; العبادة المفقودة | مجلة المجتمع

العنوان العبادة المفقودة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1983

مشاهدات 151

نشر في العدد 617

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-أبريل-1983

الناس في العادة يبحثون عما هو مفقود، إن كان في الأعماق غاصوا له وإن كان في التراب نقَّبوا عنه، لا لشيء إلا لعلمهم أنهم يحققون سبقًا أو يكتشفون غاليًا أو ينالون كسبًا.. وكل إنسان يبحث عن مراده وغايته وكما قيل: «همك على قدر ما أهمك.. خواطرك من جنس همك» فإن كان الناس يبحثون في الأعماق عن اللؤلؤ والمرجان، وفي التراب عن معدن الذهب والماس الثمينين، فإن الدعاة من أهل الحركة والجهاد يبحثون عن الثواب والأجر وما يثقل الميزان.. وعلى ذلك ستكون هذه السطور أصابع بحث وتنقيب عن أصل يربط عباد الرحمن ويوثق عرى الإيمان ويجمع على الحق قلوب أهل الإسلام ويغيظ أهل الأهواء من أتباع الشيطان.. إنه «أصل الإخاء في الله» فالأخوة في الله تعالى عبادة عظيمة تأتي مكانتها من كونها القاعدة الملازمة للإيمان في البناء الإسلامي فهي التي تعطيه القوة والصلابة والحيوية التي من خلالها يستطيع أصحاب هذا البناء أن يؤدوا دورهم في الحياة البشرية.. ولكونها كذلك رباطًا بين الماضي والمستقبل قال تعالى﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: ١٠).

الأخوة عبادة:

الناظر في صفحات الشريعة يرى أن الله سبحانه قد ذكر لنا في تشريعه العبادات والأجر المترتب عليها لكي تتحرك النفوس لامتثالها والإسراع إليها فنجد الشرع عن جزاء الصيام «الصوم لي وأنا أجزي به»، ونرى في ثواب الحج «من حج ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه) ومن الجمعة «الجمعة للجمعة كفارة لما بينهما»(1) وهكذا في عبادتنا التي نتحدث عنها «الأخوة» نرى الأجر العظيم المترتب عليها:

١- هي السبيل إلى ظل الله الذي لا ظل إلا ظله ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه».

٢سبيل إلى الإيمان ودخول الجنة:

 ففي حديث مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا».

٣طريق إلى علو المكان في الآخرة:

 ففي حديث الترمذي الذي قال عنه حسن صحيح من حديث معاذ رضي الله عنه قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» وهم على منابر عالية لأنهم قد استعلوا على أهوائهم وحظوظ أنفسهم في الدنيا، استعلوا على كل طاغوت وباطل.. 

1.       أصل الحديث «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ» (أخرجه مسلم).

 فكان الجزاء من جنس العمل أن جعلهم الله في منابر عالية... وكذلك وصف المنابر بأنها من نور وفي رواية «من ياقوت» لأنهم ساروا على نور الله في الدنيا، على الطريق المستقيم الذي لا يحيد عنه إلا هالك.

٤- الثمن لحلاوة الإيمان:

ففي الحديث المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله...».

٥الطريق إلى محبة الله سبحانه:

ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: «فإني رسول الله إليك أخبرك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه».

هذه بعض الآثار المترتبة على الأخوة في الدنيا والآخرة وهي نصوص واضحة في منطوقها بينة في مفهومها لا تحتمل تأويلًا... فهل يعجز بعد ذلك المسلمون عن التشمير لها والسعي لتحقيقها، هذا من حيث الثمار المجنية من شجرة الأخوة، أما من حيث الأجر المترتب عليها فسنأخذه من مقوم بعض النصوص الواردة في الكلام الرباني والهدى الإلهي..

في الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفًا».

فهذه المباعدة المنصوص عليها بمنطوق الحديث نتيجة صبره يومًا من الفجر إلى المغرب عن شهوة فَرجه وبطنه فكيف بمن يصبر نفسه طوال حياته مع إخوانه مضحيًا بذلك لكثير من الجاه والمال مُعَرِّضًا حياته لتساؤلات كثيرة من قبل من لا يرضون لمسلم أن يلتقي مع مسلم تحت طاعة الله.. فالأخوة بلا شك تحتاج إلى صبر ومصابرة ومجاهدة وتواصٍ وتنادٍ، فالأمر ليس سفرًا قاصدًا، ولا نزهة قصيرة ولا جلسة بسيطة، بل هو طريق تجذب السائر فيه زينة الحياة الدنيا، وترهبه سطوة من أعماه الله واتَّبع هواه.. لهذا الأمر كان الخطاب موجهًا ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثَم إلى المسلمين.. فيقول الله عز وجل في سورة الكهف﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨).

وكذلك ما ورد بشأن الاعتكاف وأنه من اعتكف يومًا في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق.. فهذا حبس للنفس عن الخروج من محيط المسجد من صلاة الفجر إلى المغرب كان هذا الأجر العظيم، فكيف بمن يحبس نفسه مع إخوانه على طاعة الله والعمل في سبيله؟!

وهذه العبادة المفقودة فيها حقوق متبادلة بين الطرفين نذكر منها:

١- الدعاء المتبادل بين المتحابين في الله شعارهم بذلك قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥١).

٢- اجتناب سوء الظن﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).

وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (أخرجه مسلم).

٣- ترك الغيبة قال تعالى﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ (الحجرات: ١٢).

وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» وفي حديث المعراج الذي رواه أبوداود عظة.. فيا للعجب من دعاة يدرسون مثل هذه الأحاديث ويسمعونها من إخوانهم ثم تراهم بعد ذلك في مجالسهم وأحاديثهم ليس لهم هم إلا النهش في لحوم إخوانهم الذين معهم في درب الدعوة والأخوة، فأي قلوب هذه التي تنتهك ما حرم الله ثم تبرر ذلك بمصلحة الدعوة، وتنقية الصف وبيان الحق إلى غير ذلك من درجات التبرير، ثم تتوجه بقاعدة «تعال نغتب في الله ساعة» على وزن تعال نعبد الله ساعة!

ألا فلينته أولئك من نهشهم للحوم إخوانهم او ليسلطن الله عليهم عدوهم ويفرق شملهم ويجعل بأسهم بينهم شديدًا ويظفر بهم الشيطان كما ظفر بإخوة يوسف ونزع بينهم.

٤- هجر السخرية والاحتقار والهمز واللمز والتنابز.. 

قال تعالى﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (الهمزة: ١).

وقال﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (الحجرات: ١١).

وفي هذا أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «بحسب امرئ من الشر يحقر أخاه المسلم».

هذه بعض من الحقوق المتبادلة بين الإخوان مع بعضهم البعض، وهي السبيل إلى تماسك الإخوان مع بعضهم البعض وشد بعضهم لبعض وهي نعمة من الله تعالى يمنُّها الله على عباده ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (القصص: ٣٥). ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ١٠٣).

أمور يغفل عنها الإخوان مع بعضهم بعضا.. الأخوة في الله ممارسة يومية حياتية تتعلق بالإنسان العائش، فهي ليست أمورًا مجردة تكون في الذهن يتحدث بها الخطباء، ويحلم بها الضعفاء بل هي لاصقة وناتجة من الواقع المعيش لذلك الأخ يمارس الأخوة سلبًا وإيجابًا فيما يحدث به نفسه وبما تعبر به عينه وما ينطق به لسانه وما يخط به قلمه.. فهي صبر النفس بمعناها الشامل الواسع.. ولهذه الشمولية الواقعية تحصل ممارسات خاطئة من قِبل الإخوان بعضهم مع بعض هي مع إحسان الظن «احمل أمر أخيك على أحسنه». لا تعدو أن تكون زلَّات تابعة للطبيعة البشرية المحفوفة بالجهل والضعف..

  • وسأذكر هنا بعضًا منها سائلًا المولى عز وجل أن يحفظنا من الوقوع فيها:

١- الحسد: هذا الداء العظيم الفتكِ بالرباط الأخوي ينساب في النفوس البشرية في لحظات الغفلة الإيمانية كما ينساب الماء في أغصان الشجر، فإن لم ينتبه إليه المسلم ويقطع دابره فسيكون سُمًّا زعافًا يفتك بالجسم الإخواني فيُرْدِيهِ مريضًا هزيلًا أو قتيلًا صريعًا.. وكيف لا وقد فتك بإخوة الصلب﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة: ٣٠).

وعندما تتحطم الأخوة، وينفك الرباط سيدب العجز بالنفس من إعادة صرح الإيمان والأخوة، وسيتدخل الشيطان قاذفًا بالوهن حتى يصبح صاحب الحسد أعجز من الغراب ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: ٣١).

وعندما يسقط الأخ في شراك وحبائل الحسد سيسهل عليه في هذه اللحظة الانضمام إلى حزب المثبطين والمشككين من الحاسدين الذي يظنون أنهم لو أقسموا على الله لأبرهم، وهم الساقطون من الحاسدين الذين يقولون هلم إلينا ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ١٨).

فإن لم يرجع إلى الله هذا الساقط ويتعظ أصابه الندم، ويتذكر موقفه بين يدي الله فيستمر حتى يسقط في الهاوية ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٢).

وللحسد أسباب كثيرة لا يسعنا أن نذكرها كلها ولكن سنعرج على أمر نفسي داخل في الطبيعة البشرية وهو الغيرة من إطراء الناس للإنسان الصالح، فعلى سبيل المثال برز أخ من الإخوان بالخطابة أو الكتابة أو من أي وجاهة من الوجاهات الاجتماعية أو الارتقاء في أي درج من السلم الوظيفي أو يكون مدار إعجاب ومديح المجتمع إلى غير ذلك من صور الظهور الاجتماعي.. فالأصل من الإنسان أن يفرح لِمَا وصل إليه أخوه من مكانة لأن في ذلك رفعة للإسلام الذي يحمله ويتمثل به.. ولكن الشيطان يغيظه ذلك ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: ٥٣). فيحدثه: على أي شيء يظهر هذا؟ ولماذا هذا الاطراء له من قِبَل المجتمع؟ ألستَ خيرًا منه؟ فأنت أكثر منه علمًا وأفصح لسانًا، وقلمك تسيل منه الكلمات وقلمه تضطرب فيه الحروف.. إلى غير ذلك، وقد يكون هذا صحيحًا ولكن هذه هي سنَّة الحياة وكل إنسان له قدرة، وصدق من قال:

إذا رفع الزمان مكان شخص

وكنت به أحق وإن تباعد

أنله حق رتبته تجده

ينيلك إن تقارب أو تباعد

ولا تقل للذي تدريه فيه

تكن رجلًا عن الحسنى تباعد

وكم في العرس أبهى من عروس

ولكن للعروس الدهر ساعد

فمن لوازم الإيمان ستر الأخ لأخيه وتلمس الأعذار له وشكر المحامد التي هي له وقد قال عيسى عليه السلام للحواريين: «كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائمًا وقد كشفت الريح ثوبه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه. قال: بل تكشفون عورته! قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟! قال أحدكم يسمع بالكلمة عن أخيه فيزيد عليها وينشرها بأعظم منها».

وترى الكريم إذا تعزم وصله

يُخفي القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تقضَّى وصْلُه

يخفي الجميل ويظهر البُهتانَا

والأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضًا النطق بالمحاسن، لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، لذلك قال عمر رضي الله عنه: «ثلاث يصنعن ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه».

المماراة والمنافسة:

إن من أشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة، وهذه غير التقاطع، فإن التقاطع يقع أولًا بالآراء ثم الأقوال ثم الأبدان.. وهذه في الغالب تكون من منطلقات دنيوية.. وفي قصة يوسف عليه السلام عِبرة قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: ٥).

القطيعة والتحامل القلبي:

الأصل في علاقة المسلم مع أخيه العفو والتسامح لأن الله تعالى الذي يعبدونه يتصف بصفات الكمال التي منها العفو والكرم، قال تعالى﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ (النساء: ١٤٩).

ولقوله سبحانه في قصة الإفك وما صدر من مسطح﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢).

 ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا». وعند غياب هذا الأصل العظيم تقع القطيعة ويفرح بذلك المبطلون ويضحك الشيطان فرحًا وسرورًا، والقطيعة قد تكون بالظاهر وقد تكون بالباطن، وقد تكون بالظاهر والباطن، وأشدها ما كان بالباطن دون الظاهر، وهذه من الأمراض الحزبية الأرضية التي بدأت تزحف على المتآخين من أصحاب الدعوة إلى الله، فهو يضحك له من جهة ويغتابه من وراء ظهره وهو يمسح على ظهره ويربت على كتفه ليدفعه على وجهه!

وقبل الختام لا بد من ذِكر بعض الأخطاء التي تمارس خطأ تحت شعار الأخوة:

اختلاط الرجال بالنساء:

من الأمور التي يقع فيها القليل من المتآخين في الله سبحانه هو اختلاط الأزواج والزوجات في مجلس واحد يتبادلون الحديث ويتناقشون في أمورهم الدينية والدنيوية، فزوجة هذا تطرح ما عندها وما في جعبتها وزوج تلك يقوم بمناقشتها والرد عليها، وهكذا مع طول اللقاءات واستمرارها يخدش الحياء الذي هو السَّمت الحقيقي الذي يميز المرأة المسلمة الملتزمة عن غيرها وتصل النتيجة إلى ما يحدثني بعض ممن نثق بدينه أنه هناك في بعض الجامعات العربية تتحدث الفتاة المتحجبة مع زميلها في الكافتيريا وتطلب له القهوة وتصافحه وتضحك معه وكأنها تتحدث مع زميلة لها في حجرة خاصة بها.. فماذا بقي بعد ذلك للمرأة؟

ولله در القائل:

لا تأمنن على النساء ولو أخًا

ما في النساء على الرجال أمين

إن الأمين وإن تحفظ جهده

لابُدَّ أن بنظرة سيخون

وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما في قصة امرأة ثابت بن قيس -التي سماها البخاري رحمه الله «جميلة»- عبرة، حيث إنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس (وهو خزرجي أنصاري شهد أحدًا وما بعدها وهو من أعيان الصحابة رضوان الله عليهم) ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام (أي أكره من الإقامة عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر والمراد ما يضاد الإسلام من النشوز وبغض الزوج) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة».

يا سبحان الله! صحابي ومن أهل أحد ومن المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك تطلب منه الخُلع وترجع له حديقة نخل، فلابد أن هناك علة وسببًا لهذا الطلب إنه الشاهد من سياق هذا الحديث في هذا العنوان ففي رواية عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا».

هذه صحابية وفي مجتمع النبوة وفي خير القرون باتفاق الجميع فكيف بنساء اليوم اللاتي لا يعرفن في غالب أحوالهن إلا معانٍ وعواطف عامة عن الإسلام والحجاب ليس لهن في الأصالة والتكوين شيء يذكر.. ألا فلينتبه كذلك الأزواج الذين يتركون زوجاتهم ينظرن إلى التلفاز وما فيه من عرض لصور الممثلين والمذيعين والمغنين بكامل زينتهم.. فكما أن الرجل يتأثر بالنظر إلى النساء، فكذلك النساء في نظرهن للرجال.. والقصص التي تحدث في مجتمعاتنا من جراء ذلك لا تخفى على أحد وإنما نترفع عن ذكرها لما فيها من خدش للحسِّ الإسلامي، والناظر في منهج الله يجد أن الخطاب بغض البصر موجه للمؤمنين والمؤمنات ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: ٣٠-٣١).

وإنما كان التركيز على الرجال دون النساء للطبيعة «الفسيولوجية» كما يقول علماء النفس، ولخاصيَّة الحياء التي تمتاز بها المرأة المسلمة عن غيرها من بنات جنسها علاوة على الرجال -كما نقول نحن المسلمين.

أخذ الأخ ما يختص بأخيه من غير إذنه:

تحت شعار: لا تكون صادقًا في أخوتك حتى لا تجد في نفسك شيئًا على أخيك، وهو يضع يده في جيبك ويأخذ ما يريد.. تحت ضغط هذه العبارة التي تتعامل مع العاطفة بعيدًا عن ضوابط النصوص تنتهك حقوق الناس وتضيع أحكام الشرع العظيم.. فينسى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» صحيح ص. ج. ص ٧٥٣٩- وغيره مما هو في معناه.. وهذه قضية دقيقة يتساهل فيها الكثير، ولعله يخرج من هذا ما لا تقوم به همة الناس عادة -كاستعمال دباسة للورق أو أخذ وردة من حديقته...إلخ، وكذلك ما تم الاتفاق على استعماله من قبل الطرفين فيكون إذنًا مُسْبقًا وقد عيَّن الإمام حسن البنا رحمه الله مراتب الأخوة بكلمة جامعة فقال: «وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاه مرتبة الإيثار» وإنما يكون الإيثار إذا كان عن طيب نفس منه لا أن يأخذ استحياء أو خلسة وهذا لا يعنى وجود التكلفة بين الإخوان بل تمام التخفيف من قِبل الأخ على نفسه أن يطوي بساط التكليف، وقد بيَّن ذلك الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك فقال: «شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار» ثم قال نسله من بعده جعفر الصادق رضي الله عنه: «أثقل إخواني عليّ مَن يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفُّهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي».

تجريح الإخوان بعضهم لبعض:

إن طول العهد بالأخوة والتقاء الوجوه نفسها مع بعضها البعض مع تقاربهم في عمر الرباط الأخوي مع أهميته وفائدته إلا أنه محفوف بآفات كما قال ابن القيم رحمه الله منها: «أ- تزيين بعضهم لبعض. ب- الكلام والخلط أكثر من الحاجة، ج- أنْ يصير ذلك عادة وشهوة ينقطع بها عن المقصود» وهذه بمجموعها تؤدي بغياب الرقيب الإيماني في حالة الانطمار الانتمائي إلى التجريح والتشريح بالحركات الإسلامية وقياداتها، وهذه طبيعة بشرية تنمو عند من لم يشغل نفسه بالحركة والدعوة والتجميع وتكثير الأنصار فيهتم بتجميع الأخطاء والمثالب والعيوب ومن من الناس من يخلو من العيوب؟! ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (التوبة: ٣٩).

 وأهم علاج لهذه الظاهرة التي تفتك بروح الأخوة من حيث لا يشعر أصحابها، ألَّا يكثر أصحاب القدم الانتمائي من جلوسهم مع بعضهم البعض بل يشغلون أنفسهم مع النبت الجديد الذي أتى يطلب اللقاء والتربية والتكوين.. ومن هؤلاء لا يجد الأخ المؤمن رغبة في نفسه في الحديث معهم عن مشاكل الدعوة وأصحابها لأن واعِزَ الإيمان في نفسه يمنعه من أن يشوِّش عليهم صفائهم، ولأنهم لا يحسنون مشاركته في الحديث وتركيب النقد والانتقاص، ولكونهم قدموا للدعوة والحركة لا للهدم والمنقصة.

المجاملة بين الإخوان وعدم المناصحة:

قال بعض الحكماء: «ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد» لذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» وذلك علاجًا لمن يظنه البعض أن المناصحة وبيان الخطأ للأخ قد يخدش الود الذي بينهما ناسيًا أن تألف القلوب قضية ربانية تأتي على قدر استقامة المسلم على منهج الله سبحانه ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ١٠٣).

كما أن الغضب عند خطأ الأخ وخصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بأمر الدعوة لله سبحانه وعموم صالح المسلمين ظاهرة صحية ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ (الأعراف: ١٥٠).

لأن ذلك الغضب علامة على الاهتمام بأمر المؤمنين «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وإن دل هذا فإنما يدل على إيجابية الأخ تجاه إخوانه وإلا بإمكانه أن يأخذ بقاعدة أهل السلب «مَنْ صَمَتَ نجا» فينجو من نقد إخوانه ومن تحامُلهم عليه، وجرح صفائه عندهم، ولكنه يكون بذلك قد أخلف عهد الأخوة «والنصح لكل مسلم» وأعطى لنفسه العنان بأن يكون الحقد كما ذكرنا من قول الحكماء «ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد».

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نذكر بأهمية الإخاء في الله فيما قاله بعض السلف عن الأخ الصالح: أهله يقتسمون ميراثه ويتنعمون بما خلف، وأخوه في الله منفرد بحزنه مهتم بما قدم وما صار إليه، ويدعو له في ظلمة الليل، وهو تحت أطباق الثرى.

ملاحظة: من قرأ المقال وأحس أن فيه نفعًا لا ينساني بالدعاء، كما أن في طيَّات المقال بيانًا لما يربطني بإخواني من الحب والصفاء، لا كما فهم البعض من المقالات الثلاث التي نشرتها في المجتمع في شهر فبراير من هذه السَّنَة، فما كان الدافع فيها إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 14

122

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4

نشر في العدد 28

165

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟