العنوان سرقة الجهاد.. ظاهرة اقتطاف الثمرة من الحركات الإسلامية
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993
مشاهدات 70
نشر في العدد 1061
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 10-أغسطس-1993
سرقة الجهاد.. ظاهرة اقتطاف الثمرة من الحركات الإسلامية
لا ينازع أحد في أصالة الإسلام في هذه الأمة وحب شعوبها له وصلتها
به، ولكن الغفلة في هذه الأمة هي التي صيرتها إلى ما هي عليه الآن؛ لأن الإيمان
بالمبدأ والتقدير له لا يكفي لعصمة الإنسان عن الخطأ فيه أو الانحراف عنه أو
المساومة عليه أو الخديعة بغيره.
وقد كثرت العثرات
والأخطاء والتجارب في حياة هذه الأمة، ولكنها كثيرًا لا تتعظ ولا تستفيد من هذه
الأحداث، ولا ينجع في عقول كثير منها بليغ نصح ولا نذير خطب، ولا يعولون على شاهد
نقل أو دليل عقل، تنزل القوارع بالمسلمين وهم في خوض يلعبون، ويقرأ عليهم الدهر
سورة الغاشية فلا يتدبرون ولا يسمعون، وهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين: ﴿لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ
يَذَّكَّرُونَ﴾ (التوبة: 126).
كلما ظهر فيها دجال
كاذب اتبعوه وفتشوا في نصوص القرآن والحديث ما يقنعهم بأنه مجدد الدين للمسلمين،
فيا حسرة على هذه الأمة كم يستغفلها المجرمون ويخدعها المنافقون: ﴿هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ
قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ﴾ (المنافقون: 4).
إن هذه الأمة لم
تتحرر من ربقة الاستعمار العسكري المادي والثقافي إلا من خلال صلابة المقاومة
الإسلامية التي تمثلت في محاور عدة كان أهمها: المحور الجهادي، ومن خلاله نتذكر أن
بداية ثورات التحرر العربية والإسلامية كانت على يد علماء عاملين مخلصين؛ فمن خلص
الأمة المصرية من نابليون حينما وطئت أقدامه أرض الكنانة إلا أمثال الشيخ عبدالله
الشرقاوي والشيخ محمد السادات والشيخ محمد كريم والشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف وروح
حركة المقاومة ومدير ثورتها ضد كليبر الفرنسي.
وكانت ثورة عرابي
إسلامية المنطلق وكان مستشاره الشيخ محمد عبده والشيخ عبدالله النديم، وكذا مصطفى
كامل باعث الحركة الوطنية للمقاومة ضد الإنجليز، ولكن من ورثها غير عتاة الإجرام
وسفاكي الدماء من لصوص الاشتراكية.. سرقوا هذا الجهاد من الأيدي المتوضئة التي
جاهدت في فلسطين وعادت لتحمي الوطن من العدوان الثلاثي في حرب القناة، لتقبع في
سجون ومعتقلات الطور والواحات وتحل بنا الهزائم والنكبات.
وهذه الجزائر التي قاد ثورتها
العلماء أمثال الأمير عبدالقادر والبشير الإبراهيمي والشيخ عبدالحميد بن باديس
الذي أنشأ جيلًا كان هتافه:
شعب الجزائر مسلم وإلى العـروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله
أو قال: مات فقد
كذب
أم رام إدمـاجـًا
لـه رام
المحال من الطلب
من كان يبغي ودنا فعلى الكرامة
والرحب
أو كان يبغى ذلنا فله المهانة
والعطب
فإذا هلكتُ فصَيـحَتي
تحيا الجزائر
والعرب
رحم الله
هؤلاء فقد طووا صفحة الاندماج والفرنسة وعادت الجزائر بعد مائة وثلاثين سنة من
الاحتلال، ولكن من قطف الثمرة إلا الزعماء البائسون الزائفون؟ ولكن هذا الغليان
الذي تشهده الجزائر اليوم إنما هو رد الاعتبار لهذا الدين الممتحن، وحينما نذكر
مثل أولئك المجاهدين نتذكر عبدالكريم الخطابي في المغرب، وعبدالعزيز الثعالبي في
تونس، ومحمد أحمد المهدي في السودان، ومحمد عبدالله حسن الملا في الصومال، وعمر
المختار في ليبيا، وبدر الدين الحسني وعلي الدقر ويوسف العظمة في سوريا، وعزالدين
القسام وعبدالقادر الحسيني في فلسطين.
حتى مؤسسي
حركة فتح كانوا من الإسلاميين ومنطلقها كان إسلاميًا ثم سرقه الانتهازيون، وهكذا
تسرب المتسلقون والمتعلقون من خلال مراكز القوى وسيطروا على الجيوش وأسسوا الأحزاب
السرية واستفادوا من صراع الأقليات والديانات المختلفة وتملكوا زمام الموقف ومفتاح
الحكم في البلاد، واستولت السياسة العلمانية والقومية العربية والاتجاهات
الاشتراكية على أوضاع كل بلد استيلاءً كاملًا، واستسلم أبناء الإسلام وحملة الفكر
الإسلامي للواقع.
وضاق مجال
النشاط على العاملين للإسلام وعلى الدعاة للفكرة الإسلامية، فغادر عدد كبير منهم
هذه البلاد وتشردوا في الأمصار الأوروبية والعربية حفاظًا على أرواحهم وحقنًا
لدمائهم، وحرمت هذه الأقطار المسلمة -والتي كانت تعتبر حصنًا وملاذًا للعلوم
الدينية والفكر الإسلامي- أجلّ علمائها وكتابها وأدبائها وأقدر قادتها العسكريين،
واعتقل زعماؤها السياسيون، وأعدم علماء الدين واستولت عصابات من الشباب المغرورين
على مقدرات البلاد.
فخرب الاقتصاد، وتدهورت الأحوال وتفاقمت الديون، وطغت العلمانية
والإلحاد على العقول والأفكار ونشأ جيل ممسوخ الأخلاق بلا هوية ولا تاريخ.
وفي ظني أن من
أسباب سرقة جهاد المسلمين هو سذاجة بعضهم وغفلتهم عن خطط أعدائهم وكيد المنافقين
منهم، ولاختلافهم على اقتسام الغنائم بعدما اجتمعوا على ذات الشوكة والجهاد، أو
لأنهم كانوا يحسنون المقاومة والصبر عليها ولا يحسنون إدارة البلاد، فإن انتقلوا
من الثكنات إلى الدور والقصور اختلفت عليهم الأمور، ولافتقاد الكثير منهم للرؤية
السياسية وتقدير المواقف، ومعرفتهم بأساليب وألاعيب الخصوم، ثم عزلة الحركة
الإسلامية عن الشعوب وهموم الأمة التي تثقل كاهلها ومشاكلها الاجتماعية
والاقتصادية التي تضغط عليها، أو التعاون في بناء القوة الرادعة التي تحفظ أمن
وأمان المسلمين عند حدوث الملمات: ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ
تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ
مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ
أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: 102).
ثم افتقارهم
إلى الدراسات والمعلومات التي تبنى عليها المواقف والتحركات الصحيحة فلا يشعرون
بشيء إلا بعد وقوعه ثم ردود الفعل غير المتزنة بعده.. والعزلة عن القوى الإسلامية
رجالًا ومؤسسات بحيث توظف طاقاتهم وتحشد في إطار واحد ومشروع متكامل بدلًا من
تناحرها واختلافها.
فالأمة بحاجة للحركة الإسلامية،
والحركة بحاجة إلى الأمة لأنها ولدت من رحمها، فالتجزيء والتفكيك لقوى الأمة
بالآراء المتطرفة والانعزالية لا تعود عليها إلا بالضرر والفشل وذهاب الريح. ثم
فتح مجالات الحوار مع جميع طبقات المجتمع حتى يعرف الناس رسالة الدعوة ويدركوا
طبيعتها ومراميها وحتى لا يكونوا عونًا لأعدائها عليها.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل