; لسنا على مشارف الهاوية.. بل في قيعانها | مجلة المجتمع

العنوان لسنا على مشارف الهاوية.. بل في قيعانها

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978

مشاهدات 133

نشر في العدد 397

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 30-مايو-1978

من كان يظن أننا نحن المسلمين نتدهور إلى درجة نعطي فيها الدنية في ديننا، نتملق الكفر والشرك حتى يقبلا ودنا وصداقتنا، ونتزلف إلى الطغيان والجور حتى يتقبلا منا نفاقنا ومداهنتنا؟

من كان يظن بنا نحن المسلمين هذا أو ذاك، وقد كان آباؤنا الأولون يُتزلف إليهم ولا يتزلفون إلى أحد، ويطلب ودهم ولا يطلبون ود أحد، ويحسب لوجودهم ألف حساب، ولا يحسبون حسابًا واحدًا لأحد؟

نتساءل والأسى المرير ملء أفئدتنا، والحزن العميق يستوعب جوانحنا: هل الذين يبيعون دينهم بدنيا الناس جديرون بأدنى احترام منا؟ وهل الذين يسخرون دين الله لأهواء السلطة جديرون منا بأن نقيم لهم وزنًا؟ وهل الذين يحتمون بعمائمهم مطمئنين إلى أن عمائمهم الضخام التي يحملونها فوق أدمغتهم تمنحهم حصانة تجعلهم فوق المناقشة وفوق المساءلة، هل هؤلاء جديرون منا بأن نحني لهم إذا انحرفوا أو نبارك عملهم إذا هم مالوا عن الحق وانحازوا إلى الباطل وإذا هم بذلوا من عزة الإسلام للسياسة حتى تتمادى في إذلال المسلمين؟ إن كثيرًا من الإخوة الطيبين لا يرضون منا أن نناقش زيدًا من الناس ما دام يحمل فوق رأسه عمامة ضخمة، لأن عمامته الضخمة تمنحه أو يجب أن تمنحه قداسة لرأيه ولسلوكه معًا، ومعنى هذا أن من حق حامل العمامة الضخمة أن يصول ويجول لحساب الباطل، وينحرف حتى يسقط معتزًا بعزة السلطان أو بعزة الشيطان، ولأن هذه العمامة على حد تفكير هؤلاء الإخوة الطيبين هي رمز الإسلام، وأن حاملها رمز للمسلمين هل في الإسلام رموز أو طقوس؟ إلا إذا ارتضينا لأنفسنا أن نعود إلى الجاهلية الأولى؟ هذه كلمات حزينة تحز في كل نفس مسلمة، أمهد بها للحديث عن هذه المأساة التي يصنعها بأيديهم علماء مسلمون يحملون فوق رؤوسهم عمائم ضخامًا، ليجعلوا الإسلام في مكان التابع المتلهف يطلب ود المسيحية وصداقتها ورضاها.

لقد نشرت الصحف منذ أيام ملخص ما قيل في اللقاء الذي تم في القاهرة بين وفد الفاتيكان برئاسة الكاردينال سرجيو رئيس السكرتارية بالفاتيكان لشئون غير المسيحيين وبين كل من شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود، ووزير الأوقاف الشيخ متولي الشعراوي، ولقد تحدث شيخ الأزهر في هذا اللقاء عن القيم الروحية وأثرها في علاج مشاكل الإنسانية، وواجب رجال الأديان في التعاون في مشارق الأرض ومغاربها حتى نخلص هذا الجيل من مشاكله وطالب شيخ الأزهر بضرورة تجدد اللقاء حتى يمكن وضع خطة عمل شاملة لتخليص البشر من آلام العصر وماديته.

أما الشيخ الشعراوي فقال: إن العالم بأسره في حاجة لأن تتكاتف الأديان لصد التحديات التي تواجه هذا العصر، وواجبنا أن نضع للعالم نظامًا لحركة الحياة على أساس العقيدة وإننا نحاول أن نأخذ الإسلام نظامًا لحركة الحياة في العالم يسعدنا أن تشارك الكنيسة في وضع هذا النظام.

لن ندخل في حوار مع الشيخين الكبيرين ما داما ينفذان رغبة السياسة العليا، إلا أنني أؤكد أن فضيلتيهما لم يحفظا من قول كتاب الله الكريم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ﴾ (البقرة:120) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ (المائدة:51-52-53).

أقول: لا ندخل مع الشيخين الكبيرين في حوار، ما داما قد رضيا لنفسيهما أن يكونا في موضع لا يرضاه الله لمسلم معتز بدينه، وحسبنا أن نؤكد للناس جميعًا أن الشيخين في هذا المقام لا يمثلان الإسلام ولا يمثلان المسلمين وإنما- فحسب- يمثلان نفسيهما، والسياسة العليا التي يدينان لها بالولاء والطاعة العمياء.

ومن حقنا نحن المسلمين- لو كنا نملك ذلك أن نصرخ في وفد الفاتيكان بأعلى صرخاتنا: عد من حيث أتيت، غير مأسوف عليك، فإن الشعوب المسلمة على الرغم من أنها اليوم مغلوبة على أمرها- لم تنس ولن تنسى أن راديو الفاتيكان في حرب فلسطين عام ١٩٤٨، كان يناشد العالم أن يبادر بالتدخل لإنقاذ اليهود من البرابرة العرب المسلمين وأن مجمع الكنائس العليا في الولايات المتحدة في ذلك الوقت كان أول من جمع التبرعات لمساعدة اليهود في فلسطين هل تنسي الشعوب المسلمة حروب الإبادة التي تشنها الصليبية الشرسة على المسلمين في الفلبين وفي أريتريا وفي تشاد؟ هل تنسي الشعوب المسلمة التحركات الصليبية المشبوهة في ديار المسلمين اليوم؟

وبعد..

فنحن لا نملك أن نفرض على علماء الدين الكرامة والاعتزاز بالإسلام، ولا نملك أن نفرض عليهم أن يرفضوا الولاء إلا لله- عز وجل- ولشريعة الإسلام الغراء أجل نحن لا نملك هذا ولا ذاك، وإنما نملك أن نتصدى بكل ما نملك من إيمان لكل محاولة يراد منها أن يكون الإسلام في موقف لا يحسد عليه، أن يكون في موقف التابع وليس في موقع القائد، أن يكون الإسلام أداة طيعة في أيدي بعض ذوي المراكز المرموقة من علماء الدين، ليسخر لمصالح السياسة العليا في أي دولة كائنة من كانت هذه الدولة.

لقد رفض الأزهر في أواخر القرن الماضي فكرة من الغرب الصليبي تزعمتها فرنسا وإيطاليا، مؤداها أن يكون هناك امتزاج مسيحي إسلامي، الغرض منه التمكين للمسيحية في أرض المسلمين، رفض الأزهر هذه الفكرة الخبيثة، يوم أن كان فيه رجال يملكون أن يقولوا: لا، بملء أفواههم وقد تغير الشعار ولم يتغير الجوهر والمنهج بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن، وابتكر الغرب الصليبي بقيادة أمريكا شعارًا جديدًا هو التقارب الإسلامي المسيحي، وكان أن انعقدت المؤتمرات، واشتركت فيها بعض الدول المسلمة في غباء، وكان أسبق المشتركين في هذه المؤتمرات الأزهر، وذلك لأن أزهر اليوم لم يعد فيه رجال يستطيعون أن يقولوا لا بملء أفواههم وحسبنا الله وحده.

الرابط المختصر :