتيك الأمريكي الجديد في بلدان العالم المسلم من خلال تصريح بريزنسسكي مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي قال فيه:
«إن الولايات المتحدة يجب أن تتخلى عن سياسة الحفاظ على الوضع القائم، لأن دول العالم الإسلامي تتطلع إلى التغيير، ومجتمعاتها حبلى بهذا التغيير، ومقاومة هذا الاتجاه لن تمنع التغيير، بل ستتيح الفرصة لدول أخرى لتبني هذه الرغبة وطرح مفاهيمها وأهدافها على حركة التغيير، ولذلك يجب أن تساهم الولايات المتحدة في إحداث التغيير».
ولعلنا نستطيع ملاحظة التكتيك الأمريكي من تصريح بريزنسكي فيما يلي:
• العمل على إحداث تغييرات في علاقة أمريكا بدول العالم الإسلامي، بحيث تضمن هذه التغييرات استمرارية تلك الدول في الفلك الأمريكي، وتحقق للولايات المتحدة الإفادة من القوة الذاتية للشعوب الإسلامية في تمرير مصالحها الاستراتيجية الخاصة.
• التخطيط لضرب بعض الواجهات الحاكمة، ولا سيما تلك التي لم تستطع امتصاص طموحات شعوبها، والتي عجزت في الحقبة الماضية عن ترويض هذه الشعوب بما يتناسب والرغبة الاستعمارية الحاقدة.
• إن المقاومة الأمريكية للاتجاه الإسلامي ستتيح المجال لدخول القوى العالمية المختلفة في غياب الإسلام، كالسوفيات والقوى الأوروبية الأخرى، لذا فإن أمريكا تحاول تبني بعض الاتجاهات الدينية القادرة على ضبط الشعوب، والتي يمكن لها أن تكون -بحسب المنظور الأمريكي- بديلًا عن الحركات الإسلامية الجادة، وهذا يفسر لنا إعلان الرئيس المصري عن رغبته في تأسيس حزب ديني في مصر بدعوى مكافحة الشيوعية.