; توزيع الثروات ومحاربة تكديسها | مجلة المجتمع

العنوان توزيع الثروات ومحاربة تكديسها

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983

مشاهدات 69

نشر في العدد 609

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 22-فبراير-1983

الذي يتفحص التشريع الاقتصادي في الإسلام يلاحظ بدون شك الأهداف الجماعية الذي يتوخى تحقيقها. فتشريعات الزكاة، والإرث، والصدقات، وإعارة الماعون، ومساعدة ابن السبيل، وكفاية الفقراء، وكفارات الأيمان، والإفطار، والظهار... وغيرها، كل هذه التشريعات يلاحظ أنها تؤدي إلى توزيع الثروة على أكبر قاعدة من الناس، كما أنها -أي التشريعات- تحارب تكديس وتركيز الثروة في أيدي القلة. يتوضح هذا الأمر حين التمعن بتفاصيل هذه التشريعات. فالزكاة تعمل وبشكل عملي وعلى أمد طويل على إعادة توزيع الثروة في اتجاه المساواة والعدالة. فهي تؤخذ من الغني وتعطى للفقير. وأصحاب الأموال معرضون دائمًا في ميادين التجارة والاستثمار للربح والخسارة. غير أن الخسارة غير معتبرة في حساب الزكاة طالما أن صاحب المال يملك ما يزيد على النصاب، ولو كان ماله يمر في حالة التناقص. هكذا إذًا نجد أن تشريع الزكاة يهدف إلى إعادة توزيع الثروة لكن على مدى طويل. أما تشريع الإرث -كما جاء في القرآن- فهو نظام تفصيلي دقيق يتحدث عن أرقام رياضية لا تقبل الحرص والاحتمال: النصف والثلث والربع والسدس، ويتناول كميات من الثروة في صورها العديدة المنقولة وغير المنقولة، فيوزعها على فئات عديدة وينشرها على أعداد كبيرة من الناس. والذي يقارن نظام الإرث في العالم الرأسمالي بنظام الإرث القرآني، يلاحظ أن الفارق الرئيس بين النظامين هو أن الأول يكرس ويساند تکدیس الثروة في يد القلة، وأن النظام الثاني -الإسلامي- يسعى إلى تنظيم وجود الثروة وتوزيعها على أكبر عدد ممكن من الناس حتى لو لم يكونوا من أقرباء المتوفى، فلقد قرر القرآن لليتامى والمساكين الذين يحضرون قسمة التركة شيئًا من المال، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 8). قال بعض العلماء: هذه العطية واجبة على جهة الفرض، وقال آخرون: إن هذا العمل مندوب إليه ورجحه القرطبي (ج 5، ص 48 - 49)، فإذا أعطوهم من الأموال المتروكة فعليهم أن يقولوا لهم قولًا معروفًا، قال سعيد بن جبير يقال لهم: خذوا بورك لكم. فنظام الإرث في العالم الرأسمالي يقوم على ركيزة المحافظة على الثروة المتراكمة ضمن دائرة ضيقة، بينما أن نظام الإرث الإسلامي يقوم على ركيزة التوزيع للثروة المتروكة ونثرها على أوسع دائرة ممكنة من الناس. حتى العقوبات المالية المفروضة في الإسلام جاءت في اتجاه إعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء والمساكين والمعوزين، ونظام العقوبات المالية في الإسلام عرف بنظام الكفارات. والكفارة هي العقوبة التي قدرها الشارع الحكيم عند ارتكاب أمر فيه مخالفة لأوامر الله تعالى، وتشمل كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الإفطار في رمضان.

● ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 89).

● روى أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي r فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، فقال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، قال: لا فقال: هل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ إلى آخر الحديث «انظر: نيل الأوطار، الشوكاني، ج 4، ص ٢٢٧»

●﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة المجادلة: 3-4)

ومن يدرس تاريخ الأوقاف الإسلامية من حيث هي نوع من أنواع صدقات التطوع، يدرك إلى أي مدى أصبحت المجتمعات الإسلامية تدرك التشريع الاقتصادي في الإسلام الذي يستهدف في الأساس تحقيق مصلحة عامة، فلقد كان هناك في المجتمعات الإسلامية أوقاف يصرف منها على المساجد، والمدارس، والمكتبات العامة، والمستشفيات، وإصلاح الجسور، والطرقات العامة، واللقطاء، واليتامى، والمقعدين، والعميان، والعجزة، والمساجين، والبذور للفلاحين، وأدوات الزراعة، ودواب الزراعة، وغيرها من المصارف العامة التي تؤدي إلى نثر الثروة وضخها من أجل الصالح العام للمسلمين بدل تكدسها وتكاثرها دون تداول. لا شك بأن نظام الوقف الإسلامي يحتاج إلى تأريخ من حيث هو نظام عملي كبير الفائدة للجماعة ومن حيث هو طريقة فذة في تدوير المال في المجتمع والحؤول دون تركزه وكنزه.

هذه تنظيمات كانت قائمة في المجتمعات الإسلامية وبعضها ما زال قائمًا، وقد أثبتت فعاليتها البعيدة المدى، وتعكس موقف الإسلام من الثروة ومن ضرورة توظيفها لصالح العموم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 382

76

الثلاثاء 17-يناير-1978

حتى يعلم الناس (٢)

نشر في العدد 1142

92

الثلاثاء 21-مارس-1995

المجتمع الأسري- العدد 1142