العنوان المجتمع التربوي (1169)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مشاهدات 67
نشر في العدد 1169
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
النافذة التربوية
أين موقعك من الإعراب؟
ليس المقصود هنا موقعك من الإعراب في جملة خبرية أو إنشائية ولكن موقعك في حقل الدعوة الإسلامية، هل ما زلت في مرحلة البناء أم تجاوزت ذلك إلى حالة الإعراب؟
إن الفرد المسلم عندما يلتزم بدين الله أول الأمر يمر بمراحل يتلقى فيها العلم والإيمان، ويترعرع في أجواء التخلية من رواسب جاهلية القرن العشرين إلى أن يشاء الله، ثم ينتقل إلى مرحلة التحلية، حيث يتغذى فيها بالعلم النافع والفكر السليم، وهكذا حتى يدخل النور قلبه «وإذا خرج الزور دخل النور»، ولا يتم ذلك إلا بهداية من الله وتوفيق، وصدق الحق إذ يقول واصفًا ذلك: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ (النور : 35).
وبعد مرحلة البناء تلك ينتظر من هذا الشخص بذلًا وعطاءً في شتى ميادين الدعوة، والكل متشوق ليرى تلك النبتة التي زرعت وتعاهد على رعايتها الكثير الكثير من الدعاة والمربين الذين أعطوه خلاصة تجربتهم لينمو ويكبر ويصبح حلقة الوصل بين السابقين له واللاحقين.
وإنه لمن المحزن والمؤسف أن يرضى البعض بحالة البناء تلك أبد الدهر ولا يحاول أن يعطي ويبذل فيصبح عالة على الدعوة يثقل كاهلها بتخاذله ويعرقل مسيرتها بتباطئه.
نريد منك أيها الداعية أن تتحرر من مرحلة البناء إلى حالة الإعراب، فالكلمة المعربة لها في موقع الفاعل الرفع، وفي موقع المفعول به النصب، وأحيانًا تجر إذا سُبقت بحرف صغير من حروف الجر، نريد منك المبادر «الفاعل» لترفع سهم الدعوة في مجتمعنا بإبداعاتك وإنجازاتك، نريد منك الجندي المتزن المنضبط في ميدان العمل المنقاد لقائده على بصيرة مهما كان هذا القائد ولو كان أصغر سنًا وأقل علمًا، فالمؤمن كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم «أينما وقع نفع»، كل همه أن يسود شرع الله في مجتمعه، وأن يشارك هو في صناعة الحياة.
أما «المبني» فقد تجاهله النحاة من قبل، ولم يعيروه اهتمامًا مثل المُعرب لأنه ثابت لا يتغير في جميع الحالات، ولا يتفاعل مع ما حوله من كلمات وجمل، وهنا نفهم الفاروق -رضي الله عنه- عندما تمنى رجالًا كأمثال أبي عبيدة عامر ابن الجراح ليفتح بهم الأمصار، ويقود بهم الجموع الموحدة من نصر إلى آخر
عبد اللطيف محمد الصريخ
وسائل تربية الإدارة عند المسلم
بقلم: محمد أبو سيدو
الإرادة هي القوة المحركة لملكات الإنسان والدافعة لها إلى العمل، وللإرادة نوعان من العمل، فقد تكون دافعة، وقد تكون مانعة، تمنع الإنسان من القول والفعل وأعمال الخير والشر.
والإرادة إذا اعتادت شيئًا يعرف بالخلق، ولها صلة قوية بالميول والبواعث والرغبات، وهناك ربط بين النية والإرادة باعتبارها العزم على فعل الشيء، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (رواه البخاري ومسلم).
والإرادة لا بد أن تكون قوية بحيث تنقذ الأشياء التي تريدها مهما كلفها ذلك من متاعب ومشاق، ومهما وضعت أمامها العقبات والصعوبات، ومثل هذه الإرادة لا تقوى إلا إذا اعتمدت على عقيدة راسخة ثابتة لأن الإرادة المبنية على العقيدة السليمة هي القوة المحركة للسلوك، كما أن تدريب على الفضائل وممارستها وترك الرذائل ونبذها من مقويات الإرادة.
وقد تضعف الإرادة أمام الشهوات، وأهواء النفس، والمغريات، وتفقد قوة الصمود أمامها، فتستسلم وتقع في المحظور، وقد تكون الإرادة قوية، ولكنها مريضة أمام المغريات.
وتقوية الإرادة تقوم على المران على فعل الخير وإلزام النفس بالأعمال التي تتطلب الصبر والمصابرة، لأن توفيق الله مرتبط بتلك المجاهدة.
﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (العنكبوت : 69).
وفي الحديث «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» (رواه مسلم).
ومن أساليب التدريب على الإرادة صوم رمضان، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحث الناس على الصوم تطوعًا، ودعا الشباب إلى الصوم للتغلب على قوة الطاقة الجنسية، لأن الإسراف في هذه الوسيلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع مواصلة الصوم، ودعا إلى بذل الجهد على قدر الطاقة.
والتدريب على التغلب على الغرائز الفطرية في الإنسان، وإخضاعها لقيود الدين، والعقل والإخلاص، والقواعد الصحية، وإعطاء الجسم حقه بالطرق المشروعة، وعدم ترك النفس على هواها، يقول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (آل عمران : 134)
فالبخل وعدم الإنفاق من طبائع النفوس، والغضب وحب الانتقام كذلك، ولذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القوي من الرجال الذي يملك نفسه عند الغضب.
والأحاديث كثيرة في فضل الجوع، وخشونة العيش، والاقتصاد على القليل من المأكل والمشرب وغيرها، وكلها تؤدي إلى تقوية الإرادة في جانب التغلب على شهوات البطن والفرج، فالرسول صلى الله عليه وسلم وآله لم يشبعوا من خبز شعير يومين متتابعين.
والإنفاق عامل من عوامل تقوية الإرادة وعقاب النفس، فقد قرر الإسلام الزكاة في مقادير معلومة من المال: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة : 103).
وجعل المال كفارة لكثير من الكفارات، كما حث على الإنفاق تفضلًا وتطوعًا.
فتكاليف الإسلام لا يقوم بها إلا شخص قويت إرادته وعزيمته، بحيث يبدأ بالتكاليف التي تحتاج إلى جهد بسيط لتتدرج في الوصول إلى التكاليف التي تحتاج إلى تضحية بالنفس والمال والحياة كلها في سبيل الله.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
والصبر وسيلة كبرى من وسائل تربية الإرادة ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (آل عمران : 200)
ألا بالصبر تبلغ ما تريد
وبالتقوى يلين لك الحديد.
آلام وآمال.. الأسرة المسلمة في ضوء الكتاب والسنة (2 من 2)
بقلم: د.جاسم المهلهل الياسين
القاعدة الرابعة: حُسن اختيار الزوجة المسلمة والزوج المسلم، فلا بد من الأم المسلمة والأب المسلم لتأمين القلعة، ويتعين حينئذ على من يريد أن ينشئ بيتًا أن يبحث أولًا عن حارسة للقلعة، تستمد تصورها من مصدر تصوره هو.. من الإسلام.. وليبحث عن ذات الدين، التي تعين على بناء بيت مسلم، وعلى إنشاء قلعة مسلمة، ولذلك وضع التشريع الإسلامي أمام الرجل والمرأة قواعد تنظيمية لاختيار الزوجة إن سلكها الإنسان كان الزواج الميسر وكانت الأسرة المسلمة ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الرجال الذين يقدمون على الزواج بأن يظفروا بذات الدين - كما في الحديث المعروف - وأما الزواج المثالي في نظر الإسلام فهو الذي تجتمع فيه صفات الإنسانية الفاضلة وأخلاق الرجل المكتملة، فينظر إلى الحياة نظرة صادقة ويسلك فيها السبيل القويم، وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم أولياء المرأة إلى البحث عن صاحب الدين والخلق، فإذا تقدم لخطبة الفتاة فعليهم أن يختاروه على من سواه: «إذا جاءكم من ترضَوْن دينَه وخلقَه فأنكِحوه، إلَّا تفعلوه تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ» (رواه الترمذي)، ولكن الناس اليوم لا يهتمون إلا بالأشكال الزائفة والمظاهر الزائلة، فتراهم يستقصون في السؤال عن وظيفة الخاطب، وقبيلته، ومكانته، وتجارته، ومدخراته، وأرصدته في البنوك، وأغلب هذه الزيجات تتم على الطمع والجشع، فلا تلبث أن تنهار الأسرة الناشئة وتخلف وراءها الغصة والحصر والمرارة والشقاء… نعم «إلَّا تفعلوه تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ»، أية فتنة أعظم وأي فساد أشمل وأعم على الدين والأخلاق في الأسرة والمجتمع حين تضع الفتاة المؤمنة بين رجل متحلل، أو زوج ملحد، لا يعرف معنى الشرف والغيرة والعرض، وأية فتنة أعظم في الأسرة وفي المجتمع حين تضع المرأة المؤمنة في عصمة زوج إباحي كافر، يُكرهها على السفور والاختلاط، ويجبرها على شرب الخمور ومراقصة الرجال؟!.
هذا هو منظور الإسلام الذي يجب الحرص عليه دون أدنى اعتبار للمادة والقيم الأرضية الجاهلية.
ومن القواعد مشروعية النظر إلى الفتاة المخطوبة: وكذلك المهر وحدوده، وغيرها، كي لا نطيل الحديث في ذلك.. وبذلك نضمن قيام هذه القلعة الأسرية على قواعد وأسس قوية لا تدخلها سموم الشياطين ولا أفكار الأعداء من الغرب والشرق.. فهذه القواعد هي مفتاح السعادة الحقيقية للأسرة المسلمة في ظلها تقوم وتسعد بها!!
الوسائل الوقائية للأسرة
ننتقل بعد ذلك إلى الوسائل الوقائية للأسرة والمجتمع.. إن الإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف، وإنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية وهو لا يحارب الدوافع الفطرية، ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة، ومن هذه الوسائل:
1- إزالة العقبات من طريق الزواج: إن الزواج هو الطريق الوحيد الطبيعي لإشباع الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فلا بد من مواجهتها بحلول واقعية إيجابية.. هذه الحلول الواقعة هي تيسير الزواج، والمعاونة عليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ (النور : 32)، والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس ولذلك يأمر الله تعالى الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم على النكاح الحلال: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّهِ عونُهُم: المُجاهدُ في سبيلِ اللَّهِ، والمُكاتِبُ الَّذي يريدُ الأداءَ، والنَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ﴾ (رواه الترمذي)، وهكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية.
2- البحث عن الزوج لابنته أو أخته أو قريبته: وهذا يتلخص في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام - حين وصل إلى ما مدين.. وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد، فهو يعرض نكاحًا لا يخجل منه، يعرض بناء أسرة وإقامة بيت، وليس في هذا ما يخجل، ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة زائفة، تمنع الوالد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته!!.
عدم إبداء الزينة لغير الزوج
3- تنظيم المرأة في الملبس والزينة وضبطها.. الزينة حلال للمرأة، تلبية لفطرتها وغريزتها، فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة، وأن تبدو جميلة أكثر من غيرها، والإسلام لا يقام هذه الرغبة الفطرية، ولكنه ينظمها ويضبطها ويجعلها تتبلور في اتجاه الزوج وهو شريك الحياة يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (النور : 31)، فهذه آية التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة.. فإذا كانت المرأة خارج البيت، فيجب أن تكون في لباس الحشمة والأدب بعيدًا عن الثياب الرقيقة والشفافة أو الضيقة أو القصيرة، التي تنم عن محاسن البدن وزينته، وتبرز مفاتنه وجماله مما لا يرضاه الإسلام، ومما يلاحظ اليوم هو كشف المرأة المسلمة زينتها أمام النساء الكافرات، وهذا مما لا يجوز شرعًا، سواء كن جارات لها أو زميلات في العمل أو عند «الكوافيرة»، وكذلك عند الخادمة غير المسلمة.
4- قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ﴾ (الأنعام : 151)، النظافة والطهارة والعفة، إن الله تعالى لما وصى الناس بالأسرة وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها -كما يقوم عليها المجتمع كله- وهي النظافة والطهارة والعفة، فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها.. إنه لا يمكن قيام أسرة، ولا استقامة مجتمع في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم بعد ذلك المجتمع، والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار بعد ذلك المجتمع!! ولذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ……﴾ للنهي عن مجرد الاقتراب، سدًا للذرائع، واتقاءً للجاذبية التي تضعف معها الإرادة ولذلك حرمت النظرة الثانية بعد الأولى غير المتعمدة، قال صلى الله عليه وسلم: «يا عليُّ لا تُتبعِ النَّظرةَ النَّظرةَ ، فإنَّ لَكَ الأولى وليسَت لَكَ الآخرَةُ» (رواه أبو داود والترمذي).
إن المنهج الإسلامي عني بتطهير المجتمع المسلم من الفاحشة، والتشديد الظاهر في مكافحتها بكل وسيلة.. فالسمة الأولى للجاهلية -في كل زمان- كما نرى في جاهليتنا الحاضرة التي تعم وجه الأرض، في الفوضى الجنسية، والانطلاق البهيمي بلا ضابط من الأخلاق والقانون واعتبار هذه الاتصالات الجنسية الفوضوية مظهرًا من مظاهر «الحرية الشخصية» والتقدمية!!.
دروس من سيرة الكليم موسى عليه السلام (2 من 2)
حماية الطغيان يحمون مصالحهم
بقلم: شوقي محمود الأسطل
عرض الكاتب في الحلقة الماضية دروسًا من سيرة موسى عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، وفي هذه الحلقة يستكمل عرض باقي الدروس.
7- وجهًا لوجه أمام الطاغية: لقد حان موعد المواجهة الفكرية، وإقامة الحجة على الخصم باللسان والبيان، قال تعالى: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي هَٰرُونَ أَخِي ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (طه : 25-34).
إذن خطاب موسى سيكون مع الطاغية أولًا، فما العوام إلا تبع للقادة ومقلدون لهم، ونجد موسى إزاء هذه المهمة يطلب من ربه معينًا على هذا الأمر، مما يبرهن على فضل وبركة العمل الجماعي، فها هو النبي المؤيد بالمعجزات يطمح إلى من يؤازره، ويقف معه مؤيدًا، ومناصرًا، وحاملًا للواء في حال قتل أو وفاة صاحب الدعوة، قال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ﴾ (الشعراء : 14).
إن موسى يريد للدعوة البقاء والاستمرار من بعده فيلتمس إعانته بأخيه من أجل هذه الغاية، وهذا ما حدا بزكريا عليه السلام أن يدعو ربه في أخريات أيامه أن يهبه وريثًا للعلم والدعوة: ﴿وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا﴾ (مريم : 5 - 6).
ويتعين حمل الميراث هنا على ميراث النبوة والعلم والدعوة، لا ميراث المال، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (متفق عليه).
وتمضي الأحداث لنشاهد موسى وهارون في مواجهة فرعون بالمعجزة الدالة على الصدق والبيان الواضح الموجه إلى العقل، قال تعالى: ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ (الشعراء : 23 - 28).
فهي دعوة من موسى لاستخدام العقل من أجل الاستدلال على وجود الخالق المستحق وحده للعبادة.
وكان فرعون يدرك في قرارة نفسه صدق موسى ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ (النمل : 14).
وأمام المعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، يدلل فرعون على إفلاسه فيقول: ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ﴾ (الشعراء : 29)، هذه هي طريقة الجبابرة المتكبرين في كل زمان ومكان، فهم أعجز من أن يواجهوا الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة، لعلمهم بأنه لن يصح سوى الصحيح في نهاية المطاف، لذا فإنهم يلجؤون إلى البطش والإرهاب ظنًا منهم أن هذه الوسيلة كفيلة بالقضاء على دعوات الحق وأنّى لهم ذلك: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (الصف : 8).
ثم يجيئ موسى بالمعجزات المادية: ﴿فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ﴾ (الشعراء : 32 - 33).
عندئذ ظن الخبيث أن ما جاء به موسى هو من قبيل السحر، وأن باستطاعته أن يبارزه بمن هم أبرع في هذا الميدان.
8- ولاء المرتزقة الحقيقي لمكاسبهم لا لأسيادهم
أمر فرعون بجمع السحرة لمواجهة موسى، فجاءوه من كل فج لا نصرة لقضيته، ولكن طمعًا فيما عنده، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ (الشعراء : 41 - 42).
إذن ما يهم هؤلاء هو المقابل المادي أولًا، فأرادوا الاطمئنان عليه قبل البدء في العمل، وهذا حال أتباع الظلمة، وأنصارهم وأبواقهم، فتعلقهم بالظلمة وانحيازهم لهم إنما هو للحفاظ على مكتسبات تحققت في عهودهم، وستزول بزوالهم، وما دام أن المصير أصبح مشتركًا، فإن الانحياز للطغاة يصبح أمرًا منطقيًا مبررًا في أذهان الناس لا يثير عجبًا ولا استغرابًا.
9- انقلاب السحر على الساحر بقدرة الله
أحسن موسى عليه السلام اختيار أنسب الأوقات للتحدي من أجل إيصال الفكرة إلى أكبر قدر من الناس، فقال لفرعون: ﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى﴾ (طه : 59).
إنه يوم عيد ووقت الضحى، وقت حركة ونشاط، وكثرة من الناس، وهذا ما يريده موسى، وحري بالدعاة تدبر هذا الدرس، الذي لم يغب عن غلام أصحاب الأخدود، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما وقف على الصفا ونادى ليجتمع إليه الناس كي يوصلهم الفكرة ويبلغهم الرسالة.
وتبدأ معركة التحدي ويلقي السحرة حبالهم وعصيهم، فيلقي موسى عصاه، فإذا بها تلقف ما يأفكون، فيوقن السحرة أن ما جاء به ليس من جنس السحر، ويقذف الله نور اليقين في قلوبهم، فإذا بهم من أول أتباع موسى، ويجعل الله تدمير فرعون في تدبيره، فيسقط في يده ويهذي بكلام يضحك منه السفهاء، فضلًا عن العقلاء: ﴿قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ﴾ (طه : 71).
وقال: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ﴾ (الأعراف : 123)، إنه وهم المؤامرة المسيطرة على الطغاة، موسى يتآمر مع السحرة ضد فرعون، وهل رأى موسى هؤلاء؟ أو اجتمع بهم؟ وأنّى له ذلك؟ وفي أي عقل يصح هذا الهذيان؟!.
ولكن متى كان الطغاة يبحثون عما يصح في العقول، أو يتسق مع منطق الأشياء؟
لقد عمي قلب فرعون، وضل عقله، فأخذ يوزع التهم مستخفًا بعقول الناس من رعيته، عندما يلقي عليه مثل هذا الكذب المكشوف، ويوجه إلى موسى التهمة الخالدة التي تواصى بها الطغاة عبر العصور، قال: ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (يونس : 78).
إنها تهمة الرغبة في السلطة والحكم توجه إلى موسى عليه السلام، كما توجه إلى الدعاة المخلصين في عصرنا ﴿أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ﴾ (الذاريات : 53).
10- التحدي والتحدي المضاد
إزاء التحول الجذري في الموقف لصالح موسى وانتقال السحرة إلى خندق، لم يجد فرعون أمامه سوى التهديد والوعيد، لإطفاء جذوة الإيمان في القلوب، فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾ (طه : 71).
ويأتيه الجواب الذي يزلزل كيانه: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾ (طه : 72)، يقول صاحب الظلال: [وهم قد كانوا منذ لحظة مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم، ولم يكونوا أصحاب عقيدة ولا قضية، ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلا، لقد كانت هزة رجتهم رجًا، وخضتهم خضًا، ووصلت إلى أعماق نفوسهم، وقرارة قلوبهم، فأزالت عنها ركام الضلال، وجعلتها صافية حية خاشعة للحق، عامرة بالإيمان في لحظات قصار، وإن القلب البشري العجيب غاية العجب، فإن لمسة واحدة تصادف مكانها لتبدله تبديلًا، وصدق رسول الله صلى عليه وسلم: « ما مِن قَلبٍ إلَّا وهو بين إصبَعَينِ مِن أصابِعِ الرَّحمنِ، إذا شاء أن يُقيمَه أقامه، وإذا شاء أن يُزيغَه أزاغه» (متفق عليه)].
وهكذا انقلب السحرة المأجورون مؤمنين من خيار المؤمنين، على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه، وإنه لانقلاب يتهدد عرش فرعون إذ يتهدد الأسطورة الدينية التي يقوم عليها هذا العرش، أسطورة الألوهية.
11- فرعون يعيد العمل بالقانون الجائر
﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ﴾ (الأعراف : 127).
أي منطق أعوج؟ وأي تلبيس هذا؟ موسى في نظر هؤلاء الأفاكين الأوباش من المفسدين في الأرض، أما فرعون فهو أس الإصلاح وعموده، بأي مقياس يقيسون؟ بل بأي ميزان يزنون؟ بل إلى أي منطق يحتكمون؟!.
ويحرص فرعون على الظهور بمظهر الحريص على مصلحة الشعب وقيمه ومعتقداته التي تهددها دعوة موسى، فيصرخ قائلًا لمن استخفهم فأطاعوه: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ (غافر : 26).
12- الأمر بالصبر.. وقلة أدب الأتباع مع المنقذ
حيال تجبر فرعون وصلفه وإصراره على إذلال بني إسرائيل، فإنه عليه السلام لم يملك سوى الدعوة إلى الصبر والثبات، فالأمور مرهونة بأوقاتها، إذ قال لقومه: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف : 128).
والأمر للاتباع بالصبر سمة بارزة في جميع الدعوات الربانية في مراحلها التكوينية، ونلحظ بوضوح تكرار الأمر بالصبر في المرحلة المكية من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول صاحب «الطريق إلى جماعة المسلمين»: «ومن أبرز عوامل صيانة هيكل الجماعة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في مرحلة التكوين أمره لكافة أفراد الجماعة بالصبر وحبس النفس، وضبط الأعصاب، أمام كل تحديات الجبهة المضادة، وعدم الالتفات إلى كل ما يصدر عنها من سخرية وتطاول على الدعوة وأصحابها، لأن سنة الله تعالى شأنه في الكون أن كل المخلوقات في مراحلها التكوينية، يرافقها ضعف وعدم قدرة على التصدي للعوامل المضادة، والجماعة الإسلامية جزء من ذلك الكون، تنطبق عليها سننه ونواميسه، فلا بد لها من عوامل صيانة في مرحلتها التكوينية، والصبر من أهم عوامل تلك الصيانة، وهو سنة إلهية لوقاية الجماعات في مرحلتها التكوينية(3).
13- التميز عن معسكر الكفر المقدمة لتحقق النصر
قال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (يونس : 87).
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لهم فيها أسوة ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة، وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمّت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد الناس وافتتنت البيئة، وهنا يرشدهم إلى اعتزال الجاهلية بفتنتها وفسادها وشرها -ما أمكن ذلك- وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها لتطهرها وتزكيها وتدربها وتنظمها حتى يأتي وعد الله لها.
14- نهاية الطاغية
لقد اقتضت الحكمة الربانية والتدبير الإلهي، استدراج فرعون وجنوده إلى نهاية بشعة تكون عبرة للناس إلى قيام الساعة، وشاهدًا على أن الباطل مهما انتفش وعلا فهو حتمًا إلى زوال، وإن اشتداد العتمة مؤذن بطلوع الفجر الصادق، وتبدد الظلمات، وإن جولة الحق في ساعة تقضي على أعتى قوى الأرض وأعظمها عتوًا وتجبرًا بإذن الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، قال تعالى: ﴿فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (الشعراء : 57 - 67).
وهكذا انتهت أسطورة فرعون، ومضى كما يمضي الطغاة، مشيعًا باللعنات إلى قيام الساعة هو وجنده، قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ (الدخان : 29).
نعم لقد هلك من ادعى الألوهية يومًا فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ (القصص : 38).
إنها النهاية المحتومة التي يغفل عنها الطغاة أو يتغافلون، ولكنها قدر محتوم، لا مفر منه ولا خلاص.
الهوامش
1- الطريق إلى جماعة المسلمين - حسين بن محمد علي جابر - ص 199.
2- في ظلال القرآن - جـ 3 - ص 1816.
3- البداية والنهاية - جـ 1 - ص 350.