العنوان ثورة تونس تعيد أمجاد منارة «الزيتونة».. الجامع والجامعة
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الجمعة 04-مايو-2012
مشاهدات 107
نشر في العدد 2000
نشر في الصفحة 22
الجمعة 04-مايو-2012
تونس: عبد الباقى خليفة
يعد جامع «الزيتونة» المعمورفي تونس (١١٦هـ/ ٧٣٦ م ) من أول المعالم الإسلامية التي عرفها التاريخ بعد الحرمين،والمسجد الأقصى، وجامع عقبة بن نافع في القيروان (تونس)، وقد عرف كالكثير من المساجد في العالم بعض التغيرات التي طرأت عليه في الحقب الماضية، وإن حمل الطابع «الأغلبي»، فهو أشبه ما يكون بجامع عقبة بن نافع في عاصمة الأغالبة (القيروان)، ولكنه يختلف من حيث النقوش والزخارف التي تبدو على محرابه وبعض الأقواس القريبة من المحراب، كما أن أعمدته متقاربة أكثر مما هو حاصل في جامع «القيروان»، وأصل التسمية كما تذكر بعض الروايات أن بناءه كان بجانب شجرة زيتون، فأطلقوا عليه جامع «الزيتونة».
من علماء مسجد « الزيتونة»: ابن خلدون والخضر حسين والطاهر بن عاشورو الشاعر أبو القاسم الشابي وأسد بن الفرات والإمام سحنون
ويقع جامع «الزيتونة» في مدينة تونس العتيقة، وهو مستطيل الشكل، وتختلف صومعته عن صومعة جامع «عقبة بن نافع»، يبلغ ارتفاعها ٤٣ مترا فقط، ويلاحظ الزائر لجامع «الزيتونة» وجود آيات قرآنية بالخط الكوفي، ولا سيما في المساحة الأمامية للمسجد، ومن العادات التي لا توجد - ربما - سوى في جامع الزيتونة، هو أن المنبر يدخل إلى غرفة ويغلق عليه الباب بعد صلاة الجمعة مباشرة، وهو من المنابر التاريخية، وللمسجد ١٣ بابا.
تاريخ مشهود
وجامع الزيتونة هو أول جامعة إسلامية في الوطن الإسلامي الكبير، وكان له دور تاريخي مشهود في نشر الثقافة الإسلامية والإشعاع العلمي والروحي في منطقة المغرب الكبير، وتبوا أحد علمائه وهو الخضر حسين منصب شيخ الأزهر في مصر المحروسة.
وقد وصفه شكيب أرسلان، أحد الأعلام في التاريخ العربي الحديث بأنه إلى جانب جامع «الأزهر» في مصر، وجامع «الأمويين» في سورية، و«القرويين» في المغرب، فإن جامع «الزيتونة» يمثل أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية في القرون الأخيرة، لقد مر على قيام جامع «الزيتونة» أكثر من ١٣ قرنا عرف فيها مدا وجزرا، حيث كان ماره علمة بلغ إشعاعها الآفاق، ومؤسسة علمية يشد إليها الرحال من مختلف الأمصار، وهو منذ عصر ابن خلدون وقبله جامعة لها قوانينها وأنظمتها ومناهجها وإجازاتها أو شهاداتها، وتسعى جهات عدة لأن يستعيد جامع «الزيتونة» دوره الحضاري من جديد؛ ليواصل مهمته كشاهد على هوية تونس وحامي لها، إلى جانب معالم أخرى وحصون ورجال لم يخل منهم عصر من العصور.
شكيب أرسلان: إلى جانب جامع «الأزهر» في مصر وجامع « الأمويين» في سورية و«القرويين» في المغرب يمثل جامع «الزيتونة» أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية في القرون الأخيرة
وقد تعرض «الزيتونة» إلى نكبتين؛ الأولى: عندما غزا الإسبان تونس في ١٥٧٣م، واستولوا على المخطوطات بالجامع وعبثوا بمحتوياته، وربطوا خيولهم في سواريه، ودمروا المكتبات ومزقوا بسيوفهم الكتب والمجلدات.. والثانية: بعد استيلاء العلمانيين «الائكيين» على تونس بتنسيق مع فرنسا سنة ١٩٥٦ م، وكان أول قرار للمخلوع «بورقيبة» هي إغلاق جامع «الزيتونة» ومنع التدريس به، يقول الباحث كمال الفطناسي له المجتمع»: جامع «الزيتونة» أول مؤسسة علمية في العالم العربي الإسلامى، وسبق جامع «الأزهر» بمصر، وجامع «فاس» بالمغرب، جامع الزيتونة قبلة طلاب العلم من العالم جميعا، وقد تخرج فيه العديد من العلماء، منهم أسد بن الفرات، والإمام سحنون، والفقيه المفسر والمحدث محمد بن عرفة، وابن خلدون صاحب المقدمة وأول عالم اجتماع في التاريخ، وإبراهيم الرياحي، والطاهر بن عاشور صاحب تفسير «التحرير والتتوير»، ومحمد النخلي، والخضر حسين شيخ الأزهر، والشيخ محمد الأخوة، والشيخ محمد عبدالعزيز جعيط، والشيخ صالح النيفر، والشيخ عبدالعزيز الثعالبي، والشاعر المعروف أبو القاسم الشابي، وغيرهم من العلماء الأفاضل، والأدباء والمفكرين والمربين.. ويضيف الباحث الفطناسى: هناك سؤال استنكاري وهو: هل استقلت تونس فعلا سنة ١٩٥٦م أو هو شبه استقلال؟ ويضيف: «بورقيبة» كانت لديه خلفية علمانية «لائكية»، وكان ممثلا لفرنسا في تونس بعد خروجها, وكان يحمل مشروع استئصال الإسلام، وذلك من خلال ضرب جامع «الزيتونة»، وكان أول عمل قام به هو إغلاق الجامع، وعمل على إقصاء علماء «الزيتونة» من القرار السياسي، ومن الإدارة والتوجيه والإرشاد، وضرب مؤسسة الوقف، وصادر الأوقاف التي كانت المورد المالي الرئيس، لأساتذة وطلبة جامع «الزيتونة»، لقد استبدل «بورقيبة» «كلية الشريعة وأصول الدين» بجامعة «الزيتونة»، ولكن ذلك كان للتعمية ولخلق إسلام ممسوخ، فبدا العلم يقبض بالقمع والعلماء يتناقصون، واستمر الوضع على ما هو عليه في عهد المخلوع الثاني «بن علي» حتى يناير ٢٠١١م.
احياء الدور
عاد جامع «الزيتونة» حرا بعد أن كسرت الثورة قيوده التي كبل بها منذ الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٨١م، وهناك محاولات حثيثة من أجل أن يستعيد جامع الزيتونة دوره التاريخي، ولا تزال الخطوات جنينية، نحتاج للدعم المادي والمعنوي، ومن ذلك قيام «الجمعية التونسية للعلوم الشرعية» بإقامة الدروس، واعتمدت الكتب التي كانت مرجعا في جامع «الزيتونة» قبل إغلاقه، أما جامعة «الزيتونة» حتى هذه اللحظة الراهنة لا تزال جسما بلا روح، وهيكلا بلا محتوى ومضمون، وهناك محاولات لأن تعود الجامعة لدورها على غرار الأزهر.
وهناك مشروع يمكن أن ينهض ب«الزيتونة»، وهو بعث لجنة وطنية مقتدرة ومختصة للنهوض بهذه الجامعة؛ إذ إن الهيكل الإداري الحالي لا يمكنه أن ينهض بالجامعة لتكون معلما حضاريا حقيقيا.
ويقول المقرئ الشيخ المدرس بجامع «الزيتونة» المعمور لطفي الشندرلي: هذا الجامع المبارك أسس على تقوى من الله، تخرج فيه رجال علماء أتقياء صالحون، هم اليوم معالم تاريخية لهذا الصرح العظيم، نذكر منهم سيدي الطاهر بن عاشور، وابنه الفاضل بن عاشور، وشيخ الأزهر الخضر حسين، وابن خلدون، والعديد من العلماء وهم كثر والحمد لله.. وأردف: من أراد أن يتعلم، وأن يشاع صوته بالعلم يبدأ من جامع «الزيتونة» المعمور، وإن شاء الله يعود قبلة للمسلمين.
نكبات العلمانية
يقول الشندرلي بعد الاحتلال العلماني لتونس: أغلق الجامع ومنع فيه التدريس، كانت فترة كريهة جدا، الإسبان ربطوا الخيول في الجامع في القرن الخامس عشر، والعلماء قاوموا الاحتلال الإسباني، وفتحوا جامع «الزيتونة» للعلم وللدراسة ولتخريج العلماء الذين انتشروا في العالم بأسره، لكن فترة «بورقيبة» ثم المخلوع «بن علي» كانت أشد من الإسبان، كان فيها نفاق كثير، وظلم كثير، في المواسم والمناسبات يطوقون الجامع ويسدون الأبواب، وكان الناس يدخلون الجامع ببطاقات التعريف، وذلك قبل مجيء «بن علي» للجامع بأسبوع، وكنا في خوف، قاومنا إلى أن وصلنا إلى هذه الثورة العظيمة، ودحر الظالم، وبقي الجامع، فرب البيت طردهم من البلاد.. وبعد الثورة عادت الأمور إلى عادتها، وعاد العلماء يدرسون، وسنخرج أجيالا يعلمون ويدرسون ويرسلون إلى كافة البلدان في العالم.
صحوة وسطية
واليوم، يمتلئ جامع «الزيتونة» بحلقات العلم، في مجالات مختلفة؛ هناك دروس في العقيدة وفي أحكام وآداب التلاوة، وفي الفقه وفي السيرة وعلوم القرآن وعلوم الحديث، والحمد لله هناك علماء، وعندما تأتي إلى حلقة العبد الضعيف تجد الكثير من حملة القرآن ومن الحفظة، ومن يرغبون في حفظ القرآن، وبارتياح الإملاءات القرآنية الأكاديمية يوم الثلاثاء بعد العصر، وبعد المغرب دروس في أصول الحديث، يوم الإثنين الإملاءات القرآنية يقوم بها الشيخ علي الصالحي، والأربعاء يدرس الشيخ الحبيب الفخفاخ علوم القرآن وأصول التلاوة، والخميس لطفي الشندرلي.. أما الجديد بعد الثورة، فهو الإقبال الشديد على العبادة والطاعة والتعلم براحة واطمئنان وبهدوء، وتسود الأخوة في هذا البيت، بعد أن فرقونا شيعا، وأصبحنا يدا واحدة نكن لبعضنا الحب والاحترام وحرية التعبير، وهذه لم تكن موجودة في السابق، «بن علي» عليه الخزي، عندما يأتي تطوق الدنيا وتغلق، والعديد من السفراء والضيوف يجعل لهم مسرحية؛ أناس يقرؤون القرآن، وبعد خروجهم يغلق المسجد.. ولكن الآن هناك صحوة إسلامية وسطية معتدلة.
جامع الزيتونة.. يكسر قيودد ويشع نورد من جديد
وسط حضور شعبي ورسمي، وفي أجواء علا فيها اسم الله تعالى «الله أكبر»، سجَّل جامع الزيتونة المعمور (تونس) يوم ١٩ مارس الماضي تاريخاً جديداً في سجله الحافل؛ بنشر العلم والهدى، والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية لتونس ومنطقة المغرب الإسلامي الكبير؛ وذلك بفتح أبواب «الهيئة العلمية لجامع الزيتونة» التي كانت تشرف على العلوم الشرعية قبل تسليم فرنسا السلطة لأحد بيادقها المخلصين بورقيبة»، الذي عمل على تدمير الثقافة الإسلامية، وأمر بكتم أنفاس الهيئة التي ظل مقرها مغلقا على مدى يزيد على نصف قرن.
وجاء فتح أبواب «الهيئة العلمية» المعنية بتدريس العلوم الشرعية في جامع الزيتونة، على إثر صدور حكم قضائي من الحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، تخلله تجريم عملية الإغلاق من قبل الطاغيين «بورقيبة»، و«بن علي».
وقال نائب الجمعية التونسية للعلوم الشرعية الحبيب بن الطاهر ل «المجتمع»: «هذه أيام خيروبركة، نحتاج فيها لمزيد الشكر»، وتابع: «يعود النور إلى المئذنة ليشع للعالم، نحن نعيش حقبة تاريخية ودورة حضارية جديدة سيكون لها وقع على حاضر ومستقبل الأمة». وقال الشيخ حسن العبيدي، من شيوخ جامع الزيتونة: «قبل عدة سنوات رأيت رسول الله في المنام بعد صلاة الفجر، فشكوت إليه حال الأمة فقال لي: «هدنة»، بعدها تجلت لي الكعبة، فبادرت بالتلبية وقمت من منامي»، وأردف: «ها نحن نعيش عصر ما بعد الهدنة، فلا يغفلن أحد عن دوره في إنهاض الأمة والدفع عنها»، وأضاف: « فتح الهيئة الشرعية، جاء نصر وفتح من الله تعالى لا فضل لأحد سوى لله وحدد».
وقال الكاتب العام لجمعية أحباء جامع الزيتونة فتحي الخميري: «بعد الثورة صدر حكم قضائي من الحكمة الابتدائية بتونس تحت رقم (١٩٩٥٢ بتاريخ ١٩ مارس ٢٠١٢ م) يقضي بإعادة فتح مقر الهيئة الشرعية التابع لجامع الزيتونة، وإعادة الحالة لما كانت عليه، وإزالة الأقفال الموجودة على مقرات الهيئة العلمية»، وأشار إلى أن الحاضرين قاموا بإحياء سنة الفتح كما قام بذلك سعد بن أبي وقاص في المدائن.
وأوضح بأنه تم التوجه إلى مقر وزارة الشؤون الدينية، وحصلنا على تفويض بإزالة الأقفال بوصفها الجهة المشرفة على المساجد في البلاد.
تجدر الإشارة إلى الوزير المسعدي وبايعاز من «بورقيبة، أصدرفي سنة ١٩٦١ م قرارا بإغلاق جامع الزيتونة المعمور وفروعه ال ٢٤ في مختلف أنحاء تونس في إطار خطة لتجفيف ينابيع الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل