; الغيرة وحب الملك | مجلة المجتمع

العنوان الغيرة وحب الملك

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1849

نشر في الصفحة 50

السبت 25-أبريل-2009

منذ أيام وصلتني رسالة عبر البريد الإلكتروني من سيدة تزوجت برجل متزوج بعد أن طلقت من زوجها الأول، وفيما يلي

مفاد رسالتها: أنا امرأة عمري ثلاثون عاماً، أقيم في أحد البلاد الخليجية التي أعمل فيها تزوجت وكان عمري ثلاثة وعشرين عاما ولم يدم زواجي سوى شهرين، ثم طلقت ومكثت سبع سنين بعدها ذقت مرارة الطلاق، وكنت مطمعا لنظرات مرضى القلوب لتمتعي بالأنوثة والرقة والجمال حتى تمنيت من مرارة الطلاق والوحدة أن يصيبني المثل القائل ظل رجل ولا ظل حيطة... لقد عشت فترة الطلاق هذه سبع سنين دأبا وعذاباً وألما، حتى تقدم لي رجل متزوج، وافقت عليه برغم فارق السن الكبير بيني وبينه، فقد كان يكبرني بتسع سنين تزوجته وأحببته، وأنجبت منه طفلين ولدا وبنتا، لا أنكر أنني أحببت زوجي هذا حباً شديداً، فهو رجل بمعنى الكلمة، يتحمل تبعاته ومسؤولياته تجاهي وطفليه، ويؤدي واجبه كاملا، ويحوطني بحبه وحنانه ويحسن معاملتي، ويتميز بخلق راق، ومع ذلك كله أشعر في بعض الأوقات بأنني أكرهه وأنفر منه نفوراً يصل إلى منعه من حقه الشرعي في العلاقة الخاصة بيننا، وكثيراً ما كنت أتساءل مع نفسي: لماذا أفعل هذا برغم ما يتميز به زوجي في زمن ندر فيه وجود مثل هذا الزوج؟

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية 

انقلاب الحال! 

وكنت دائماً أجيب نفسي، لأني امرأة ذات حسب وأنوثة وجمال، ولكن السبب الحقيقي الذي أتأكد منه تماماً هو غيرتي الشديدة عليه.. فقد مرت الشهور العشرة الأولى من زواجنا ونحن في غمرات السعادة وواحات من الحب والرومانسية، وسرعان ما انقلب الحال عندما أخبرني بأنه يرغب في قضاء عطلته السنوية« ومدتها شهر» في وطنه مع والدته وزوجته الأولى وأولاده، وكأنني لم أشعر بأنه متزوج بامرأة قبلي إلا في هذه اللحظة، لقد تزوجته وأنا أعتقد أنه على خلاف مع زوجته الأولى، وأنه ينفر منها ولا يحبها، لذلك بحث عن حبه معي أنا زوجته الثانية وكنت أؤكد لنفسي ذلك مستدلة بعدم استقدامه لزوجته الأولى في البلد الخليجي الذي يعمل به، لكنني فوجئت بأنها تتصل به ويرد عليها!! وكذلك أولاده، فإذا سألته سؤالاً يتعلق بها أو بأولاده منها فلا أجد منه ردا شافيا، وإذا ردّ فإنه يرد ردا مختصراً غاية في الاختصار كله غموض. 

ومن هنا كانت مشكلتي المحورية معه وتحولت حياتي معه إلى مشكلات فعندما فاتحني لأول مرة برغبته في السفر ليقضي عطلته مع زوجته وأولاده ووالدته، شعرت بأن زلزالا ضربني وأصيب جسدي برعشة شديدة، وانهرت انهياراً كاملاً، وأحسست كأن ناراً تشتعل في قلبي وضيقا ألم بصدري وذلك أني لم أكن أتصور أنه يلمس أي امرأة غيري، فتخيلته مع زوجته الأولى، وتمثلت : صورتهما أمامي، فلم أصدق ما أنا فيه، ولم أتقبله، ولم أطقه خيالاً.. فكيف أتقبله واقعا؟... بكيت حتى كاد كبدي يتمزق وقلبي أوشك أن يتقطع، وكدت أفقد بصري من كثرة البكاء وشدته، والمني ما قاله زوجي ألما نفسيا لخيانته لحبنا، وتساءلت: كيف خدعني وغافلني ؟ وقلت له: إن كنت ما زلت تحبني حقاً.. فلا تذهب إليهم، لكنه لم يعبأ بكلامي، ولم يكترث لبكائي

 شعرت . ساعتها ، أن قصة الحب التي عشتها معه كانت وهما، وقد صار حبنا هشيما تذروه الرياح، وأحسست بأن زوجي يعاني فصاماً في الشخصية، فهو يعيش حياتين، وهو ذو عاطفتين يعيش إحداهما معي، فإذا سافر إلى زوجته الأولى، عاش بعاطفته الثانية، لقد تأكدت أنه لا قيمة لي عنده الآن، لأنه لم يستجب لرغبتي وسافر إلى زوجته الأولى، إنه الآن يسهر مع الإسلامية المساعد.

زوجته الأولى، ويعيش معها سعادته، ويباشر حياته، ويمنحها حنانه وحبه، وتستمتع برومانسيتيه التي حرمني منها ظلما، أما أنا فأسهر وأفكر وأنا مقهورة قليلة الحيلة وحيدة ذليلة !!

في آخر مكالمة هاتفية بيني وبين زوجي أوضحت له أنه بذلك خانني، فأجابني: إنه متزوج على سنة الله تعالى ورسوله ، وأنه صارحني من قبل زواجه بي بأنه متزوج ويعول، وعندما قلت له: إنه ظلمني ولم يعدل.. أجابني، بل المظلومة هي زوجتي الأولى، أما وصفي له بأنه غير عادل.. فقد أقرني عليه، لأنه فعلا لم يعدل بيني وبين أسرته الأولى، ظلم الأخيرة وانتهت المكالمة الهاتفية بيننا بطلبي الطلاق !! لا أنكر أنني كنت في قمة انفعالي وكنت أستفزه، وكان يكلمني بهدوء وصبر وحكمة وعقلانية، لا أنكر أنه كان يعبر لي عن حبه لي، ويذكرني بذكرياتنا الجميلة ويستوعبني، ويحرص على إرضائي، وأحايين أخرى كان يكلمني ببرود وبشكل رسمي وكأنه كان يكلم صاحبه لا زوجته التي أحبته وأحبها وعندما طلبت منه الطلاق قال لي بهدوء، إنه لا يستطيع أن يعيش حياته من دوني.

جنون الغيرة!

أنا الآن في حيرة وصراع مرير مستمر لا ينقطع أبداً، فتارة أقنع نفسي بأن الأفضل لي أن أحافظ على زوجي وابني وابنتي وأن أستمر في حياتي الأسرية صابرة على ما أصابني، وتارة أخرى أفكر في الطلاق، وخاصة عندما أتصل عليه فأجد هاتفه مغلقا، وتشتعل داخلي نار الشك، ويتأجج في نفسي جنون الغيرة، بيد أنني سرعان ما أتراجع عن فكرة الطلاق، وخاصة إذا فكرت في ولدي وابنتي وحياتي بعد الطلاق ووحدتي وخوضي معترك الحياة دون رجل يحميني وأستظل بظله وحنانه، وأشعر بأمانه في دنيا أصبحت كالغابة مخيفة موحشة.. أرجو أن تنصحني بما تراه خيرا، وأن تنقذني من صراعي وحيرتي.

هكذا خَتَمَتْ هذه السيدة رسالتها، وأود أن أرد على هذه الحائرة بعدة رسائل موجزة فأقول:

أولا: بداية.. اسمحي لي - أختي الكريمة – أن آخذ دور الأب الناصح أو الأخ الأكبر الحريص على ابنته أو أخته، فتقبلي نصحي حتى إن قسوت عليك أحيانا، لأنه سيكون من باب الحرص على مصلحتك وسعادتك والحفاظ على بيت مسلم من الانهيار والدمار وتشريد الأولاد والأفراد.

ثانيا: رسالتك تؤكد جنون غيرتك وانفعالك وتوترك، وأخطر ما في هذه الصفات أنها ستحول بينك وبين اتخاذ القرار السديد الذي فيه استقرارك وسعادتك وجميل أن تستشيري غيرك وقد فعلت والأجمل أن تأخذي بنصح من استشرت؛ لأن صاحب المشكلة غالبا لا يحسن التفكير فيها وخاصة إذا كانت عاطفية، ومن ثم يحتاج إلى نصح غيره، ولاسيما إذا كان متوتراً.

ثالثاً: لقد كان حرياً بك، وقد اعترفت في رسالتك بمرارة الوحدة والطلاق أن تكوني أكثر صبراً وحكمة وحنكة في حياتك الزوجية، وأن تحافظي على بيتك وألا تطلبي الطلاق.

رابعا: تنفيذ الطلاق سيشقيك أنت ويسعد الزوجة الأولى، ألم تفكري في ذلك ؟!! 

خامسا: منطق الطبيعة الأنثوية يقتضي أن تتهمك الزوجة الأولى بالاعتداء على حقها، وهو ما لم تذكريه في رسالتك؛ لأنك أنت الزوجة الثانية، وأنا لا أتهمك بخطأ شرعي، فقد تزوجك بشرع الله تعالى، وسنة رسوله ، ولكن كثيرا منكن معشر النساء. أحيانا تكون لكن حسابات عاطفية أنثوية أخرى، ألم يصارحك بأن له زوجة وأولادا ؟! إذا.. فلماذا تتهمينه بالخيانة؟!!

سادسا: ألا تغفر صفات الرجل الحميدة التي قمت أنت بذكرها لهذا الزوج قلت بنفسك: إنه رجل بمعنى الكلمة، يتحمل تبعاته، ويؤدي واجباته، ويحوطك بحبه وحنانه وذو خلق راق، ويحسن معاملتك !! فإذا أراد الرجل أن يبر أمه ويزورها، ويزور أولاده وزوجته الأولى، ليقضي معهم شهرا في العام أيكون ظلمك، ولا يحبك ؟!! ألم يكفك أن يعيش معك أحد عشر شهراً ومعهم شهراً واحداً؟ أم تريدين أن يكون لك وحدك

ويقاطع أمه وزوجته وأولاده؟ هل تنفعينه يوم أن يسأله الله عن الأمانة وتضييع أولاده وزوجته وأمه؟ ألم تسمعية ي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته (صححه الألباني)؟ ألم تضعي نفسك مكان الزوجة الأولى، وأولادك مكان أولادها وتسألي نفسك ما المصير وقتها؟ ألم تستشعري نفسك أماً وقد تركك ابنك تتسولين الناس؟ فلماذا تريدينه أن يترك أمه؟ ألم تسألي نفسك إذا ترك زوجك أمه فمن الذي سيطعمها بأمر الله؟ ومن الذي يكسوها؟ ومن الذي يرعاها كبيرة عجوزاً، وقد ربته صغيراً؟ ألا يقتضي الوفاء أن تبريها أنت وتساعديه على برها لأنها سبب وجوده في الحياة، وسبب الحب الذي تمتعت به بإقرارك وشهادتك ؟

حب التملك !

اسمحي لي يا أختي أن أؤكد لك أن الذي أنت فيه ليس غيرة طبيعية، إنما هو جنون الغيرة وحب التملك، والأنانية، فلنسم الأشياء بمسمياتها، أنت تريدين أن تتملكي زوجك فلا يكون إلا لك، وذلك أمر يعصف ببيتك وحياتك وحياة زوجك الحبيب سادسا: ألم تقولي في رسالتك تعقيباً على صفات هذا الزوج لماذا أفعل هذا برغم ما يتميز به زوجي في زمن ندر فيه وجود مثل هذا الزوج ؟!!... لقد أجبت عن هذا السؤال إجابة تؤكد نرجسيتك، أي إعجابك بنفسك فبررت تمردك على حياتك بجمالك وأنوثتك ورقتك فافتخرت بنفسك بشيء لا دخل لك فيه، إنما هو هبة من هبات الخالق سبحانه، فالجمال يا أختاه ليس من صنعك حتى تتباهي به، وكم من رجال سعداء في حياتهم برغم قلة حظ نسائهم من الجمال وكم من رجال أشقياء بسبب جمال زوجاتهم ولا يتعارض ذلك مع نعمة الجمال، فالجمال جذاب لا شك ونعمة تستحق الشكر، لكنه ليس مجال فخر لصاحبه، وإذا أردت أن تربطي بين الجمال والسعادة الزوجية فاذهبي إلى المحاكم لتري عاقبة جمال الجسد إن لم تقترن بجمال الروح والخلق، ثم اقرني إحصاءات البيوت السعيدة والبيوت التعيسة في المؤسسات المعنية بذلك.. ثم إنك كأنك تستكثرين نفسك عليه، وذلك ما استنتجته من رسالتك عندما ذكرت أن فارق السن بينك

وبينه كبير، ثم قلت إنه تسع سنوات!! 

سابعا: شكوت من أنك أحياناً تكلمينه عن زوجته الأولى، أو عندما تهاتفينه يكلمك كلاماً حاداً كأنه يحدث صاحبه ولا يكون عاطفياً.. وأرد عنه فأقول: التمس له العذر فريما تكون زوجته بجانبه فيراعي شعورها أو يكون بجواره بعض أقاربه الأكبر منه سناً أو رتبة، ومن ثم فلكل مقام مقال.. ألم تسألي نفسك ما شعورك إذا اتصلت به زوجته وأنت بجواره ثم غازلها 119 أتتحملين ذلك؟! أم أنك ما لا ترضينه على نفسك ترضينه على غيرك؟ أليس هذا هو الكيل بمكيالين؟ وأين العدل هنا ؟!

 ثامناً: شكوت منه عندما قال لك إنها زوجته بشرع الله رداً على اتهامك له بالخيانة لأنه ذهب إليها، وهل قال زوجك إلا الحق؟! أترضين أن يتخلى عن زوجته الأولى وأسرته لكي يكون من وجهة نظرك أميناً؟!! بئس الأمانة تلك.

تاسعا : وصفت زوجك بأنه مصاب بانفصام

في الشخصية، فهل كل رجل تزوج بامرأتين هكذا كما وصفت ؟ إنه لمنطق عجيب فاحذري ما تقولين لأنك بذلك تتهمين رسولك خير البشر وأصحابه الكرام ورجالا من التابعين وتابعيهم صالحين أسوياء بأنهم أصيبوا بما أصيب به زوجك لأنهم عددوا الزوجات.. فهل هذا منطق سديد؟!

ساعديه على العدل

أختي الكريمة إذا كنت تحبين زوجك فساعديه على أن يعدل بينك وبين زوجته الأولى، وأن يرعى أولاده لا أن يضيعهم، وأن يبر والدته لا أن يعقها.. حافظي على بيتك لأنك بأفكارك وتصرفاتك هذه تدمرين بيتك، وتهلكين سعادتك، وتشردين طفليك كفي عن الأنانية وحب التملك، وأحبي لغيرك ما تحبينه لنفسك، كما أرشدك طبيبك . لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، (رواه البخاري ومسلم).

حياتك الزوجية على مفترق طرق وأنت وحدك من يحدد مسارك، إما إلى سعادة باستبقائك زوجك وإحسان معاملته وإقلاعك عن تصرفاتك وأفكارك الطائشة، وإما إلى شقاء وتمزق ودمار لبيتك إذا أنت أصررت على الاستمرار فيما أنت فيه تعبدي لربك بحب زوجك وطاعته وإعانته على العدل والخير انظري في أمرك نظرة الزوجة المؤمنة ولا تدعي الغيرة تحجب عنك مستقبلك ومستقبل طفليك، ثم تندمين عندما لا يجدي الندم ارضي بوجود الزوجة الأولى في حياة زوجك بالحلال، فكثير من النساء ابتلين بأزواج خائنين، يقيمون علاقات غير شرعية في دائرة الحرام، وتضرعي إلى ربك ليجيرك من شيطان نفسك، ويذهب عنك أنانيتك وجنون غيرتك وحب تملكك. ودعواتي لك، ولزوجك بالاستقرار والسعادة والانسجام، ولكلا البيتين بالسكينة والإيمان والوئام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1532

65

السبت 28-ديسمبر-2002

المجتمع الثقافي (العدد 1532)

نشر في العدد 1944

54

السبت 19-مارس-2011

مشكلتي..  الزوج المنسحب