; د. عزت عبد العظيم - استشاري الطب النفسي: تراجع القيم الدينية.. السبب الرئيس للاضطرابات النفسية | مجلة المجتمع

العنوان د. عزت عبد العظيم - استشاري الطب النفسي: تراجع القيم الدينية.. السبب الرئيس للاضطرابات النفسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1584

نشر في الصفحة 62

السبت 10-يناير-2004

من الصعب الوصول لمرحلة الاستقرار النفسي التام.. لكنا نحاول بقدر المستطاع الوصول لدرجة النفس المطمئنة.

التكافل الاجتماعي والعمل الخيري والترابط الأسري.. أمور تعطي الإحساس بالأمان والراحة النفسية

لا حرج في اللجوء إلى الطبيب النفسي. والمسؤولية الاجتماعية ضرورة للوقاية

مع تزايد الضغوط الحياتية والسرعة الهائلة في إيقاع العصر الحديث، يسقط الكثيرون فريسة للتوتر والقلق والاضطرابات النفسية، حتى باتت الراحة النفسية غاية الجميع، لكن هل حقًا يوجد ما يسمى بالراحة النفسية وما سبل الوصول إليها والحصول عليها، وهل ثمة ما يمكن من خلاله ضمان استمرار الشعور بالراحة النفسية والسعادة؟.. وغيرها من التساؤلات التي يجيب عنها الدكتور عزت عبد العظيم استشاري الأمراض النفسية بمستشفى الحمادي بالرياض وأستاذ الطب النفسي بالجامعات المصرية من خلال هذا الحوار:

● ما مفهوم الراحة النفسية؟

o الراحة النفسية -من وجهة نظر الطب النفسي -تعني خلو الإنسان من الاضطراب أو المرض النفسي، أي أنه في حالة اتزان وانسجام وراحة نفسية وعقلية ولا يعاني أو يشكو من أي مشكلات نفسية أو عقلية سواء كان هو شخصيًّا، أو الأشخاص الذين يتعاملون معه في محيط الأسرة، والأصدقاء والعمل والمجتمع عمومًا، وعدم معاناة الإنسان أو المحيطين به يعني الاستقرار والاتزان والراحة النفسية.

الراحة النفسية كمفهوم عام، والإحساس بالاستقرار النفسي من وجهة نظر عامة الناس أمر 

نسبي يختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، بل إنه يختلف لدى الشخص نفسه مع اختلاف ظروفه ومراحل حياته من الطفولة وحتى الشيخوخة، ولهذا فالراحة النفسية والانسجام النفسي والسعادة من الأمور النسبية، فهي تختلف بين الرجل والمرأة وبين المتعلم والأمي، وبين الغني والفقير، وحتى في مراحل الطفولة والشيخوخة للشخص نفسه فقد يجد الإنسان السعادة في طفولته والراحة النفسية في اللعب واللهو وأكل الحلوى والحب والدفء الأسري، أما في مرحلة الشيخوخة فقد يجد راحته النفسية في التقرب إلى الله والعبادة والذكر وفعل الخير.

● لكن ما العوامل التي تؤثر في الراحة والاستقرار النفسي للإنسان؟

○ لأن الراحة النفسية للإنسان من الأمور النسبية، حيث تتدخل فيها عوامل كثيرة سواء كانت خارجية أو داخلية، فإنه من الوارد أن تؤثر هذه العوامل على حالة الاستقرار النفسي بصورة إيجابية أو سلبية، فقد تجعل الإنسان في حالة استقرار واتزان وراحة نفسية أو على النقيض، تجعله في حالة معاناة وتعاسة وعدم استقرار وشقاء نفسي.

● ما المقصود بالعوامل الخارجية؟

○ مجموعة من المؤثرات الخارجية الاجتماعية التي تؤثر على عامة الناس في محيط البيئة أو المجتمع الصغير الذي يعيش فيه الإنسان، والتي قد تساعد على حالة الراحة والاستقرار النفسي، أو تؤدي للضغوط النفسية والمعاناة وعدم الراحة النفسية مثل الأمن والعدل الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والاستقرار والرخاء الاقتصادي وتوافر الخدمات الأساسية من صحة وتعليم بصورة حضارية وكذلك التكافل الاجتماعي، ومؤسسات العمل الخيري التي تشمل وتعين الطبقات البائسة والمحرومة، فكل هذه الأمور تدفع الكبت والحرمان والقهر والظلم وتعطي الإحساس بالأمان والراحة النفسية لأي إنسان داخل المجتمع، وكذلك أيضًا الترابط الاجتماعي والأسري بين الأهل والأصدقاء والجيران، حيث تسود أجواء الحب والألفة والتأخي والتفاهم والمودة ومكارم الأخلاق وكل العواطف الإنسانية الاجتماعية والسلوكيات الحضارية الإيجابية والطيبة التي تغمر الإنسان وتشعره بالراحة والاستقرار النفسي.

● وماذا عن العوامل الداخلية؟

○ هي مجموعة من العوامل التي تخص كل إنسان على حدة تتحكم في مدى استقراره النفسي، وهي تختلف وتتفاوت وتحكمها أمور متنوعة منها عوامل الوراثة أو التربية في الطفولة - التي تبني صفات وملامح شخصية كل فرد بصورة مختلفة، ومن ثم فإن الاستقرار النفسي بعد ذلك يعتمد على تأكيد الذات وبلورة ملامح وصفات الشخصية لأي إنسان، وبالتالي مدى تحقيق الطموحات والآمال ونجاح أي إنسان في تحقيق ذاته وإثبات وجوده في الحياة، والوصول لأهدافه وأمانيه والعمل على إرضاء الذات وتحقيق معظم الرغبات المشروعة الشعورية واللاشعورية به، وكذلك مدى مرونة وسلاسة التعامل مع أفراد المجتمع من خلال منظومة القيم والمبادئ والعواطف الصادقة

النبيلة، وكذلك نجاح الإنسان في علاقاته الاجتماعية مع الناس وعلاقته الخاصة مع ربط ومدى رسوخ القيم والمبادئ الإيمانية والأخلاقية

● ما علامات الراحة والاستقرار النفسي من وجهة النظر المتخصصة؟ 

○ عندما يكون الإنسان في راحة واستقرار نفسي يتوافر لديه إحساس بالرضا والانسجام مع النفس ومع الآخرين، أي أنه يشعر بالصفا مع نفسه بعيدًا عن العقد النفسية والصراعات الداخلية التي تنعكس على الحالة النفسية للشخص وما تؤدي إليه من اضطرابات نفسية وسلوكية تلقي آثارها على الشخص ذاته أو تنعكس على الآخرين، مع العلم أن طبائع النفس البشرية التي فطرها الله سبحانه وتعالى يصعب عليها الوصول لحالة من الاستقرار النفسي التام، لأن الكمال لله وحده سبحانه وتعالى، لكننا نحاول - قدر المستطاع - أن نصل إلى درجة النفس المطمئنة التي يغمرها الإيمان الصادق والتي يقول الخالق سبحانه وتعالى في حقها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر:27-30). 

● وهل تختلف معايير الراحة النفسية من شخص لآخر؟

○ المعايير والاختلافات الشخصية للراحة النفسية تتحكم فيها عوامل خاصة بكل شخص على حدة، مثل العمل ونوع الجنس وطبيعة الشخصية وما إلى ذلك من الاختلافات النسبية، التي تعتمد على طبيعة الشخصية وما يفعله الشخص لكي يحقق دوافعه ويصل لإشباع رغباته الغريزية أو تحقيق أهداف سامية، فمثلًا هناك نوعيات من البشر تجد الراحة النفسية والمتعة واللذة في إشباع رغبات وغرائز الأكل والجنس، والتمتع بجمع الأموال أو إنجاب الأبناء وهناك نماذج أخرى من الناس تجد الراحة والسعادة في النجاح العملي والعلمي والوصول للمناصب المرموقة أو تحقيق الذات في المجتمع وربما تحقيق أهداف سامية ونبيلة للآخرين، أو لخدمة المجتمع أو الإنسانية، وهناك من تجد الراحة والمتعة في عدم تحمل المسؤولية واللهو واللعب والرحلات والسهر وما إلى ذلك، وقد نجد عكس ذلك عند الشخصيات الانطوائية، حيث الابتعاد عن الناس هو متعتهم وراحتهم وسعادتهم يفضلون الدخول في عالم الخيال وأحلام اليقظة، وربما تجد الشخصيات الوسواسية راحتها وسعادتها في النظام والنظافة والدقة والالتزام في أنماط مقننة ودقيقة تحكم شؤون حياتهم، وهناك نماذج أخرى كثيرة للشخصية كل يجد راحته بالطريقة التي تتلاءم وتناسب طبيعة ومتطلبات صفات هذه الشخصية لكي يعيش في راحة واستقرار مع النفس.

● ما أوضح أسباب الاضطراب وغياب الراحة النفسية؟

○ هناك أسباب عديدة تؤدي للاضطراب وعدم الاستقرار النفسي، ويمكن تقسيمها لثلاث مجموعات أساسية:

أولًا: أسباب مهيئة: وهي تساعد على حدوث الاضطراب النفسي، حيث تؤدي الضغوط والصراعات والرواسب لحدوث المرض النفسي، إذا كان الشخص لديه استعداد لذلك، ومن ذلك ضغوط وصراعات الحياة والتكنولوجيا والحضارة الحديثة، حيث تزداد صراعات ومتطلبات الحياة التي تمنع الهدوء وراحة البال وتشعل الصراع وما يصيب الإنسان من قلق وخوف وتوتر دائم مع ضعف الروابط الاجتماعية والإنسانية الحقيقية، وهناك أيضًا مشكلات سوء التربية في الطفولة والعوامل المادية والاجتماعية والأسرية السيئة واضطراب العلاقة الزوجية وكذلك مشكلة البطالة وصراعات العمل أو مشكلة العنوسة وصعوبات الزواج وما إلى ذلك. وهناك أيضًا العامل الوراثي وهو من أهم أسباب الاستعداد لحدوث الاضطراب النفسي لدى الشخص والذي يزيد احتمالات حدوث المرض النفسي في العائلات المهيئة وراثيًّا لهذا المرض.

ثانيًا: الأسباب المؤدية أو المرسبة للمرض النفسي: وهي التي تؤدي بصورة مباشرة لحدوث الاضطراب النفسي مثل التعرض للصدمات والهزات الاجتماعية أو المادية أو الأسرية المباشرة والتي تزلزل الاستقرار النفسي لأي إنسان وتؤدي لحدوث المرض النفسي مثل الطلاق، أو التعرض لحادث يؤدي للوفاة أو موت أحد الأقارب وكذلك الخسارة المادية المفاجئة أو الكبيرة أو حتى مكسب مادي فجائي، وربما الفصل أو التقاعد من العمل وكذلك أيضًا التعرض لمواقف امتهان وإذلال للكرامة أو الذات، وما إلى ذلك من هذه الصدمات النفسية التي تجعل الإنسان ينهار ويضطرب نفسيًّا. 

ثالثًا: الأسباب التي تؤدي لاستمرار الاضطراب والمعاناة النفسية: مثل استمرار الأسباب السابقة من مشكلات وضغوط اجتماعية أو مادية أو أسرية، وصعوبة أو عدم التعامل معها بطريقة صحيحة، وكذلك أيضًا عدم علاج المشكلات والاضطرابات، النفسية بصورة صحيحة مثل اللجوء للدجالين والمشعوذين لإيجاد العلاج النفسي لديهم بصورة خاطئة والتي غالبًا لا تفيد.

● وما كيفية الوقاية من الاضطراب النفسي، وهل يمكن ذلك؟

○ الوقاية دائمًا خير من العلاج ولابد أن نعرف السبل المفيدة في وقايتنا من المشكلات والصراعات النفسية والتي تجعلنا في راحة نفسية بعيدًا عن دوامة المرض النفسي، وسبل الوقاية تنقسم إلى قسمين بناء على الدور المطلوب. 

أولًا: دور الدولة والمجتمع، وهو دور بالغ الأهمية وركيزة أساسية من ركائز الاستقرار النفسي في أي مجتمع، وينعكس على الصحة النفسية العامة لأفراده، فكما تقوم الدولة بالتطعيم ضد الأمراض المعدية للوقاية منها، فعليها العمل على وقاية الناس أيضًا من الصراعات والمشكلات النفسية، وهذا يتطلب توفير حياة آمنة كريمة ومستقرة للناس تتوافر فيها أساسيات الحياة الكريمة ماديًّا واجتماعيًّا وإنشاء المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية لخدمة أبنائها، والعمل على منع الكوارث، وحل مشكلات المواطنين على أسس وضوابط وعدل، وكذلك برامج التوعية والتثقيف النفسي للوقاية من الانحرافات السلوكية والنفسية كباقي التوعيات الطبية الأخرى مثل أسس التربية الصحيحة، والأساليب السلوكية الإيجابية، ونبذ السلوكيات والانحرافات النفسية الشاذة كالمخدرات والعنف والجريمة والجنس مع عدم إغفال دور المجتمع الأهلي إذ إن زيادة الترابط والتألف والتأخي بين الناس، والوقوف جنبًا إلى جنب، وخصوصًا في أوقات الشدة والأزمات والضغوط والاجتماعية يمنع أي شخص من الانهيار النفسي.

● وهل ثمة مسؤولية يتحملها الإنسان لتجنب الاضطراب النفسي؟

○ الدور الشخصي من أهم الأدوار في الوقاية، والذي يعتمد فيه الشخص على نفسه في تقوية وتحصين نفسيته حتى يظل بمنأى عن المرض النفسي من خلال تقوية وتنمية بعض الصفات التي تجعله يتحمل الضغوط والمشكلات النفسية دون أن يضطرب نفسيًّا. وبالتالي يظل في راحة نفسية. ومن أهم الصفات التي تقي الإنسان من الصراع النفسي التحلي بالجوانب الإيمانية والروحانية من خلال الرضا بالقضاء والقدر، والصبر على الشدائد وعدم اليأس من رحمة الله والتقوى والقناعة والاستقامة، وذكر الله، وقد ورد في ذلك آيات كثيرة، وحثنا عليها المولى عز وجل وكذلك الرسول الكريم ﷺ، ثم حسن الخلق وسعة الأفق والسماحة والرفق والمرونة والبشاشة في التعامل مع الآخرين، والتي تزرع المودة والمحبة بين الناس، وتبعد الإنسان عن المشكلات والخلافات التي هي مصدر التوتر والصراع النفسي.

أضف إلى ذلك القناعة والعطف والكرم والعطاء والتفاؤل، والبعد عن الحسد والغل والحقد والكراهية للناس والتحلي بقدر من الحكمة والفطنة والاعتدال في أمور الحياة كافة.

وأنصح كل إنسان تعرض للضغوط النفسية باللجوء إلى الله قبل أي شيء ثم أخذ الرأي والمشورة المخلصة من الأهل أو الأصدقاء أو رجال الحكمة والدين أو حتى اللجوء للطبيب النفسي والذي قد يكون أقدر على حل المشكلات النفسية المعقدة والتي قد تؤدي للصراع وعدم الاستقرار، والمرض النفسي، وبالتالي اجتياز الأزمات النفسية دون معاناة ولا يوجد أدنى حرج في الذهاب إلى الطبيب النفسي فالنفس تمرض مثلها مثل الجسد.

● ما آخر الكلام في الراحة النفسية؟

○ آخر وأهم كلام في الراحة النفسية هو الجانب الإيماني، وتذكر الآيات القرآنية التي تنير لنا معالم الجانب النفسي للإنسان عموما، وهي أهم من كلام الأطباء والفلاسفة، حيث يقول المولى عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس:7-10). وكذلك أيضًا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق:2)، وقال أيضًا: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)، ويقول كذلك: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:5-6)، وأخيرًا وليس آخرًا وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ (فصلت:30)، ونتمنى أن نكون من أصحاب النفوس المطمئنة إن شاء الله، لننعم بالراحة والسعادة في الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

110

الثلاثاء 25-أبريل-1972

ربيع الخير والضياء

نشر في العدد 98

135

الثلاثاء 02-مايو-1972

أكثر من موضوع (98)