; عيدي أمين الأبيض في عالم كارتر الأسود | مجلة المجتمع

العنوان عيدي أمين الأبيض في عالم كارتر الأسود

الكاتب حسن مكي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979

مشاهدات 63

نشر في العدد 446

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 22-مايو-1979

     قد يقرأ القارئ هذا المقال، وقد أصبح عيدي أمين ظاهرة تاريخية لا وجود لها في عالم الواقع، وقد يرتد سيف التآمر المسلط فيقضي على (نيريري) والجماعات الكنسية التي جمعها حلف شيطاني مع شيوعيي الكونغو برازفيل وأنجولا من أجل القضاء على عيدي أمين.

    إن العالم يحكمه اليوم (فتوات)، بل قطاع طريق ونابشة قبور، والعملة السائرة الوحيدة هي منطق القوة. 

     أما ما عدا ذلك من عملات، مثل: الحقيقة، والضمير، والقانون فهي سلع بائرة، وعملات زائفة لا مكان لها في أسواق الملاكمة والمضاربة العالمية، لا يركن إليها إلا ضعيف خائن، أو جبان متهاون.

     وعندما تكون -يا أخي القارئ- ترشف من كوب الشاي المائة بعد العشرة آلاف يكون أضعاف هذا العدد من المسلمين قد نحروا في أوغندا، على يد الشيوعية العالمية والكنيسة الصليبية، وعليك الآن أن ترشف كوب شاي آخر.

  • رياح الاستقلال الأفريقية: 

     حين هبت رياح الاستقلال بقوة في الستينات على أفريقيا، ونالت أوغندا استقلالها في أكتوبر (١٩٦٢م)، وأصبحت عضوًا في الكومنولث البريطاني، ومثلت حكومة الاستقلال نوعًا من التحالف بين (ملتون أوبوتي) وأنصاره «مؤتمر شعب أوغندا»، و«الكبا كاميثا» الثاني ملك أوغندا، حين أصبح الأول رئيسًا للوزراء، والثاني رئيسًا للبلاد، ولكن هذا التحالف -وشأنه شأن أي تحالف آخر- ما كان ليصمد أمام مهام مرحلة ما بعد الاستقلال، وعليه فقد سعى «ملتون أوبوتي» مستعينًا بالجيش، وأطاح بــ (الكباكا)، وجمع بعدها بين السلطتين التنفيذية، والتشريعية، وكان ذلك في فبراير (١٩٦٦م)، وذهب (الكباكا) كغيره من أولاد القبائل المغضوب عليهم إلى بريطانيا ليندب كالنساء حكمًا لم يستطع المحافظة عليه كالرجال.

  • ملتون أوبوتي وإسرائيل:

     أصبح أوبوتي الآمر الناهي في أوغندا، وانتهى به مزاجه الاستبدادي إلى بلاد الرجل الواحد، والحزب الواحد، والفكر الواحد؛ أي إلى بلاد السوفيات، ولم لا؟ وذلك يوفر له -على الأقل- التبرير العلمي لتكميم الأفواه، والانفراد بحكم البلاد بلا حسيب ورقيب في بلاد وصفها صاحب المقدمة (ابن خلدون) بأن أهلها يحبون الطرب، والرقص، والغناء.

     ووصل ملتون في طغيانه أن إسرائيل ومن ورائها العالم الغربي حريصة على صداقته مهما أكثر من الأعلام الحمراء، ولم لا؟ وهو ربيب مؤسساتهم، شأنه شأن نيريري في الجمع بين الاشتراكية والصليبية.

     وأصل الود بين ملتون أوبوتي وإسرائيل قديم؛ حيث زار ملتون إسرائيل في عام (١٩٦٢م)، وردت غولدا مائير الزيارة بوصفها وزيرة خارجية لمدة ثلاثة أيام في عام (١٩٦٣م)، ومن بعدها جاء (ليفي أشكول) لمدة أربعة أيام، ثم أبا إيبان في عام (١٩٦٩م)، ولم يكتف ملتون بذلك، بل أخذ يرسل جنوده لإسرائيل للزيارة والتدريب.

ويا للعجب فقد كان من ضمن من أرسلهم (عيدي أمين) في عام (١٩٦٨م).

     وبالطبع فلم يكن احتفال إسرائيل بأوغندا إلا لأنها واحدة من مفاتيح المسألة الأفريقية، وعلى الأخص السودان الجنوبي، ويمكن أن تفهم على ضوء ذلك نشوء (الأنتانيا) في ظل علاقات الزواج غير المعلن بين أوبوتي وإسرائيل في عام (١٩٦٣م) تحت شعار «باستخدام القوة فقط سنحصل على الغيار». وسعت إسرائيل في مد الأتانيا بالأسلحة والمرتزقة؛ كي تعوق السودان من أداء أي دور في المسألة العربية، وخصوصًا بعد حرب (١٩٦٧م)، وتحطم الجبهة المصرية وغيرها، ولكن في عام (١٩٦٩م) تغير الموقف باستلام صغار ضباط الجيش للسلطة في تحالف مع الحزب الشيوعي وبقية ما يسمى بالطلائع التقدمية.

     وكان للداعية التقدمي في أوغندا ملتون أوبوتي أن يثبت تقدميته، وتعاطفه مع الوضع الجديد، وكانت حسنته التي عرفتها أفريقيا أن سلم لحكومة السودان (أشتانير) في أول (١٩٧١م)، فقامت عليه قيامة العالم الغربي، الذي كان سيد الموقف في أوغندا، وفي هذا الوقت كان (بارليف) صاحب خط بارليف على قناة السويس ملحقًا عسكريًا في أوغندا.

  • عيدي أمين يطرد أوبوتي: 

     وفي هذا الجو انتهز الشاب الذكي عيدي أمين الظروف، وقاد ما في يديه من عسكر وسلاح، كما يفعل نظائره في بلاد العالم الثالث، وأعلن من المذياع نهاية الفاصلة (الأبوتية) وبداية المقطوعة (الأمينية) في ٢٥ يناير (١٩٧١م)، وفي هذا الوقت كان أبوتي يجالس رجال الكومنولث في أحد مؤتمراتهم في سنغافورة.

  • عيدي أمين ونيريري: 

     استقبل العالم نبأ الإطاحة بملتون أوبوتي ما بين متهلل ومتوقف، باستثناء يوليوس نيريري الكاثوليكي المهووس وديكتاتور تنزانيا؛ إذ شعر بأن وجود حاكم مسلم ولو اسمًا بجواره سيهدد وجوده في تنزانيا التي ٩٥ بالمئة من سكانها من المسلمين، كما أن انبعاث حاكم مسلم ولو اسمًا يعيد قصة كابوس زنجيبار الآمنة الوادعة التي قضى عليها عبيد كرومي والماريشال (أوكيلو) بمباركة نيريري حيث اشتركوا في إبادة عرب الجزيرة المسلمين إبادة رهيبة.

سعى نيريري ومنذ البداية للإطاحة بعيدي أمين ونظامه باعتبار حركته مجرد تمرد في الجيش وليس انقلابًا كاملًا، ولا حتى ثورة. ووجد نيريري في سودان الثورة وصومال زياد بري استعدادًا وتجاوبًا لتحقيق مطمعه البعيد.. وزار إسرائيل مرتين في عام ١٩٧١م. وكانت المحاولة الأولى في بداية هذا العام، ولكن أفسدتها (كينيا) حينما رفضت أن تعامل ملتون أوبوتي كرئيس دولة، ومن ثم أبت أن تسمح له باستغلال أراضيها.

وجاءت الزيارة الثانية في منتصف ١٩٧٢م حيث تم تدريب المناوئين لأمين في جنوب السودان، ومن هناك لمنقلا ثم ملكال ثم بور سودان عبر البحر الأحمر فخليج عدن وتنزانيا عبر السفينة السودانية (كردفان) ولحقهم في دار السلام ملتون أوبوتي الذي كان نازلًا في ضيافة حكومة تنزانيا منذ رفضت كينيا استقباله. ولكن هذه الزيارة أيضًا لم يكن مصيرها بأحسن من سابقتها حيث أبيدت جمهرة المناوئين.

  • عيدي أمين والسودان

كان تقييم السياسة السودانية للظاهرة (الأمينية) مخطئًا وإلا لوجدت فيه السند لحل مشكلة الجنوب ويشفع له في ذلك أصله السوداني ودينه الإسلام. ولعل الكنيسة كانت أشد ذكاء ودهاء فقد علمت أن مشكلة جنوب السودان ستتغير حساباتها وعليها أن تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إذ أن:

  1. معظم أفراد (الأنانيا) انضموا إلى جنود عيدي أمين مما أضعف حركة المتمردين.
  2. سمعة الثورة الجنوبية أصبحت غير مشرفة بعد اكتشاف أصابع الكنيسة الغربية ومحاكمة (اشتانير)
  3. أمين لم يكن متحمسًا لأي حل كنسي للمسألة الجنوبية، وعليه ولأول مرة أبدت الأيادي الكنسية تجاوبًا في تفهم النظرة السودانية، فكانت لقاءات أديس أبابا ومؤتمر الإعاشة والتوطين بين ٢١ -٢٣ فبراير ١٩٧٢م ثم الحكم الذاتي في مارس ١٩٧٢م.
  • عيدي أمين يكتشف هويته

في هذه الفترة أخذ عيدي أمين يكتشف هويته فانتهى به الأمر إلى محاور المسلمين فزار طرابلس في ١٣ -٢ -١٩٧٢م ثم قام بطرد الآسيويين الذين يحملون جنسيات غير أوغندية وجوازات سفر بريطانية في نهاية عام ١٩٧٢م.

وابتداء من هذا الموقف قامت القيامة التي لم تقعد عليه حتى الآن فمن هو عيدي أمين.

من هو عيدي أمين؟

هو بالأصل من أهل النوبا السودانيين، ولد في (كوسكو) من قبيلة (الكاكاوا) وهي من أصل نوبي ينحدر أبناؤها من صلب الجنود السودانيين الذين جاءوا مع أمين باشا وصوموئيل بيكر واستوطنوا هناك.

ويتكلم عيدي أمين العربية الدارجة والإنجليزية والسواحلية والكاندا بالإضافة إلى لهجة الكاكاوا.

وتفجر إسلامه بعد قطع العلاقات مع إسرائيل عام ١٩٧٢م، ومنذ ذلك الوقت أخذت تصريحاته تتوالى لصالح القضية العربية والأمة الإسلامية.

ففي تصريح له في ١٠ يونيو ١٩٧٢م يقول: «على القادة الأفارقة والعرب أن يجلسوا معًا للتشاور فيما ينبغي عمله لتدمير الصهاينة في الشرق الأوسط». وفي تصريح آخر له قال: «لقد كان هتلر محقًا في أمر اليهود لأن اليهود لا يعملون لصالح العالم ولهذا فقد حرق اليهود أحياء في معسكرات الغاز في ألمانيا».

من الذي حارب ويحارب

  • عيدي أمين الآن؟

والآن فإن الجماعات التي تحارب عيدي أمين جماعات متباينة مختلفة منها الشيوعي مثل جماعات الكونغو برازافيل، وفيها الكنسي المهووس مثل جماعات نيريري، وفيها أصحاب الثارات لأسباب اقتصادية وسياسية مثل المطرودين من أصحاب الجوازات البريطانية.

ومهما قيل عن عيدي أمين وتصرفاته فيبقى شيء واحد، وهو أن سقوطه يعني أن العالم الإسلامي قد فقد دولة كانت تعد -على أية حال- إسلامية، وقد استبدل بها دولة شيوعية نصرانية.

وضياع أوغندا يعني أيضًا تبدد حلم قيام دولة إسلامية في أفريقيا يربط حزام شمال وغرب أفريقيا المسلم بشرقها المسلم، وبذلك يتكامل العقد ويزحف الإسلام لتكملة نموه الطبيعي في أفريقيا الجنوبية.

ولكنها الصليبية والاستعمار.. وبالطبع فمن الطبيعي أن يسقط نظام أكثر الدول تعاطفًا مع الحق العربي في أفريقيا مع اتفاقية السلام التي هي تقرير بأن كل أفريقيا ستتجه لإعادة علاقاتها مع إسرائيل واللبيب من الإشارة يفهم.

الرابط المختصر :