; جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار (٢) | مجلة المجتمع

العنوان جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار (٢)

الكاتب محمد موسي الشريف

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1496

نشر في الصفحة 66

السبت 13-أبريل-2002

وما زلنا نستعرض الأدلة والآثار الواردة بشأن قاعدة «الانغماس في العدو»:

  1. فقد أخرج الطبراني في معجمه الكبير بإسناد عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء لرقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام في السحر في ضراء وسراء»، وموضع الشاهد من هذا الدليل قوله : «قاتل وراءها بنفسه» وهذا مظنة الهلكة ولكن الله تعالى يحب هذا الصنيع ويرتضيه.

  2. وأخرج الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ له قال: «عجب ربنا من رجلين رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيه إلى صلاته فيقول الله -عز وجل- انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حيه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه من الانهزام وما له في الرجوع فرجع حتى يهرق دمه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي، رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهرق دمه. 

قال ابن النحاس الدمياطي -رحمه الله تعالى-: ولو لم يكن في هذا الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس (۱).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تعليقًا على هذا الحديث فهذا رجل انهزم هو وأصحابه، ثم رجع وحده فقاتل حتى قتل، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله يعجب منه، وعجب الله من الشيء يدل على عظم قدره، وأنه لخروجه عن نظائره يعظم درجته ومنزلته، وهذا يدل على أن مثل هذا العمل محبوب لله مرضي، لا يكتفى فيه بمجرد الإباحة والجواز حتى يقال: وإن جاز مقاتلة الرجل حتى يغلب على ظنه أن يقتل فترك ذلك أفضل، بل الحديث يدل على أن ما فعله هذا يحبه الله ويرضاه، ومعلوم أن مثل هذا الفعل يقتل فيه الرجل كثيرًا أو غالبًا. (۲) [1]

  1. وروى ابن أبي شيبة والحاكم بسند صحيح إلى أبي ذر-رضي الله عنه- عن النبي ﷺ: ثلاثة يحبهم الله، فذكر أحدهم: «رجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له».

ومن أحسن ما يرد به على من يقول: إن العمليات الاستشهادية إلقاء بالنفس في التهلكة ما رواه أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بين عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب -رضي الله عنه- فقال: يا أيها الناس: إنكم لتؤولون هذا التأويل، وإنما نزلت فينا الآية معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقد قال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلما أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، أنزل الله تعالى ما يرد علينا ما قلنا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195)، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فمازال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. 

فأي تفسير أحسن من هذا التفسير الذي فسر به أبو أيوب -رضي الله عنه- هذه الآية؟

وهل يملك أحد بعده أن يؤول الآية خلاف تأويله؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وقد أنكر أبو أيوب على من جعل المنغمس في العدو ملقيًا بيده إلى التهلكة دون المجاهدين في سبيل الله، ضد ما يتوهمه هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه فإنهم يتأولون الآية على ما فيه ترك الجهاد في سبيل الله، والآية إنما هي أمر بالجهاد في سبيل الله ونهي عما يصد عنه (۳)[2] فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195)، وإذا قاتل الرجل في موضع فغلب على ظنه أنه يقتل فقد ألقي بيده إلى التهلكة، قيل: تأويل الآية على هذا غلط ولهذا مازال الصحابة والأئمة ينكرون على من يتأول الآية على ذلك كما ذكرنا (٤) وقال أيضًا -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر مزايا الشهيد وفضائله، وأن الله نهى عن تسميته ميتًا، قال: إذا كان الله نهى عن تسميته ميتًا واعتقاده ميتًا لئلا يكون منفرًا عن الجهاد، فكيف يسمى الشهادة تهلكة، واسم الهلاك أعظم تنفيًرا من اسم الموت، فمن قال: قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195)، يُراد به الشهادة في سبيل الله، فقد افترى على الله بهتانًا عظيمًا. (٥)

وعن القاسم بن مخيمرة أحد أئمة التابعين وأعلامهم أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195) قال: التهلكة ترك النفقة في سبيل الله، ولو حمل الرجل على عشرة آلاف لم يكن بذلك بأس. (٦)

أما الفقهاء -رحمهم الله تعالى- فقد تكلموا عن هذه المسألة كلامًا حسنًا جدًا، فمن ذلك الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- تعالى حين قال: لا خلاف في أن المسلم الأحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل، لكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يقتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم (۷).[3]

-------------------------------------

الهوامش 

[1] (1)     مشارع الأشواق– ٥٣٢/١.

(2)       قاعدة في الانغماس– ٥٤– ٥٥.

[2](3)      المصدر السابق: ٦١.

(4)       المصدر السابق: ٥٩. 

[3] (5) المصدر السابق: ٦٦.

(٦)        مشارع الأشواق ٥٢٨/١.

(۷) المصدر السابق ٥٥٧/١

الرابط المختصر :