العنوان المسلمون في إثيوبيا بين المنجل والمطرقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987
مشاهدات 73
نشر في العدد 829
نشر في الصفحة 26
السبت 01-أغسطس-1987
يختلف وضع المسلمين في العاصمة عن وضع المسلمين في المناطق البعيدة عن عمق الإمبراطورية الحبشيَّة كما أسلفته آنفًا وخاصة في المناطق الأورومية الإسلامية، وعندما يرى الزائر أو يسمع عن المسلمين في العاصمة يظهر له في أول وهلة أنهم في وضع لا بأس به وخاصة من يزور مسجد أنور الموجود في وسط العاصمة حيث تؤدَّى فيه الصلوات، وتلقى فيه الدروس الدينية، ويستطيعون أداء شعائرهم بحُرِّيَّة محدودة، وكذلك من يرى المدرسة -الأولية- الوحيدة التي تعمل في أديس أبابا التي أبقى عليها سياسة، ولكن الوضع الحقيقي ليس على هذا الظاهر الذي يظهر في أديس أبابا، والمسلمون في العاصمة قد عجزوا عن الحصول على الاعتراف الرسمي لقيام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومنذ قيام هذه الحكومة التي مرَّ عليها عشرة أعوام يطالب المسلمون بالاعتراف، وكان جواب الحكومة الرفض الصامت أو التهديد غير المعلن، إن لم يتخلوا عن هذا الطلب، وليس لأي زائر من الدول العربية والإسلامية أن يخرج من العاصمة حتى لا يرى حالة المسلمين، وحتى المسلمون في العاصمة مع أنهم مواطنون ليس لهم حرية التنقُّل لتفقُّد أحوال إخوانهم المسلمين في المناطق الإسلامية المجاورة للعاصمة، وهذا شيء لا يستطيع أحد أن ينكره.
ومن المأساة في داخل المناطق الإسلامية وخاصة هرر وبالي استيلاء السلطات المحلية على المدارس الإسلامية التي أسسها الدعاة التابعون لإدارات البحوث العلمية بالرياض وحولوها إلى مدارس حكومية يدرَّس فيها مبادئ الماركسية بعد أن طردوا المدرسين الإسلاميين.
والمطلوب من العالم الإسلامي هيئات وحكومات ومنظمات وأفراد أن يكونوا على علم لما يجري في إثيوبيا لإخوانهم المسلمين ويقفوا معهم في هذه المحنة.
- أحداث أليمة:
من أهم الأحداث الأليمة التي يعانيها المسلمون في إثيوبيا وخاصة شعب أورومو على يد السلطات الشيوعية في أديس أبابا يتلخص فيها أن المسلمين في إثيوبيا يعيشون حياة لم يعرفوها قط في تاريخهم الطويل والدين الإسلامي يُضْطَهد، والمسلمون يحارَبُون ويُقْتَلون ويُشَرَّدون وتُصَادَرُ أموالهم بسبب أو بدون سبب، ويُذَل الشعب بقوة السلاح ويقتل العلماء وطلاب العلم والمفكرون الذين تعتز بهم الأمة الإسلامية كل ذلك أصبح شيئًا معروفًا وقد زُجَّ بعضهم في غياهب السجون، ثم يعذبون بالجوع أحيانًا والضرب الشديد تارة، ويتم إلقاؤهم في الماء المثلج تارة أخرى، وإحراق أطراف الأعضاء بالكهرباء، وجميع أنواع التعذيب.
والذي يجري حاليًا في إثيوبيا من محاربة الإسلام اقتصاديًّا واجتماعيًّا وعقيديًّا أصبح مما لم يشهده أي شعب آخر في تاريخ القرن العشرين، ومعلوم أن الحكومات الإثيوبية المتتابعة حاربت الإسلام بلا هوادة وبلا رحمة، ولكن مع ذلك ما زال الإسلام بخير ففي آخر عهد هيلاسلاسي بدأ الإسلام يظهر بروحه السامية حيث بدأ التعليم الإسلامي ينتشر في كل أنحاء البلاد.
وعندما جاءت الحكومة الشيوعية ظهرت صحوة إسلامية خاصة من شعب أورومو الذي يُشَكِّل الأغلبية الساحقة من سكان إثيوبيا أكثر من أي وقت مضَى فخافت الحكومة على مستقبل الأمهريين من أن يفلت زمام السلطة من أيديهم وبعد دراسة وتفكير أدركت أنها لا تستطيع تغطية الحقائق في ظل النصرانية القديمة، ومن هنا رأت ضرورة فرض النظام الماركسي على شعب أورومو الذي يدين بالإسلام، فلم تجد الحكومة الأمهرية بُدًّا من إدخال الإلحاد لتحمِي نفسها، وليتسنَّى لها سحق الإسلام والمسلمين في وقت قصير، ولذلك نرى أنها تطبق الأنظمة الشيوعية تمامًا في المناطق الإسلامية مثل: عروسي، وبالي، وهرر، وولو، وجما.
وشهدت هذه المناطق حربًا سافرة لم تشهدها المناطق المسيحية، وتسعى السلطات الشيوعية جادة لسحق الإسلام واستئصال شَأفَتِهِ لو استطاعت من جذوره، وغرس الإلحاد مَحَلّه، واستطاعت أن تحقق غرضها في خلال عشرة أعوام الماضية بعض الشيء، ولكن صمود الشعب الأورومي المسلم الذي يناضل ضد الشيوعية رافعًا شعار لا إله إلا الله، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ومعتمدًا على الله سبحانه وتعالى وحده في جهاده أفشل للحكومة الماركسية كثيرًا من خططها العدوانية ضد الإسلام والمسلمين.
- خطة تصفية الإسلام
إن أخطر عمل تقوم به الحكومة الشيوعية الحالية في إثيوبيا هو محاولة محو الإسلام عن الوجود حتى أعلنت في بعض القُرَى منع الصلاة إلا للعجزة بحجة أنه لا يجوز التوقف عن العمل لأداء الصلوات.
وقد حدثني أحد العلماء الذين وصلوا إلى هرجيسا العاصمة الثانية لجمهورية الصومال أنه ذات مرة ضربه جندي ماركسي وهو في الصلاة استنكارًا من الماركسي لماذا يصلِّي في وقت العمل وبعد الصلاة قام الشيخ فضرب الجندي بحديدة في رأسه فكادت تقوم فتنة بين المسلمين وأتباع الماركسيين مما جعل الشيخ يخرج ليلًا هاربًا بنفسه وبمن تيسر له من أسرته إلى أن وصل الصومال -هرجيسا- وهذا موقف ما كان يتوقع أن يحصل في منطقة هرر التي عاشت قرونًا في الإسلام، هذه واحدة من الوقائع المريرة المعادية للمسلمين.
وتعلن الحكومة في وسائل إعلامها أن الإسلام يجب تركه لأنه من البضائع القديمة التي انقرضت وانقرض عهدها، وفات وقتها وأعلنت الماركسية أفضل نظام لإنقاذ المجتمع ومن هنا تركز في جميع وسائل الإعلام من إذاعة وتلفاز وصحافة على بث الماركسية، وأنشأت العديد من المعاهد لتعليم العقيدة الماركسية وأرسلت أكثر من 50 ألف شاب إلى روسيا، و20 ألف إلى ألمانيا الشرقية، و15 ألف إلى كوبا لفرض الشيوعية على الشعب بعد عودة هؤلاء، ومع هذا التمهيد أعلنت تدريجيًّا إجبار المسلمين على اعتناق الماركسية وإظهار رضاهم عن هذا النظام، وأصبح تربية الجيل الناشئ عليها شغلها الشاغل وأي شخص لا يستجيب لمبادئها يكون مُعَرَّضًا للإعدام.
- معاناة المسلمين:
مما يعانيه المسلمون في إثيوبيا إجبار المزارعين على التَّجَمُّع في مكان واحد بعد أن هدمت بيوتهم لقصد القضاء على الملكية الفردية، وبعد مصادرة ممتلكات الشعب من البساتين والمزارع والمواشي وأصبح الشخص لا يستطيع التصرف في ماله لأن المال للحكومة، وخير شاهد على ذلك ما حدث قبل شهرين في قرى منطقة هرر أن رجلًا من المزارعين أحس في أولاده الجوع فبدأ الأولاد يبكون فلم يستطع أن يملك نفسه فأخذ يحلب بقرته فألقي القبض عليه بحجة أنه اعتدى على الأموال العامة فقتل في الحال رميًا بالرصاص وتحدثت عن هذه الحادثة بعض وكالات الأنباء العالمية.
وهدم المساجد في الريف، حيث هدمت السلطات المساجد التي يذكر فيها اسم الله وحولت بعضها إلى مستودعات وبعضها إلى سجون وبعضها إلى دوائر وقبل أن تهدم المساجد منعت السلطات بإقامة الصلوات فيها بدعوى أن الاجتماع فيها وسيلة وسبب للفرار من العمل وأي شخص يلاحظ منه التردد إلى المساجد يكون مُعرَّضًا للسجن والتعذيب الأمر الذي أدى بالكثير من المسلمين للهجرة إلى الدول المجاورة.
كذلك قَتْل العلماء وطلاب العلم، وزَجُّ بعضهم في السجون، وإرغام الآخرين على ترك الدراسة والتدريس.
إن ما يواجهه المسلمون تحت ضغط الحكومة الماركسية كان يختلف جدًّا عما سبق في عهد هيلا سيلاسي الراحل فبينما كانت الحكومة السابقة تعمل ضد الإسلام والمسلمين بهدوء وصمت، فإن الحكومة الحالية حريصة على هدر حقوق المسلمين جهارًا وعلنًا بغية القضاء على روح الإسلام.
ولما بلغت المآسي الغاية القصوى اضطر المسلمون على ترك وطنهم والهجرة فرارًا بدينهم وأرواحهم وأطفالهم ونسائهم بعد أن هدمت منازلهم وسلبت أموالهم وأصبحت المساجد أنقاضًا وأطلالًا، وبعد أن قُتل من قُتل على أيدي الحكومة الجائرة التي تركت بصمات الجرائم على شعب أورومو المسلم ويزيد عدد الذين يدخلون الصومال يوميًّا أكثر من 1000 شخص حسب تقديرات حكومة الصومال، أما شباب اللاجئين الأوروميين فقد فقدوا الدراسة وفقدوا الحياة بعد أن خرجوا هاربين من الشيوعية ودخلوا في أحضان الكنائس العالمية، واضطر عدد هائل من الشباب وحتى بعض أصحاب الأسر على الهجرة إلى الدول الأوروبية بمساعدة منظمات تبشيرية، وذهب عدد منهم إلى الفاتيكان حيث فتح معسكر تبشيري ضخم لقبول اللاجئين الذين فقدوا الملجأ ومع الأسف الشديد بدأوا يفقدون عقيدتهم الإسلامية أيضًا مع الأيام فلا حول ولا قوة إلا بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل