; الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام، للأستاذ العقاد، «الحلقة الأخيرة» | مجلة المجتمع

العنوان الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام، للأستاذ العقاد، «الحلقة الأخيرة»

الكاتب علي عبد العزيز

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1974

مشاهدات 76

نشر في العدد 226

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 19-نوفمبر-1974

الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام، للأستاذ العقاد، «الحلقة الأخيرة» كنا قد تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن الخطوط العريضة للمذهب، وعرض موجز لتنبؤاته، مع بعض الإشارات الخفيفة لتكذيبها، من واقع الحياة وحياة الناس، وانتهينا في الحلقة الأولى إلى أن هذا المذهب يُدرس لا على أنه دراسة عليمة يحسن تقصيها والاستفادة منها بل على أنه ظاهرة نفسية يجدر بنا أن ندرس صاحبها أولًا حتى يمكن أن نقف على حقيقة هذه الظاهرة التي تُعتبر غير صحية على الإطلاق، ثم عرضنا في الحلقة الثانية لـ «ماركس» ورأي حوار فيه ورأي أمه وأبيه وانتهينا إلى أنه مُعتل الفكرة سقيم النظرة لا يفتأ بين أن يهدم ما بناه ولا بين أن يفسد ما كسبت يداه، مثله بالضبط «كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثًا» والآن نتعرض إلى المذهب، وحقيقة وجوده وكيف استُنبط؟ ومدى قبوله في رأي العالمين وعدم قبوله «ليهلك مَن هلك عن بينة ويحي عن بينة» «وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله» 1- قانون التناقض: تقوم الماركسية على أساس مستعار من مذهب «هيجل» الفيلسوف الألماني صاحب «الثنائية» ولذلك يقول «لينين» «إن رأس المال لا معنى له بغير مذهب «هيجل» القائم على تطور النقائض» وأساس هذا المذهب هو أن الوجود الحق إنما هو الفكرة المطلقة وأن الفكرة أبدية قادرة على كل شيء ولكن بالقوة والقابلية فإذا أرادت أن تحقق كل شيء بالفعل فإنما سبيل ذلك أن تحققه في أطوار التاريخ، والفكرة تعرف كل شيء أيضًا بالقوة والقابلية ولكنها تتطور لتعرف نفسها بالفعل وتصل إلى أرفع أطوارها في وعي الإنسان؛ فنحن لا فنهم شيئًا من الأشياء بما عليه فقط بل نفهمه بما ليس عليه أيضًا كما يُقال: «وبضدها تتميز الأشياء» فالشيء الموجود ونصطلح على تسميته بـ«الفعل» يقابله نقيض ويتألف منهما معًا، وهناك موجود أكمل منهما لأنه يجمع مزايا الإثنين . ثم جاء «ماركس» فأبقى إطار المذهب وأفرغه من محتوياته ثم نقله من مذهب فكري بحت لا يرى في الكون سوى الفكرة إلى مذهب مادي بحت لا يرى شيئًا سوى المادة، وعلى هذا سُمي مذهبه «المادية الثنائية» وسمى قوانينها التغير المادي للتاريخ. ومن هنا جاء قانونه الذي صاغه بقوله «إن الضرورات المادية في المجتمع هي التي تحرك أدوار التاريخ، فيأتي كل دور منها بنقيض ما تقدمه ولا تزال تتعاقب نقيضًا ضد نقيض حتى يأتي الدور الأخير في المجتمع الإنساني فيخلو من التناقض ويستولي على المجتمع نظام واحد لا أضواء فيه...» وعلى هذا الأساس تنتقل نقائض التاريخ الإنساني من عصر المشاعية البدائية إلى عصر الرق إلى عصر الإقطاع إلى عصر البرجوازية، إلى عصر رأس المال الأخير، وهنا تنتهي النقائض لانتهاء عصر الاستغلال، وهذا ما يسميه «ماركس» بحرب الطبقات، وهذه هي النقائض المادية التي يعول عليها في تفسير التاريخ. في هذ العصر «عصر الانتهاء من النقائض؛ لانتهاء عصر الاستغلال» يؤول كل شيء إلى كل إنسان، فلا تجد مَن يملك ومَن لا يملك، ثم تصير البشرية آنذاك: «من كل أحد حسب قدرته إلى كل أحد حسب حاجته»؛ حتى لا تكون حكومات «وإن بقيت زمنًا يسيرًا حسبما تنتهي فترة الانتقال» ولا سيطرة ولا دلالة ولا نزاع ولا حروب على طول الآماد، وعلى حسب المادية الثنائية يموت كل دور من أدوار التاريخ بجراثيم الفناء التي تتولد في بنيته بطبيعة تكوينه، ولكنه لا يموت حتى يبلغ قصاراه من التمام فإذا تمت مقوماته جميعًا فآخر عهده بالتمام يكون أول عهده بالزوال. والحق الذي أحيانا حتى نرى أن أدوار الاستغلال المزعومة قد آلت جميعها إلى دور الاستغلال الأكبر وهو دور الصناعة الكبرى وهو استغلال «حسب قانون التناقض» يعيش بالقيمة الفائضة وينمو بالقيمة الفائضة ثم يموت بالقيمة الفائضة فما هذه هي القيمة الفائضة؟ ومن هنا ينادي «ماركس» نداءه المشهور: «اتحدوا يا صعاليك العالم فأمامكم عالم تغنمونه وليس عندكم من شيء تفقدونه غير القيود والأغلال» ويعلم «ماركس» قبل غيره أن العالم الذي يدعو الصعاليك إلى هدمه إنما يقوم على الأوطان والعقائد وآداب السلوك والعرف المتبع بين الناس إلى آخر ما هو معروف بين الآدميين في كل جيل وفي كل قبيل. ولكن نظرًا لأنه يعتبر كل هذه العقائد والآداب وسائر العلاقات بين الناس إنما هي وليدة النظم السياسية أنَّا كانت لحماية القائمين على مصادر الثروة ووسائل الإنتاج، بل كل فكرة تقوم في مجتمع إنساني فلا محل لها فيه إلا أن تكون حماية وعونا لذوي السلطان على دوام السلطان. نظرًا لهذا فإنه لا يتورَّع في إعلان الحرب على هذه المقومات وتلك المقدسات لأنها ليست من تقريراته ولا من تخريجاته وإن كانت مدعمة بكل أدوات المنطق وكل حقائق الحيثيات. إن أحوج ما تكون النظرية إلى الثبوت في مذهب «ماركس» أعظم ما يكون حظها من الوهن والتلفيق والمحال، ولقد قيل عن نظرية القيمة في مذهب «ماركس» أنها «كعب أشيل»، أو مقتل المذهب في جملته من النظرة الأولى إلى النظرة الأخيرة على الإطلاق. ففي علم الاقتصاد ذكر أن القيمة شيء غير الثمن وغير الكلفة وغير السعر، ولكن الفاصل بينهما لم يوجد بعد على حد قاطع لا خلاف عليه. وقد نجحت المشكلة مع الخطوط مع الأولى من خطوات البحث في علم الاقتصاد إذ لا معنى لعلم الاقتصاد إن لم يكن معناه أنه علم «التقويم» أو البحث في القيم وعواملها ومؤثراتها وأسباب التأثير فيها. وقصارى القول من الصحة إنه حيلة تفريقية أو معيار مفروض للقياس عليه مع الاستعداد للزيادة هنا والنقص هناك أو مع الاستعداد لافتراق المعايير كل الافتراق. وعلى هذا فإن قصر القيمة على تعريف واحد تحكم لا مبرر له على الإطلاق، فهناك من السلع ما يصنعها العامل في يوم ويصنعها عامل آخر في يومين، وهناك من العمال ما يكفيه صحفة من الفول لتوليد طاقة العمل في بنيته وقد يزامله عامل آخر لا تكفيه الصفحة أو لا يستطيــع هضمها ولا غنى له عن طعام غيرها في النوع والثمن، وقد يستطيـع عامل أن يزاول عمله في الشتــاء بلباس خفيف بسيط ولا يستطيع عامل آخر ذلك إلا بمضاعفة الدثار والاحتماء بالجدران. ومن ناحية أخرى قد تكون هناك أرض مخصبة تنبت الحبوب بقليل من العمل ولا تنبتها أرض أخرى مجدبة إلا بالعمل الشاق الكثير ومع ذلك لا نعرض الحبوب من صنف واحد إلا بثمن واحد مع اختلاف العمل في الإنبات والاخصاب. وأيضا الكتاب المقرر للتدريس في هذه السنة يباع بمائة فلس للطالب في المدرسة، ولكنه لا يشتريه بخمسة «فلوس» إذا تقرر كتاب غيره ومع ذلك لم ينقص العمل الذي بذل في تأليفه أو طبعه أو تحضيره ذرة من أحل ذلك التغيير...إلخ إذًا من الممكن وجود المغايرة في تحديد القيمة مع أمكان أضاف عوامل أخرى لخفض أو ارتفاع القيمة كطلب السلعة مثلًا يضاف إلى عملها فيعطيها القيمة التي تستحقها كحلية ينفق الصانع فيها شهورًا ثم يموت طالبها الذي أوصى على صنعها فلا تباع بعشر الثمن المتفق عليه، وهذا معيار كمعيار العمل يؤخذ بالتقريب ولا ضابط له على التحقيق. من أجل هذا الاضطراب في تعريف الضوابط التي تقوم بها الأشياء لا يبرح الباحثون الاقتصاديون يتنقلون من تعريف إلى استدراك ومن استدراك قديم إلى استدراك جديد... إلخ، ومن هنا نشأ الاختلاف بين تعريف القيمة الاسمية والقيمة التجارية والقيمة الذاتية والقيمة المقررة بالعمل والقيمة المقدرة بقوة العمل وحتى الآن لم ينحسم هذا الخلاف كل الحسم بتعريف من التعريفات. ومن هنا جاءت هذه التعريفات كأصول قابلة للاستدراك فقد قيل: إن القيمة غير الكلفة وأن الكلفة بحساب العمل شيء وبحساب الإنتاج شيء آخر وغير ذلك أشتات من التعريفات، إذًا فالذي يقول: إن هناك تعريفًا منها حاسم لا استدراك عليه فهو جاهل بما يقول أو دَعِيٌّ يكذب في تطاوله ودعواه. والنتيجة التي نخلص إليها من هذا العرض الموجز لفائض القيمة: أن السلعة لا تستمد قيمتها كلها من عمل الصانع وأن عمل الصانع قد يزداد وتقل قيمة سلعته مع خلل الإدارة وأنه قد ينقص وتزيد قيمة السلعة مع حسن الإدارة...إلخ إذًا فليست القيمة مستمدة من عمل الصانع فحسب بل مستمدة من اعتبارات أخرى كالإدارة والطلب وما شابه ذلك من تعريفات سبقت الإشارة إلى بعضها من أقوال العالمين. 2- الأديان والأوطان: الدين في رأس «ماركس» عن «هيجل» إنه؟؟؟؟ المخلوق المضطهد وشعور، بالدنيا التي لا قلب لها، ثم يقول هو نفسه : « وأنه أفيون الشعوب وإنه الأفيون الذي يخدر الشعوب لتسهل سرقتها، وإن الدين وسيلة الإخضاع الروحي كما كانت الدولة وسيلة الاخضاع »، وهـذا رأيه الخاص الذي أكده في كلامه حروب فرنسا الداخلية، ويتفق « مارکس و انجلز» في الرد على « وهرنج » كما قال ألا «ينشأ الدين قبل أن تنتهج الوسيلة التي يكسب بها الإنسان معيشته، وإن الإنسان يواجه الطبيعة مبادئه وفي تلك الحالة فتقف أمامه الطبيعة قوة غلابة غامضة يعبد منها ما يدركه، وما الدين إلا انعكاس القوى الظاهرية التي تسيطر على معيشة الانسان اليومية، ويقول «ماركس»: إن المسيحية تقرظ الجبن واحتقار الناس وإذلالها، وتحبد الخضوع...؟؟؟ وكل صفات الكلب الطريد، وإن أصحاب المصالح قد استغلوا المسيحية كلما وجدوا لهم مصلحة في استغلالها فجعلوها دين الدولة، ثم جاء البرجوازيون في ألمانيا فأبدعوا «البروتستانتية» ولم يستفيدوا منها لضعفهم فاستفاد الملوك لأنها منعت عنهم سلطان الكنيسة، ثم يقول: «والدين جملة هو الغذاء، خادع للضعفاء لأنه يدعوهم إلى احتمال المظالم ولا يزيلها» هذا عن الدين أما عن الوطن فالماديون يرون أن الدين والوطنية أحبولة أخرى من أحابيل الاستغلال، ولا مصدر لهما غير الوسائل الاقتصادية أو وسائل الانتاج التي يستولي عليها طبقة بعد أخرى ثم يزولان بعد زوال الطبقات. ففي البيان المشترك يقول الصاحبان: «ان الشيوعيين يخالفون هيئات العمال الأخرى بما ؟؟؟؟؟ 1- إنهم في المعارك الوطنية؟؟؟ البلاد المختلفة يبرزون علانية ؟؟؟؟ إلى مصلحة الصعاليك البرولتارية العامة جملة واحدة بمعزل عن القوميات جميعًا. 2- إنهم خلال التطورات التي تمر بها الحركة العمالية ضد البرجوازيين يمثلون على الدوام وفي؟؟؟؟؟ مكان تلك الحركات في مجموعها . 3- إن العمال لا وطن لهم وإننا نستطيع أن نأخذ منهم ما ليس لنا. ●ذلك هو لباب الفكرة «الماركسية» عن أصل الدين والوطن ثم لهم في كل فكرة من هذا القبيل تتمة يلحقونها بها مؤداها أن العقيدة الوطنية أو الدينية تنشئ لها تركيبة «عليا» من الشعائر والمراسم تعمل في الظاهر مستقلة عن وسائل الإنتاج ولكنها مشتقة منها ومتوقفة عليها، ودينهم المفهوم في تعليل جميع العقائد الوطنية أو الدينية أنهم متى وصلوا إلى وسائل الإنتاج أخذوا كل حالة اقتصادية تصادفهم فجعلوها سببًا للعقيدة التي تعاصرها. وقلما يعنيهم أن يذكروا أن النظم الاقتصادية متكررة ومشتركة بين جميع الأمم منذ عصر الرق إلى عصر البرجوازية ثم الصناعة الكبرى، فكيف يشترك النظام الواحد في تعليل الوطنية التي تُعَلِّم الناس الكفاح والأَنَفَة في تعليل الدين الذي يقولون عنه إنه يعلمهم الجبن والضعة وكيف نعلل بنظام الرق مثلًا ديانة توصي بإحراق الجسد وديانة أخرى توصي بتحنيطه؟ وكيف يسفر الرق في «اسبرطة» عن الجندية والقانون ويسفر في أثينا عن الحكمة والفنون؟ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46) ●هذا عن الوطن أما عن الدين فلو كان لـ «ماركس» نصيب من خيال التشبيه لما خطر له أن يشبهه بالمخدرات إذ كانت الأديان -وما زالت- تقوم على الإيمان بالجزاء ثوابًا كان أم عقابًا، وأن من بنوده الأساسية أن يحاسب الإنسان نفسه قبل أن يحاسب سرًّا كان أم علانية، ثم تُحَتِّم عليه تعاليم دينه ألا يكون بذيئًا أو فحاشًا بل على العكس نبيلًا مهذبًا عاف الذيل واللسان. هذه الآداب نقيضه تمامًا لحالة السكر والدارس القليل من المنطق يعلم أن النقيضين لا يجتمعان؛ إذ إن أول ما يسقطه السكر عن المخمور شعوره بالتبعة وشعوره بالاحترام. ومن عجز الخيال أن يختار «ماركس» للدين تشبيها لا يصدق على دين من الأديان كما يصدق على عقيدة الشيوعية لأنها أول ما تسقط عن ذويها هي التبعة والشعــــــــــور بالاحترام. إن خلاصة القول عند الماركسيين هو أن الدين والأخلاق، والوطن والآداب والفلسفة، والزواج، والعلم والفن وغير ذلك من مسميات كلها تنحصر في شيء واحد ونتيجة لشيء واحد ومصدرها شيء واحد... إلخ ألا وهو وسائل الإنتاج فهي الأول والآخِر والظاهر والباطن وهي على كل شيء قدير: وصدق الله إذ يقول: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام:33).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

122

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4