; الخريطة السياسية للجنوب اللبناني بعد المرحلة الأولى من الانسحاب | مجلة المجتمع

العنوان الخريطة السياسية للجنوب اللبناني بعد المرحلة الأولى من الانسحاب

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 707

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 05-مارس-1985

* العمليات ضد إسرائيل لن تتوقف سواء انسحبت من لبنان أم لم تنسحب 
بعد أسبوعين من إنجاز المرحلة الأولى للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وعلى عتبة المرحلة الثانية من الانسحاب الموعود، تبدو الخارطة السياسية والعسكرية لمنطقة الجنوب مختلطة الأوراق، متداخلة المشاكل. لقد تمت المرحلة الأولى بنجاح، وأتيحت الفرصة أمام الجيش اللبناني كي يحتل مواقعه في المناطق التي انسحبت منها إسرائيل خلال ساعات قليلة في منطقة صيدا والزهراني، وصولًا إلى منطقة أبو الأسود جنوبًا، حيث تفصله عدة كيلومترات عن القوات الإسرائيلية المنسحبة عند نهر الليطاني، فهل يمكن أن تتم المرحلة الثانية بنفس السهولة، ودون مشاكل وانتكاسات حزبية أو طائفية؟
من المعروف أن الموعد المضروب للانسحاب الأول كان يوم 18 شباط «فبراير»، وكانت القوات الغازية قد أخلت المنطقة تمامًا يوم 16 منه، وخلال ساعات قليلة تقاطرت أرتال السيارات تنقل المواطنين العائدين إلى مدينتهم.. لا سلاح في الشوارع، كل شيء منضبطًا، اللهم إلا بعض عمليات التصفية لعملاء إسرائيل الذين آثروا البقاء والاختفاء، فاعتقل بعضهم، ونفذت أحكام الإعدام ببعضهم الآخر، بعد أن كانت رموز العمالة الرئيسة قد رحلت مع قوات الاحتلال أو سافرت بحرًا خارج البلاد.
في اليوم التالي «17 شباط» يفاجئ رئيس الجمهورية أمين الجميل مع رئيس وزرائه رشيد كرامي، المواطنين بزيارة يخطب خلالها مؤيدًا المقاومة التي سماها لبنانية. بعض المواطنين رحب بالزيارة على أنها تأييد -ولو كان شكليًّا- للمقاومة التي أرغمت إسرائيل على الانسحاب لأول مرة من أرض احتلتها بالقوة. وبعض المواطنين امتعض للزيارة لأنها محاولة مكشوفة لاقتطاف ثمرة جهاد طويل ودماء وشهداء في الوقت الذي لم تقدم فيه الدول شيئًا لهذه المقاومة، بل كان جيش السلطة يتعقب رجالها كما تتعقبهم القوات الإسرائيلية سواء بسواء.
في مدينة صيدا رمزان رئيسيان تزورهما وفود المهنئين، على اعتبار أنهما صمدا في المدينة ولم يهادنا قوات الاحتلال: مفتي صيدا الشيخ سليم جلال الدين، ونائبها الدكتور نزيه البزري. لكن الجميع يدركون أن كلا الرجلين لا يملك قوة عسكرية ولا مجرد تنظيم في المدينة، وعلى هذا فإن الفاعلية الحقيقية كانت تدور حول التنظيمات التي تملك القدرة السياسية والعسكرية في المدينة وما حولها. وعملية مسح بسيطة توضع الصورة التالية:
أولًا: التنظيم الشعبي الناصري
أنشأ هذا التنظيم نائب صيدا السابق معروف سعد الذي كان مصرعه على يد الجيش خلال مظاهرة لصيادي الأسماك الشرارة الأولى للحرب اللبنانية عام 1975، فخلفه ابنه مصطفى سعد الذي كان يدرس الهندسة في الاتحاد السوفيتي. وتسمية التنظيم تعكس انتماءه، وإن كان قد خاض مواجهة حادة مع بعض فصائل المقاومة الفلسطينية إبان الغزو الإسرائيلي عام 1982. لم يكن التنظيم منضبطًا خلال فترة الاحتلال، فقد تساقطت بعض عناصره وشكلت مراكز للعمالة، ولهذا فإن بنيته مخترقة وقوته موزعة. وعندما نسف منزل مصطفى سعد قبيل الانسحاب برزت شخصية كانت معتزلة لتقود التنظيم، الدكتور نبيل الراعي، لكنه لم يستطع استقطاب كل العناصر خاصة، وأن مصطفى سعد يخضع لعلاج طويل في الولايات المتحدة نتيجة إصابة وجهه ورأسه بتشوه كبير، قد يفقده البصر. وعلى هذا فإن التنظيم الشعبي الناصري لا يشكل كتلة سياسية أو عسكرية يمكن أن تمسك بزمام المدينة منفردة.
ثانيًا: الجماعة الإسلامية
تملك الجماعة الإسلامية رصيدًا حسنًا في مدينة صيدا؛ لأن شبابها قدموا تضحيات كبيرة في مواجهة قوات الاحتلال، فقد سقط منهم سبعة شهداء، كان العدو قبلها يتحرك في المدينة بحرية كاملة بعد أن ظن أن صيدا ركعت أمام جبروته. لكن هذه المواجهة جعلت إسرائيل تعتقل كل رموز الجماعة أو حملتهم على مغادرة المدينة لتكون المواجهة بعد ذلك عسكرية بحتة. وعلى هذا فإن الجماعة تعاني غيابًا عن صيدا استمر أكثر من سنتين أفقدها وجودها السياسي الذي احتفظت به الفئات الأخرى. لذلك فقد أعلنت الجماعة عن مسئول سياسي لمنطقة الجنوب هو الشيخ صلاح الدين أرقدان، أعلن مواقف الجماعة وحدد علاقتها بالجيش وقوى الأمن والفئات الأخرى الموجودة في المدينة، لكن الجماعة تتمتع بموقف عسكري لا بأس به نتيجة استمرار وجودها وتعاطيها مع الأحداث، فضلًا عن التنسيق مع الأحزاب الإسلامية الأخرى.
ثالثًا: منظمة أمل
تتركز قوة منظمة أمل في المناطق الشيعية الجنوبية، وعلى هذا فإن وزنها السياسي والعسكري شبه منعدم في مدينة صيدا، اللهم إلا في منطقة «حارة صيدا» حيث تملك قاعدة جماهيرية واسعة، لكن التناقض الذي تعيشه أمل مع «حزب الله» على الساحة الشيعية يجعلها تلجأ في الغالب إلى المزايدة السياسية والعكسرية، فهي تنسب كل العمليات الجهادية في الجنوب إليها، في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن المقاومة في الجنوب هي إسلامية بنسبة ثمانين بالمائة من عملياتها، سواء في المنطقة السنية أو الشيعية. لكن على الرغم من هذا فإن الوزن الشعبي لأمل كمنطقة شيعية يمنحها دورًا سياسيًّا وعسكريًّا في المناطق المحيطة بصيدا لا يمكن تجاهله حتى عند النظر بأي قرار يتعلق بالمدينة نفسها.
رابعًا: المخيمات الفلسطينية
كانت المخيمات الفلسطينية تشكل قبل الغزو الإسرائيلي محور القوة السياسية والعسكرية في الجنوب، إلا أن دورها تضاءل الآن نتيجة الانقسامات داخل الصف الفلسطيني، ولأن المخيمات كان لها دور ثانوي في المواجهة مع قوات الاحتلال، والعنصر الذي يميز مخيم عين الحلوة قرب صيدا -إن لم يكن كل المخيمات- هو بقاء سكان المخيمات على ولائهم لياسر عرفات رغم الحملات التي تشنها ضده سوريا، ورغم محاولات المنشقين عن فتح بناء قاعدة شعبية متميزة. وقد شكل التحالف الديمقراطي في المخيم: «فتح، الديمقراطية، الشعبية» قيادة مشتركة للمخيم تتحدث باسمه وتدافع عن مصالح سكانه، إلا أن الانقسام الداخلي وخوفها من أن تطوقها سوريا بواسطة الجيش اللبناني أو قوات منظمة أمل، يجعل الفاعلية الفلسطينية مشلولة عن المشاركة بالمواجهة العريضة مع إسرائيل.
خامسًا: الأحزاب اليسارية
كانت الأحزاب اليسارية المنضوية تحت مظلة الحركة الوطنية اللبنانية قبل الاحتلال تتمتع بسمعة واسعة نتيجة التأييد الذي كانت تتلقاه من كل فصائل المقاومة الفلسطينية. لكن مع اهتزاز بنية منظمة التحرير ورحيل المقاومة، فقد انفرطت هذه المنظومة وتضاءل نفوذها. وفي طليعتها: الحزب الشيوعي، منظمة للعمل الشيوعي، الحزب القومي الاجتماعي، حزب العمل الاشتراكي.
شروط سياسية
بعد هذا الاستعراض السريع للبنية السياسية والحزبية في مدينة صيدا لا بد من القول بأن كل القوى في المدينة توافقت على أن تتيح المجال لقوات السلطة الرسمية مر جيش وقوى أمن كي تحفظ الأمن في المدينة وتسطير على مرافقها العامة، أما بالنسبة لموقف الجماعة الإسلامية فقد أعلنت أنها توافق على هذا بشروط ثلاثة:
1- أن يكون القرار السياسي في المدينة نابعًا من فعالياتها السياسية وقياداتها.
2- ألا يتحول الجيش إلى أداة قمع لقهر المواطنين، سواء في صيدا أو المخيمات الفلسطينية.
3- ألا يحول الجيش دون المقاومة الإسلامية ومتابعة عملياتها ضد القوات الإسرائيلية.
المناطق الواقعة تحت الاحتلال
بعد أن نفذت إسرائيل المرحلة الأولى من انسحابها بدأت تنفيذ تهديداتها السابقة باعتماد أسلوب القبضة الحديدية ضد المقاومة؛ فهي تطوق القرى وتحاصرها، وتجمع الناس في الساحات العامة لتمشط منازلهم بحثًا عن السلاح، وتقتل وتعتقل.. لكن كل هذا لم يفت في عضد المقاومة. وقد أدرك زعماء الكيان الصهيوني -مدنيين وعسكريين- ثم كان خطؤهم فادحًا عندما نفذوا غزوهم للجنوب اللبناني. لقد فشلت كل جهودهم في تطويق المقاومة، لذلك فهم يطلقون عليها حينًا أنها إرهاب شيعي أو أنها صادرة عن مخربين؛ كي يحاصروا المقاومة ويعزلوها عن الإطار الإسلامي العام. لقد كانت صيدا عاصمة المواجهة، وكل سكانها مسلمون سنة، والبقاع الغربي الذي تواجه قراه الغزاة ليس فيه شيعة، وإسرائيل تدرك جيدًا بأن المقاومة هي حالة إسلامية جهادية، سواء كانت صادرة عن قرى سنية أو قرى شيعية. وقد أفلحت المقاومة -بحمد الله- في أن تحول المواجهة من مجرد عمليات تقوم بها مجموعات خاصة إلى حالة جماهيرية يعيشها الناس رجالًا ونساء وأطفالًا. ولطالما حاصرت إسرائيل القرى بدباباتها وحاولت اقتحامها، فتمنعها النساء من ذلك بوضع الحواجز ورشق الحجارة وإلقاء الزيت المغلي على دوريات العدو، سلاحهن القبضات العارية وهتاف «الله أكبر» يرتفع من حناجر الأطفال والفتيات المحجبات.. وهذا عنصر جديد يضيف لدور المرأة المسلمة في المواجهة مع العدو لتؤدي دورها البطولي إلى جانب أخيها الرجل. وقد سقط حتى الآن ما يزيد على خمس نسوة شهيدات في مواجهات القرى، مما ألجأ إسرائيل إلى إعلان حظر التجول، ومنع وقوف السيارات على الطرقات، وفرض حصار تمويني على القرى الآمنة المعزولة.
مستقبل المقاومة
إن أهم ما يشغل إسرائيل والمهتمين بأمنها واستقرارها أنها لن تكون بمنجاة بعد الآن من ضربات المقاومة الإسلامية التي تتعقبها من كل منطقة تنسحب إليها نحو حدودها المصطنعة، ولقد كان مناحيم بيغن يفاخر قبل الغزو بأن الصواريخ لن تسقط بعد الآن على مستوطنات الجليل، لكن كل المسئولين الآن يصرحون بأن المعركة مع المقاومة لن تنتهي، وأن إسرائيل أفلحت في استئصال مقاومة فلسطينية تنطلق من مخيمات بعيدة نسبيًّا عن حدودها لتجد نفسها الآن أمام مقاومة إسلامية عامة تلاحقها في كل مكان. لذلك فإن الأمل كبير والعزم أكيد بإذن الله لدى التيار الإسلامي في الجنوب اللبناني على متابعة المواجهة مع العدو المغتصب تحت كل الظروف، سواء انسحبت إسرائيل أم لم تنسحب، وأن تكون معركة الجنوب القائمة هي طليعة المواجهة الإسلامية الموعودة مع اليهود الغاصبين.
قد يكون الطريق وعرًا وتكاليفه كبيرة، لكن الذي يرصد الساحة اللبنانية التي اجتاحتها قوات الاحتلال خلال أيام دون عناء، ثم يلاحظ الحيوية الإسلامية وارتفاع وتيرة المواجهة القائمة، يدرك بوضوح أن حاجز الخوف من وهم إسرائيل قد انهار، وأن جيشها لم يعد القوة التي لا تقهر، وأنها باجتياحها للبنان إنما حفرت قبرها بظلفها.
واجب العالم الإسلامي
ليس مطلوبًا من حكومات العالم الإسلامي أن تفعل شيئًا من أجل متابعة المقاومة؛ لا إعلان الجهاد، ولا دعم المقاومة، ولا تبنيها، فلعل الخطوات الموفقة التي تجاوزتها المقاومة كانت لأن قدراتها ذاتية، ولأنها لم تدنس يدها بأموال الأنظمة، ولا سيما الأنظمة العربية المحيطة، كل ما هو مطلوب من شعوب العالم الإسلامي هو أن تتعلم درسًا من التجربة الفذة القائمة الآن، وأن ترصدها لتتابع طريقها بعد ذلك على طريق التحرير، ولا بد أن عدوى المواجهة سوف تمتد لتصل إلى الجماهير الإسلامية في غزة والضفة الغربية والجولان وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة لتسلك نفس الطريق.
لأن المقاومة إسلامية 
ولأن المقاومة القائمة الآن إسلامية في أبعادها وحوافز مقاتليها، فإنها لا تملك مكاتب ولا مؤسسات إعلام ولا متحدثين باسمها، لذلك فإن واجب الذين يريدون دعمها أن يشقوا طريقهم نحوها. ولأن المقاومة إسلامية فإنها ترفض كل محاولات الاحتواء، سواء من قبل الأنظمة العربية أو الواجهات التابعة لهذه الأنظمة، ولعلها تعلمت من التجربة الفلسطينية درسًا أفادها كثيرًا في هذا السبيل، ولأن المقاومة إسلامية فإنها ترفض وبالدرجة الأولى أن يكون للنظام اللبناني أي دور في حركتها، ولقد واجهت كل مجموعات المقاومة العرض الذي تقدم به الوزير نبيه بري «زعيم حركة أمل» بأن يجعل من وزارته «وزارة الجنوب» وزارة للمقاومة، وأن يمنح رجال المقاومة بطاقات، وأن تكون لهم رواتب.. باستخفاف ولا مبالاة؛ لأن المقاومة عندما تتحول إلى جهاز تابع لوزارة تدفع رواتب وتسجل لوائح فإنها تكون قد حكمت على نفسها بالفناء. ولأن المقاومة إسلامية فإنها تتجاوز كل الخلافات الفرعية التي تعطل معركتها مع إسرائيل، ولا سيما الخلاف المذهبي.
وبعد...
لقد كانت جولة سريعة في محاولة لرسم صورة الجنوب اللبناني بعد تنفيذ المرحلة الأولى من الانسحاب، وقد أعلنت إسرائيل أنها سوف تنفذ المرحلة الثانية أواخر الشهر القادم، وهي مرحلة صعبة لأنها تقضي بأن تسحب قواتها من مراكز استراتيجية ذات صلة بالموقف السوري بعد هذا الانسحاب، ولأن فيها مجموعات طائفية مختلطة، لذلك فهي لن تكون بالسهولة التي تمت فيها المرحلة الأولى. كل هذا لا يهم، طالما أن أبصار المجاهدين مركزة على القدس وهم يحررون مدنهم وقراهم في الجنوب.
إن هذا الأمل كبير، وبحجمه تكون التضحيات وتهون، والعاملون في إطاره يدركون أن إسرائيل وغير إسرائيل من يهود الداخل ما زالوا قادرين على تفجيره.. نسأل الله تعالى لهم التوفيق والتسديد والتأييد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل