; موقف الإسلام من إحياء الأعَياد الوثنية | مجلة المجتمع

العنوان موقف الإسلام من إحياء الأعَياد الوثنية

الكاتب عزية علي طه

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 92

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

على الرغم من الجدية التي تتمثل في معاملات الإسلام وعباداته إلا أنه لم يغفل جوانب الفرح والمسرة والزينة واللهو المباح، ذلك أنه قد أباح الاحتفال بالمناسبات كالزواج ومولد الأطفال وغير ذلك من المناسبات الأسرية، كما أباح الاحتفال بالأعياد الإسلامية في حدود ضوابط شرعية محددة.

ولكن بعض المسلمين في هذا العصر لم يراعوا كثيرًا من هذه الضوابط، بل انجرفوا وراء البدع والخرافات والمغالاة عند احتفالهم بتلك المناسبات مما يتعارض مع قواعد الدين نصًا وروحًا، ليس هذا فحسب بل أنهم قد انجرفوا وراء الأمم الأخرى وتابعوا المشركين في إحياء أعيادهم الوثنية بل تبنوا هذه الأعياد كأنها خلقت من أجلهم.

الاحتفال بالأعياد الوثنية:

إن الأعياد الوثنية كثيرة ومتعددة ومتوالية على مدار السنة سوف أتناول بعضها فيما يلي ببعض الشرح والتوضيح خاصة تلك الأعياد التي درج المسلمون على الاحتفاء بها مجاراة للكفار والمشركين والوثنيين.

الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية «الكريسماس»:

لم يستطع علماء اللاهوت والمؤرخون تحديد يوم مولد المسيح عليه السلام، نظرًا للغموض الذي يحيط بسيرته، لذا فقد قال علماء اللاهوت والمؤرخون الشرقيون بأنه ولد في أول يناير أما علماء اللاهوت والمؤرخون الغربيون فقد قالوا بأنه ولد في ٢٥ ديسمبر.

ولقد تشكك بعض الأساقفة في صحة ما توصل إليه الفريقان من أمثال الأسقف بارنز الذي قال في مؤلفه «ظهور المسيحية»: «لا يوجد أساس للعقيدة القائلة بأن يوم (٢٥) ديسمبر أو يوم (1) يناير كان بالفعل يوم ميلاد المسيح، وإذا ما كان في مقدورنا أن نضع موضع الإيمان قصة لوقا عن الميلاد، مع ترقب الرعاة بالليل في الحقول من بيت لحم، فإن ميلاد المسيح لم يكن ليحدث في الشتاء وإنما يكون في الصيف حينما تكون درجة الحرارة مرتفعة والرعاة يرعون أغنامهم ليلًا».

إذن فما هو السر الذي جعل النصارى يحتفلون بعيد ميلاد المسيح في الشتاء بالذات؟ وما السبب الذي جعل النصارى في الشرق والغرب يحتفلون في كل عام باليومين معًا؟ وهل يعقل أن يولد الإنسان في يومين مختلفين؟

إن الاحتفال بهذا العيد كان عادة وثنية قديمة ورثها النصارى عن أسلافهم وهي مرتبطة بعبادة الإله أدونيس «إله الشمس» الذي كان يحتفل بعيد ميلاده في الفترة من نهاية ديسمبر من كل عام شمسي وبداية يناير من العام الشمسي الجديد، ولقد وضح لنا ذلك توضيحًا لا مجال للشك بعده كل من الأسقف بارنز، والبروفيسور أدولف أرمان، والبروفسور جان بيرو، والبروفيسور جيمس فريزر.

يقول الأسقف بارنز في مؤلفه ظهور المسيحية: «حين صمم آباء الكنيسة في عام ٣٤٠ بعد الميلاد على تحديد تاريخ الاحتفال بعيد ميلاد المسيح اختاروا يوم انقلاب الشمس في الشتاء وهو نفس اليوم الذي كان عباد الشمس يحتفلون فيه بذكرى مولد الإله شمس».

ويقول البروفيسور أدولف أرمان في مؤلفه ديانة مصر القديمة «إن احتفال رأس السنة الشمسية يرجع إلى عبادة الناس للشمس في مناطق عديدة من بلاد الشرق القديم كمصر وبابل وبلاد فارس والشام وغيرها ومن أمثلة ذلك ما فعله قدماء المصريين الذين عبدوا الشمس وأسموها بالإله رع، ولقد تخيل الفراعنة بأن الشمس تولد كل يوم حيث تدخل في المساء ثم آلهة السماء ثم تعبر أثناء الليل جسمها لتولد في الصباح، ولذلك فإنهم كانوا يقيمون صلاة للشمس عند شروقها وعند غروبها، وتطور الأمر وأصبحت عين الشمس رمزًا ولقبًا لبعض الآلهة الكبرى».

ويقول البروفيسور جان بيرو في مؤلفه أساطير العالم القديم «إن البابليين كانوا يعبدون آلهة متعددة من بينها الإله شمس باعتباره إلهًا للحرب وجعلوه ابنًا للإله سن (أي القمر) ونسبوا له زوجة من السومريين وأقاموا معبدًا لتعظيم الإله شمس وأقاموا عيدًا سنويًا في أول يناير».

يقول البروفيسور جيمس فريزر في مؤلفه دراسة في الأساطير والأديان الشرقية القديمة: «كان الناس في الشرق القديم يعتقدون بأن هناك آلهة للخير وآلهة للشر، ثم رمزوا لإله الخير بالحياة وإله الشر بالموت وظن الناس أنهم يستطيعون مساعدة إله الحياة في كفاحه ضد مناوئه إله الموت ولذا فإن الأساطير والقصص الشعبية قد نسجت حول إله الحياة ومحاولته الخضوع لإله الموت فترة قصيرة، ليعود ويهزمه هزيمة ساحقة ولقد رمز أهل بابل والشام ومصر وغيرهم لإله الخير بأدونيس أو تموز، وبعدها قالوا بإن الإله أدونيس هو الشمس، وأقاموا له عيدًا في أول يناير من كل عام».

وبما أن نصارى الشام كانوا في الأصل وثنيين يشاركون في الاحتفالات السنوية التي كانت تقام لعبادة أدونيس فإنهم تأثروا في نسجهم لأساطير الصلب والفداء وقهر الموت بما فعله إله الوثنيين أدونيس، لذا نراهم قد مزجوا بين احتفالاتهم بميلاد الإله المزعوم أدونيس وبين ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأنفقوا عام ٣٠٠ م- كما أفادنا الأسقف بارنز- بأن يتم الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح في نفس التاريخ الذي كان يتم فيه عيد ميلاد أدونيس لتشابه الأساطير التي تتصل بعيد ميلاد المسيح والإله أدونيس في أذهان النصارى الذين كانوا حديثي العهد بديانة آبائهم الوثنيين، ومن ثم انتشرت هذه العادة واستمرت إلى يومنا هذا.

ولقد درج النصارى على تزيين بيوتهم للاحتفال بعيد الميلاد بما يسمى بشجرة الكريسماس التي يعلقون عليها الأجراس وأنوار الزينة، ولقد توارث النصارى هذه العادة أيضًا عن أجدادهم الذين كانوا يعبدون الأشجار باعتبار أن الأشجار والحيوانات هي في حقيقتها مساكن للآلهة، وهذا الفهم يتصل بعقيدة الحلول وتناسخ الأرواح التي كانت سائدة في بلاد الشرق قديمًا، قبل مبعث المسيح عليه السلام- كما أثبت ذلك الباحثون في أديان الشرق القديم.

ومن أمثال ذلك البروفيسور جميس فريزر الذي قال في مؤلفه دراسة في الأساطير والأديان الشرقية القديمة: «إن أدونيس بابل ولدهن شجرة من أشجار المر، أي حبلت به هذه الشجرة لعشرة أشهر ثم انشق لحاؤها عن الطفل الإلهي الجميل، وتروي أساطير أخرى بأن أم أدونيس تحولت إلى شجرة بعد حبلها بأدونيس.. أما مكان آشور فقد زعموا بأن الإله أدونيس تزوج سميراميس ملكة بابل الأسطورية وبعد وفاته حلت روحه في شجرة، فقدس الناس هذه الشجرة وحملوا الهدايا والطيب قربانًا لها بينما اعتاد بعضهم الآخر الذهاب لمجرد التبرك بهذه الشجرة الأسطورية».

ويقول البروفيسور أرمان في مؤلفه ديانة مصر القديمة: «الإله أوزوريس بعد أن قتله أعداؤه وضع في تابوت وقذف به في النيل، فشق التابوت طريقه إلى البحر، حيث جنح إلى شاطئ فينيقية فنبتت شجرة بسرعة فائقة، واحتوته في داخلها، فقدس الناس هذه الشجرة لفترة طويلة».

وهكذا ارتبط تقديس شجرة الميلاد في أذهان الناس بموت الإله وبعثه للحياة مرة أخرى قاهرًا للموت ومستعليًا عليه ويبدو أن النصارى قد اقتبسوا الطقوس المتعلقة بعبادة الأشجار من الوثنيين وضمنوها احتفالاتهم بأعياد المسيح عليه السلام.

موقف الإسلام من المشاركة في إحياء أعياد المشركين

لقد ذكر ابن حجر عند شرحه لبعض الأحاديث الواردة في كتاب العيدين عند الإمام البخاري أن بعض الفقهاء استنبطوا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الواردة في شأن الاحتفال بأعياد المسلمين كراهية الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم.

ولقد جاء في حديث السيدة عائشة رضي الله عنها السابق ذكره في شأن الجاريتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل قوم عيد»، فقال ابن حجر في ذلك: أي لكل قوم من الطوائف عيد كالنيروز والمهرجان.. ولقد بالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفية في ذم من يشترك في أعياد المشركين فقد نقل لنا ابن حجر قول أبي حفص: من أهدى بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم- يوم عيد المشركين- فقد كفر بالله.

وعليه فإن من يتبع هذه الأعياد ويسنها للمسلمين ليقتدوا به في الاحتفاء بها يرتكب إثما ويكون ذلك وبالًا عليه وعلى من اقتدى به.

أخرج الإمام مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلال ۱٦- ۲۲۷ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا».

قال الإمام النووي: هذا الحديث صريح في الحث على سن الأمور الحسنة وتحريم الأمور السيئة، وإن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن من سنة سيئة كان عليه مثل وزر من يعمل بها إلى يوم القيامة وكذلك من دعا إلى هدى ودعا إلى ضلال، سواء كان ذلك الهدى والضلال هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقًا عليه.

وإنني لا أرى أكثر ضلالًا وفسقًا وحماقة من التشبه بالمشركين والوثنيين ومشاركتهم في لهوهم ومجونهم وأعيادهم التي ما أنزل الله بها من سلطان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

114

الثلاثاء 12-يناير-1971

كلمة الثلاثاء (43)