; انتخابات في فم الأسد..هل تفلج؟! | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات في فم الأسد..هل تفلج؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1924

نشر في الصفحة 37

السبت 23-أكتوبر-2010

يُفترض أن تكون الانتخابات في أي أمة نزيهة ونظيفة؛ لتعكس رأي الأمة وإرادتها في اختيار نوّابها، الذين يحملون الأمانة، ويسهرون على مصالحها، ويقودونها إلى التقدم والفلاح؛ ولهذا تحتاط الشعوب وتتخذ الخطوات اللازمة لذلك، لتمنع الغش والتزوير، والتسلط والقهر والتلاعب فتحارب الرشوة واستغلال النفوذ والضغوط على الضعفاء وذوي الحاجة... إلخ ومن هذه الخطوات التي تتخذ لذلك؛ اختيار حكومة محايدة لتجري الانتخابات، وتنظمها تحت رقابة قضاء عادل ولجان من ذوي النزاهة والحيدة، وقد تحتاط الأمم فتطلب مراقبين دوليين لذلك؛ ضمانا لسمعة البلد وشهادة على الشفافية والنزاهة المطلقة في اختيار وكلاء عن الشعب لحكمه وريادته، وبهذا تكون الشعوب قد شاركت في المسيرة وتحملت الأمانة، وساندت القرارات التي ربما تكون صعبة ومصيرية.

 أما أن تكون هناك انتخابات ولا ضمانات أو خطوات تمنع التلاعب، أو التعدي والتزوير أو استغلال السلطات، فإنها ستكون لعبا في فم الأسد، ولا حيلة للشعوب إلا أن تسير في فم الأسد، نعم، قد ضعف الأسد ولكنه يملك من الأنياب والمخالب ما يستطيع به أن يطيح بمن يشاء، وقد تساهل الأسد قليلًا ليأمن من في السيرك على أنفسهم، ولكن ذلك يكون في مساحة معينة لا تمس حماه أو تتعدى على غروره، ودكتاتوريات العالم الثالث كلها على هذا المنوال، تتجمل بالمساحيق وتتظاهر بالمودة والصدق، وهي بشعة كذوبة، وهذه الأسود المفترسة تكون أسودًا على شعوبها فقط، أما على أعدائها فهي قطط، وفئران.. وصدق القائل:

 أســد عـلـي وفـي الحــــروب نعامة         فتخاء تنفر من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة بالورى            بل كان قلبك في جناحي طائر 

وأمتنا الإسلامية صادفت في عصورها النحسات هذا الصنف البغيض الذي نبذه الناس، وقال فيه القائل أيام نكبة الأندلس:

مما يزهدنا في أرض أندلس          ألقاب معتصم فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها         كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

 وتُجرى الانتخابات في وطننا العربي تحت وعود بالحيدة والنزاهة وعدم السماح بالتجاوزات، ولا نريد أن تكون وعود «عرقوب»، بعد ما سمعناه من غرائب عن تجاوزات مدعومة ببركات الأمن ومشمولة بنفحات السلطة الرؤوم، وقد سارت ركبان الجرائد والمواقع بفيوضات كثير من الفضائح الفجة، فنسمع من يقول وينشر في وسائل الإعلام يتبارى مرشحو الدولة في الإنفاق المالي لشراء أصوات الناخبين عن طريق الرشاوى. هذا، وقد لجأت السلطات وأتباعها إلى وسائلها المعروفة لخدمة أنصارها وأتباعها وسيطرتها على الساحة بالرغبة أو الرهبة، وكان من أساليبها ما يلي: 

۱- استغلال رجال الأعمال لإفساد الإعلام كما أفسدوا السياسة والحياة المالية والاجتماعية، والاستعانة بأموالهم في فعل الكثير لصالح السلطة، لتظل السلطة بعيدة عن الشبهات والاتهامات، وقد كان من نتاج ذلك في الأيام الأخيرة وأد جريدة الدستور، وإقالة الصحفي المعارض «إبراهيم عيسى» من رئاستها على يد الملياردير «السيد البدوي» رئيس حزب «الوفد» بعد فترة وجيزة من شرائه لحصة في الجريدة ثم بعد أن تم المراد ، قام ببيع حصته فيها، لينفي الشبهة عن نفسه، ثم صاحب هذا وقف محررين وصحفيين ومقدمي برامج مثل: عمرو أديب وعلاء صادق، وعلاء الأسواني، وقبل ذلك حمدي قنديل، ومجدي حسين.

 والقيام بغلق القنوات الفضائية المعارضة بحجج واهية أو بغير حجة، وكثير منها من القنوات الدينية، مثل قناة «الناس»، و«الحافظ»، و«الصحة والجمال»، وذلك خشية الفضائح الإعلامية عن التزوير الانتخابي الذي يُعد له ويقوم على قدم وساق، بأساليب فجة تمحو من ذاكرة الناس ما يسمى بالديمقراطية.

وهذه الأساليب التي فضحها القرآن في أسلوب الفراعنة القدماء ما زالت هي ﴿هي قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُريكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرِّشَادِ (٢٩) ﴾ (غافر: ٢٩)، أَخْرِجُوا آلَ لُوط مَن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٦) ﴾ (النمل: ٦ )، وكما قال المولى سبحانه لرسوله الكريم: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الماكرين  ﴾ (الأنفال: ٣٠).

٢-الاستعانة بالبلطجية كما يتبارون في الاستعانة بالبلطجية لتأديب منافسيهم، وقد رفعوا أجر البلطجي إلى ۱۰۰ جنيه يوميًا، مقابل تنفيذه للأعمال المكلف بها من ضرب المرشحين الآخرين وتمزيق لافتاتهم، وقد استعان بعض المرشحين ببلطجية من المحافظات الأخرى ممن تنطبق عليهم صفات القوة وضخامة الجسد والتشرد والوقاحة.

٣-هذا وقد بلغت تكاليف الانتخابات حسب تقدير الخبراء إلى ٨٦ مليون دولار، ومن تقاليع انتخابات ۲۰۰٥م قيام أحد المرشحين في إحدى دوائر وسط القاهرة بشراء تذاكر المباريات كرة القدم بمبلغ ٦ ملايين جنيه وتوزيعها على الناخبين.

وقام مرشح آخر وهو تاجر كبير بتنظيم رحلة عمرة مجانية لحوالي ٣٠٠ شخص من أبناء دائرته تكلفت وحدها حوالي أكثر من مليون جنيه، كما قام مرشح في إحدى دوائر جنوب القاهرة، وهو صاحب شركة استثمارية بتوزيع سلع معمرة وغسالات وثلاجات وبوتاجازات وتلفزيونات على أهالي دائرته.

وظهرت صيحة جديدة، وهي اتفاق بعض المرشحين مع مطربين شعبيين مشهورين على تقديم أغان خاصة لهم بمناسبة الترشيح ووصل سعر بعض المطربين الشعبيين في بورصة الانتخابات إلى حوالي ١٠٠ ألف جنيه.

٤-وعلى جانب آخر، صعد رجال الأعمال المرشحون على قوائم الحزب الوطني من إنفاقهم على شراء أصوات الفقراء، حتى وصل ثمن الصوت الواحد إلى ١٠٠٠ جنيه، بالإضافة إلى هدايا عينية أخرى، وقالت مصادر بنكية: إن عددا من مرشحي الوطني لجؤوا إلى البنوك بضمانات معينة لإغراق سوق الانتخابات بالأموال التي تنفق على جلب الأصوات.

وعلى هذا، فماذا يفعل الشرفاء الذين لا يملكون إلا قوتهم وشرفهم وعلمهم وعقولهم أمام هذا الطوفان الذي يفسد الذمم ويتاجر بمستقبل الأمة ومقدراتها ؟ وماذا يفعل المحترمون أمام هذا السعار والتدخلات حتى بالبلطجية والمسجلين الخطرين الذين تصطفيهم الدولة وتسلطهم على شرفاء الأمة وخيرة أبنائها وصفوة مثقفيها ؟ بل ماذا يفعل المسالمون والمحبون لبلدهم أمام إرهاب الدولة وأموالها ومقدراتها المستغلة لصالح من تريد ؟ بل ماذا تفعل الطاقات الحيوية أمام هذا الأسد الذي فغر فاه ويستعد بأظافره وأنيابه؟ نعم، إنها معركة ولكن الحق فيها هو المنصور بعد الجهاد إن شاء الله.

الرابط المختصر :