العنوان من الحياة.. أصدقاء الشدة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1853
نشر في الصفحة 50
السبت 23-مايو-2009
الإنسان منا يحتاج إلى الأصدقاء، في الشدة والرخاء على السواء، لكنه إلى أصدقاء الشدة أحوج، فهو يحتاج إلى أصدقائه في أتراحه أكثر من احتياجه إليهم في أفراحه يحتاج إليهم في ساعات المرض أكثر من احتياجه إليهم في ساعات الصحة والعافية يحتاج إليهم في مواقف الخوف أكثر من احتياجه إليهم في مواقف الأمن يحتاج إليهم عند الفقر والحاجة أكثر من احتياجه إليهم في أوقات الغنى والكفاية.
أجل.. فقد يقبل الناس عليك في أفراحك ويحجمون في الأحزان والأتراح يكثرون عند الصحة ويقلون عند المرض يتدافعون إليك عند أمنك وسلامتك ويعزفون عند خوفك وهلعك، يقبلون على مجالس الأغنياء ومخالطتهم، ويعرضون عن مجالس الفقراء ومخالطتهم.
يقول الصادق يوسف:
وما أكثر الأصحاب حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
ولما كان الإقبال على الصديق وقت الشدة يحتاج إلى مجاهدة النفس، فقد حسبه الأنبياء والمصلحون وعلماء الاجتماع من مكارم الأخلاق، وأفضل ما يجسد هذا الخلق العظيم قول النبي ﷺ في خطابه للأنصار ممتدحًا لهم: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع»(رواه الواقدي).
توجيهات قرآنية في الصداقة
لو كان إنسان مستغنيًا عن الأصدقاء لكان رسولنا محمد ، فبرغم أن أصحاب رسول الله هم المستفيدون من صحبته، فإن رب العزة سبحانه وتعالى وجهه إلى الاستمساك بأصحابه الأخيار، فقال تعالى: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فَرُطًا ﴾(سورة الكهف:الآية 28).
ولقد عبر القرآن الكريم عن الصديق بعدة أسماء: منها صاحب خليل، أخ رفيق وكلها تشير إلى رابطة الصداقة والأخوة الإسلامية، التي يتعاون أعضاؤها دائمًا على البر والتقوى والخير، ويعين بعضهم بعضًا على تجنب المعاصي والمنكرات.
النبيﷺ وصاحبه له
ومن الآيات القرآنية التي تناولت هذه العلاقة العظيمة، تلك الآية التي جسدت صحبة النبي مع أبي بكر الصديق ، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لَصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيْدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةً الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيْمٌ﴾ (سورة التوبة: الآية 40).
إنه نموذج سام في صداقة الشدة حيث مطاردة جحافل الشرك وصناديده للصاحبين النبي والصديق ، والمكان غار موحش مظلم ربما يؤوي الحيات السامة ويخشى أبوبكر أن يمس صاحبه بأدنى سوء أو أن يهدد أي خطر رسالة الإسلام، فإذا برسولنا القائد الصديق الثابت العظيم يقول هذه الكلمات المطمئنات ليبث بها الطمأنينة عند الجزع ﴿ولا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ويقول له أيضًا - كما روت كتب السيرة -: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»...
الصديق والأقارب
بعد أن ذكر الله عز وجل كوكبة من الأقارب - الذين يباح الأكل من بيوتهم - عطف عليها الصديق، وذلك إن دل فإنما يدل على المكانة العظيمة التي أرادها الله لعلاقة سلامية المساعد. الصداقة، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) ﴾ (سورة النور: الآية٦١).
الصديق العدو والصديق الباقي
قد يتبع المرء هواه في اختيار صديقه فيصاحب أهل الهوى والشهوات تدفعه إلى ذلك نزواته وشهواته، متحللاً من قيمه وأخلاقياته، ودينه وثوابته فيضل في مستنقع من الشهوات التي لا تورث إلا ندمًا في الدنيا والآخرة.. وسرعان ما ينقلب الصديق وفق هذه العلاقة عدوًا، فإن لم يحدث ذلك في الدنيا، فإنه لا محالة سيحدث في الآخرة، يقول رب العزة سبحانه ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾(سورة الزخرف: الآية 67).
ومن العجب أن ينبع العداء يوم القيامة بين الأخلاء من معين ودادهم في الدنيا لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر ولذائذ الشهوات والمحرمات، ويملي بعضهم لبعض في الضلال، أما في الآخرة فهم يتلاومون ويلقي بعضهم على بعض مسؤولية ما آل إليه مصيرهم، فهم اليوم خصوم يتلاومون بعد أن كانوا أخلاء يتناجون إلا المتقين فهؤلاء أخلاء مودتهم باقية، فقد كان اجتماعهم على الخير واليوم عاقبتهم النجاة والجنة.
صديق الندم!!
تذكر بعض الروايات أن عقبة بن أبي معيط كان يكثر من مجالسة النبي ﷺ فدعاه إلى ضيافته، فأبى رسول الله ﷺ أن يأكل من طعام عقبة حتى ينطق بالشهادتين فنطق عقبة بالشهادتين، وكان أبي بن خلف صديقًا لعقبة، فعاتبه، وقال له: صبات، فقال عقبة لا والله، ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه، فشهدت له فقال أبي بن خلف - لعنه الله: لا أرضى منك إلا أن تأتيه - أي تأتي النبي ﷺ - فتطأ قفاه وتبصق في وجهه، فذهب عقبة - عليه لعنة الله - في طلب النبي فوجده ساجدا في دار الندوة، ففعل عقبة ما أمره به أبي بن خلف، فقال له النبي لا ألقاك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر يوم بدر فأمر النبي عليا كرم الله وجهه فقتله.
تلك - إذا - صداقة الندم، لذا تذكر بعض الروايات أن آيات قرآنية من سورة الفرقان نزلت بسبب هذا الموقف، لتنذر هذين الصديقين ومن سار على دربهما، وتحذر من مثل هذه الصداقة قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29﴾(سورة الفرقان: الآيات 27 28 29).
هكذا.. وبذلك الصوت المتحسر، وتلك النبرات الأسيفة، وذلك الإيقاع القرآني الممدود الذي يزيد الموقف طولاً، ويزيد أثره عمقا حتى ليكاد القارئ والمستمع يشاركان في الندم والأسف، فلم يكف عض يد واحدة إنما صور القرآن الكريم صديق السوء في ندمه اللاذع وهو يعض كلتا يديه ليجسد لتلك الحالة النفسية الموجعة لشدة الندم ومرارته.
كما جسدت الآيات القرآنية المباركة خذلان صديق السوء لصديقه، أي صديقين اتفقا على السوء، وليس الأمر يقتصر على عقبة وأبي فقط، لذا فقدت نكرت الآية الكريمة وجهلت صديق السوء قسمته، فلانا. في قوله تعالى: ﴿ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) ﴾ ليشمل كل صاحب سوء يصد عن سبيل الرسولﷺ ويضل عن ذكر الله.
يعرف الصديق بصديقه
يقول النبي ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (أخرجه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).
ولقد أشار التراث العربي الإسلامي إلى هذه الحقيقة، فمن أشعار الإمام الشافعي:
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد منصفا
ويقول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
ومن الأمثال العربية «خذ الرفيق قبل الطريق» ومنها أيضًا «الطيور على أشكالها تقع»..
ولكنهم في النائبات كثير
صحيح يقل الأصحاب عند النائبات كما يقول الشاعر:
فما أكثر الأصحاب حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
لكن المرء إذا أحسن اختيار أصحابه ووفقه الله في ذلك، فإنه لا محالة سيجدهم جميعًا حوله في كل نائبة، فإن لم يكن باللقاء والزيارة فسوف يتواصلون - قدر المستطاع - بالهاتف والسؤال والمؤازرة.
تجربة شخصية
رزقني الله تعالى من الأولاد ثلاثة ابني الأوسط يجيد مهارات التفاوض، وكثيرًا ما كان يجادلني مطالبًا بوقت أطول أقضيه معهم في البيت أو التنزه، وكنت لا أستطيع أن أعطيه ما يتطلع إليه، وكانت من بين مبرراتي أني رجل علي أعباء كثيرة لطبيعة عملي كعضو هيئة تدريس بالجامعة لي أبحاثي وكتبي وقراءاتي، بالإضافة إلى أعباء الدعوة إلى الله الواجبة على كل فرد مسلم كما أن لي أصدقاء كثيرين، وكنت أقرأ في عيني ابني وتعبيراته تحفظاته على كثرة الأصدقاء، فهم - في نظره - يجورون عليه في حقه من الوقت والاهتمام به من جانبي وكنت دائما أحاول إقناعه بأهمية الأصدقاء دون جدوى.
وذات يوم خرجت في نزهة عقب صلاة الجمعة، وركبت سيارتي وبجواري زوجتي وخلفي ابني الأوسط وابنتي، وهي أصغر أولادي، وفي الطريق فوجئت بسيارة تنطلق تجاهنا بسرعة مذهلة فانحرفت ناحيتي ودعمت سيارتي من الجناح الأيسر الأمامي وطاحت إلى أقصى الاتجاه المعاكس، وأدى الحادث إلى خلع عظمة ترقوتي، وإحداث شرخ بعظمة الكتف، وبفضل الله نجوت أنا وزوجتي وابني وابنتي، وما كدنا نصل إلى المستشفى عن طريق الإسعاف إلا ووجدت جمعًا كبيرًا من أصحابي حولي وحول أسرتي، منهم الأطباء ومنهم المهندسون ومنهم الصحفيون ومنهم المحاسبون ومنهم القانونيون ومنهم..... ومنهم..... فلازموني في أثناء فترة الملاحظة بالمستشفى، وأتى بعضهم بزوجاتهم فلازموا زوجتي كذلك، بل أتى بعضهم بأبنائه ليصاحبوا ابني ويؤانسوه.
ونظر ابني فوجد الجميع حوله يتسابق كل منهم في قضاء حوائجنا ومصالحنا وشعر ابني هنالك بالطمأنينة لوجود هذا الجمع الطيب حوله يقوم على راحته، ولم يكلفنا عناء التفكير في أي شيء، ولقد كنت أنظر في وجوههم الطيبة المشرقة فتسكن بها جراحي وتهدأ بها آلامي، فالجميع يواسوننا يتنافسون في إحضار الطعام والمشروبات وتخليص التقارير والأوراق الخاصة بالمستشفى أو بالتحقيقات، وفي نفس زمان الحدث ومكانه نطق ولدي معبرًا عن المشاعر الجياشة والعواطف المؤثرة التي سيطرت عليه، ودار بينه وبين والدته حوار يؤكد تأثير الحدث، فلقد نجح هؤلاء الأحباب الكرام بسلوكهم وخلقهم في إقناع ابني بما لم أنجح أنا في إقناعه به سنين عددًا، لقد دار بينه وبين والدته الحوار التالي:
الابن: من هؤلاء جميعًا يا أمي؟
الأم: هؤلاء أصحاب أبيك؟
الابن: ولماذا يقومون بهذا كله؟
الأم: لأنهم أصحابه، يحبهم ويحبونه
الابن: وهل كل الأصحاب يصنعون ذلك؟
الأم: لا بالطبع، ولكن هؤلاء أحب بعضهم بعضًا في الله، لا لعلة دنيوية، ولا لمصلحة شخصية، إنما هي أخوة في الله.
الابن: الآن يا أمي اقتنعت بأهمية الصحبة الطيبة والأخوة وعذرت أبي، وإني لفخور بأبي وبأصحابه.
وصية رجل صالح لابنه
أوصى أحد الصالحين عند وفاته - وهو علقمة العطاردي - ابنه فقال: يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة! (أي إذا احتجت إلى صديق من الرجال).. فاصحب من إذا خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت به مؤنة مانك (أي إن نزلت بك حاجة قام بكفايتك فيها) واصحب من إذا مددت يدك بخير منها، وإن رأى حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها، واصحب من إذا سالته أعطاك، وإن سكت ابتداك (أي بادر هو وأعطاك)، وإن نزلت بك نازلة واساك واصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرًا أزرك، وإن تنازعتما أثرك»…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل