الثلاثاء 16-يونيو-1987
في رمضان طلبنا من قائد السجن أن يخلي سبيلنا لنشارك بالمعارك ثم نعود للسجن ثانية.
لا يمكن غسل أوزار النكسة العربية إلا بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى.
رجل المقاومة الإسلامية يروي للمجتمع بعض ذكرياته.
الشيخ حافظ سلامة: المقاومة الإسلامية أعطت لليهود درسًا لن ينسوه مدى التاريخ.
المجتمع: بطاقتكم الشخصية لقرَّاء «المجتمع»:
الشيخ سلامة: الاسم: "حافظ علي سلامة" من مواليد ١٩٢٥ وأقيم بمدينة "السويس" في جمهورية مصر العربية ورئيس جمعية الهداية الإسلامية.
المجتمع: نرجو أن تعطي القارئ العربي المسلم صورة عن جهاد الإسلاميين في مصر منذ عام ١٩٤٨ وحتى الآن.
الشيخ سلامة: إن الحرب التي قامت في عام ١٩٤٨ وكتب الله تبارك وتعالى النصر للمجاهدين المخلصين المتطوعين بقيادة الأخ "أحمد عبد العزيز وفوزي القاوقجي والصاغ لبيب وعبد القادر الحسيني" وغيرهم من الأبطال الذين ضربوا أروع الأمثلة في الجهاد والتضحية وشاء الله أن تتدخل يد الغدر والخيانة من القادة حينذاك من الأمراء والرؤساء فتمت الهدنة المشبوهة وتلتها المؤامرات وأصبحنا من الحين والآخر بعد ما كنا نواجه عصابات من الصهاينة أصبحنا نواجه أكبر قوة عسكرية منظمة على أحدث ما وصل إليه عقل الإنسان من التطورات في الأسلحة والمهلكات، ولكن كل ما أوتیت به «إسرائيل» من العتاد وغيره، هذا لا يكفي أن يحقق لها النصر لأن النصر دائمًا من الله تبارك وتعالى، ولكن شرط هذا النصر أن يكون للمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 74) وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج : 40).
من هذا، فقد افتقدنا نصر الله لبعدنا عن الله تبارك وتعالى ولذلك منيت الجيوش العربية في جميع معاركها بالخسران والهزيمة ولذلك استطاع أعداء الإسلام وأعداء الإنسانية من ورثة الخنازير أن يعلنوا أن الجيش الإسرائيلي لن يهزم أبدًا.. من هذا التبجح نسوا إنهم نسل من قال في حقهم المولى عز وجل عندما واجهوا نبيهم موسى عليه السلام بقولهم:﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24) لأنهم لم يجدوا المؤمنين الذين يتصدون لهم و يعطونهم الدروس التي تلقوها من قبل على يد نبينا - صلوات الله وسلامه- عليه يوم أن أجلاهم عن خيبر وما حولها، وطهَّر المدينة، وأرض الحجاز الطاهرة منهم ولذلك عندما خضنا معارك سنة ١٩٥٦ وسنة ١٩٦٧ لم يكن رائدنا الله تبارك وتعالى ولكن كنا نعتقد أن النصر يأتي بالإنذارات أو التهديدات المصطنعة من حلفائهم من أعداء الإسلام. ولكن القوى الإسلامية لم تواجه الصهاينة بعد معارك سنة ١٩٤٨، ولكن منيت الجيوش بالهزائم عندما اعتمدوا على أعداء الإسلام ولم يعتمدوا على الله تبارك وتعالى.
ولذلك عندما حدثت وكسة ١٩٦٧ كان الإسلاميون حينذاك ومنذ عام ١٩٥٤ و١٩٦٥ بالسجون والمعتقلات التي غصت بهم، وجاء ذلك اليوم المشؤوم ونحن بين جدران أعتى سجون مصر ومعتقلاتها، وشاء الله تبارك وتعالى، ونحن نتدارس هذه الوكسة وأسبابها ونتائجها أن نقرر أن السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه هو بعدنا عن الله تبارك وتعالى.
ولذلك طلبنا من قائد السجن "الصاغ سلومة" أن يذهب إلى قيادة مباحث أمن الدولة ويقول لهم: إننا على استعداد أن يعطوا لنا إجازة من السجن لنخرج لنغسل عار هذه الوكسة ولكنه عاد فقرر عدم الموافقة، فقلنا له: إننا لم نطلب الإفراج إنما طلبنا الجهاد على شرط إن كتبت لنا الحياة عدنا مرة ثانية إلى أماكننا بالسجون وإلا فقد ارتحتم منا وفزنا نحن بالشهادة في سبيل الله.
ولكنهم أبوا ذلك، وشاء الله أن نخرج من السجن، وأن نتوجه في يوم 30/١٢/١٩٦٧ إلى مدينة "السويس" التي هجر أهلها وأصبحت خالية لا يوجد بها إلا قلة من جنود الجيش والأشباح.
ولكن رأينا أن سبيل النصر وغسل عار هذه الوكسة التي أصابت المسلمين والعرب منهم خاصة هو العودة إلى الله، فبدأنا في عمل القوافل من العلماء لإلقاء المواعظ والدروس وتحريضهم على الجهاد في سبيل الله.
وتم بفضل الله شحن رجال القوات المسلحة بالإيمان حتى أنهم عندما واجهوا أعداء الإسلام في ١٠ رمضان وكان أغلبهم صائمًا ولله الحمد تغيرت ولأول مرة صورة القتال وأخذ الجند يرددون شعارهم «الله أكبر» فزلزل الله أقدام أعدائهم وألقى في قلوبهم الرعب وحطموا أقوى الحصون الحربية وهو خط بارليف حتى اعترف الرئيس السابق الأمريكي جونسون فقال: إن هذه الحرب هي حرب الله أكبر. ولكن أخذ الغرور الرئيس "السادات" ونسب هذا النصر إلى شخصه وإلى جنده فوكله الله إلى نفسه وتخلى الله سبحانه وتعالى عنا فحدثت الثغرة المشؤومة، وكادت أن تحدث وكسة أكبر من وكسة سنة ١٩٦٧ عندما استغاث أنور السادات وقال يوم ۲۰ أكتوبر ۱۹۷۳ إنني أعددت جيشي لمواجهة «إسرائيل» ولكن الآن دخلت أمريكا بثقلها إلى المعركة فأنا أواجه اليوم أميركا و «إسرائيل» وإني لا طاقة لي ولا لجيشي على هذه المواجهة، فاعتبرنا أن هناك وكسة قادمة، وأن الجيش أصبح الآن غير قادر لا على الهجوم وإنما على صد قوات الثغرة التي كذبت أجهزة الإعلام والبيانات العسكرية أن تبين للشعب حقيقتها.
وفوجئنا بالقوات الإسرائيلية وهي على مشارف مدينة "السويس" فاجتمعنا بمسجد الشهداء وتباحثنا في أمر التصدي لهذه القوات الإسرائيلية والأمريكية كما زعم "السادات" و يريد الله تبارك وتعالى أن يلهمنا السداد والقوة رغم إننا حينذاك لم يكن لدينا أدنى شيء للمقاومة ولكن بفضل الله عزمنا وتوكلنا على الله فإذا بنا نقوم بعمل المتاريس ونصب الكمائن بأحياء مدينة "السويس" و يرزقنا الله ببعض الأسلحة من الجنود الشهداء أو الجرحى ونطعم هذه الكمائن بالرجال الذين يجتمعون في بيت الله فخرجوا معتمدين على الله واثقين من نصر الله لأنهم عزموا النية على الشهادة في سبيل الله أو النصر فحقق الله تبارك وتعالى لهم النصر لأنهم واجهوا بإيمانهم القوات المزعومة التي خشيها "أنور السادات" وأرهبته، ولكنها لم ترهب الفئة القليلة المؤمنة التي واجهتهم والتي اضطرت جولدا مائير بعد أن أعلنت أن مدينة "السويس" سقطت في أيدي الجيش الإسرائيلي وهي تعلن ذلك من مدينة "السويس" فإذا بهؤلاء المجاهدين الإسلاميين ولأول مرة بعد عام ١٩٤٨ يواجهون القوات الإسرائيلية وجهًا لوجه ويتعاملون معها في حرب داخلية بداخل المدينة، وإذا بهم يضطرون اليهود صاغرين على الانسحاب من المدينة بعد ساعات من احتلالها، حتى إنهم لم يتمكنوا من جمع أشلائهم وجرحاهم وتركوهم بالمدينة للكلاب المسعورة والحيوانات.
من هذا أخذ اليهود درسًا لن ينسوه أبدًا، وتحدث قادتهم عن هذه المواجهة الأولى لهم مع الإسلاميين وقالوا إننا عندما دخلنا المدينة كنا نظن إنها مدينة الأشباح ولكن في لحظات رأينا النيران تنصب علينا من كل منزل فلم نستطع المواجهة ويعلم الله أن هؤلاء الأخوة الدين تصدوا لهم يعدون على الأصابع ولو علمت «إسرائيل» إن هؤلاء الرجال كان عددهم عند المواجهة لا يتعدى ١٧ أخا لأيقنوا أن النصر من عند الله وصدق الله العظيم ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة : ٢٤٩ ).
المجتمع: نرجو أن تعطينا فكرة عن أوضاع الجماعات الإسلامية في "مصر" في الوقت الحاضر.
"الشيخ سلامة": إن الجماعات الإسلامية والشباب المسلم يعاني الكثير من الاضطهاد من جهات الأمن في "مصر" حتى أصبح الشاب المسلم في حيرة من أمره أيعيش في بلده وبين أهله أو وكأنه أصبح غريبًا في بلده، بل إن كل شاب مسلم متمسك بدينه أصبح له داران دار بين أهله والأخرى بين زنازين وسجون "مصر" العاتية فما أن تقوم جهات الأمن بالقبض عليه والتنكيل به وتلفيق التهم له ويعرض على القضاء في "مصر" ولا زال في قضاء "مصر" كثيرًا من الخير.
وقد تبين لهم أن جميع القضايا التي تعرض عليهم إنما هي من نسيج جهات الأمن وأن هذا الشباب المسلم بريء براءة الذئب من دم يوسف ويصدر القضاء حكمه بالإفراج عن هؤلاء الشباب وتستغل جهات الأمن قانون الطوارئ ويعتقل الشباب ويفرج عنه القضاء وهكذا فالشباب في صراع دائم مع ما يتخذ ضده من إجراءات، والعجيب أن كل هذه الأعمال مقصود بها الشباب المسلم المتدين فقط. ولكن ولله الحمد فالشباب بخير والحمد لله وإنه واثق أن نصر الله آت وإن ما يلقاه يحتسبه عند الله تعالى.
المجتمع: إلى أي مدى استجاب الشعب العربي المسلم في "مصر" لما يسمى بتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني.
الشيخ سلامة: إن شعب "مصر" رغم اشتياقه إلى زيارة بيت المقدس بالنسبة للمسلمين وكنيسة القيامة وبيت لحم بالنسبة للأقباط إلا إنهم جميعًا يرفضون الذهاب إليهما في ظل الاحتلال الصهيوني، فإذا كان هذا بالنسبة للمقدسات فمن باب أولى فإن الشعب بجميع طوائفه يرفض هذا التطبيع. المجتمع: راج في الآونة الأخيرة أن مادة الهيروين المخدرة السامة انتشرت بين الشباب المصري.
فما صحة هذا الأمر؟
"الشيخ سلامة": إن هذه المادة السامة وغيرها من السموم ما كنا نعرف عنها شيئًا قبل أن نبتلي بمعاهدة "كامب ديفيد" وتطبيع العلاقات وفتح الأبواب على مصراعيها لدخول أعداء الإسلام والمتربصين به، لذلك فإن هذه المواد تأتي عن طريق هؤلاء الصهاينة ولقد حكم على أحد هؤلاء الإسرائيليين بالإعدام ومع هذا فإن السلطات الإسرائيلية مع السلطات المصرية حريصة على عدم تنفيذ حكم الإعدام في هذا الشقي الصهيوني.
المجتمع: جزاكم الله خيرًا، ونأمل أن نلتقي معكم في مرة قادمة وقد تحققت آمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل