; الأدب النسائي في الوطن العربي | مجلة المجتمع

العنوان الأدب النسائي في الوطن العربي

الكاتب يحيي الصوفي

تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1676

نشر في الصفحة 52

السبت 12-نوفمبر-2005

■ ظهور فكرة الأدب النسائي تعود بالدرجة الأولى إلى عمل البعض على تحجيم دور الكاتبات العربيات.

■ هل يكفي أن تكتب المرأة موضوعًا أدبيًا حتى نصنفه بأنه أدب نسائي؟ وهل الكتابة في شؤون المرأة من الأدب النسائي حتى وإن كان الكاتب رجلا!

الأدب النسائي في الوطن العربي...... أدب المرأة...... المرأة والأدب...... الأدب النسوي.؟... المرأة في الأدب والقصة العربية؟

عناوين كثيرة وكبيرة قد تثير انتباه القارئ أكثر مما تحتويه من فكر وفائدة...

ولهذا أوقعتني هذه المهمة في الكتابة عن أدب المرأة أو الأدب النسائي في الوطن العربي في حيرة كبيرة والتباس في المدلولات والرموز حتى إنني وقفت عاجزًا عن اختيار العنوان المناسب لها خاصة بعد أن اطلعت على أكثر من مقالة ودراسة ورأي حولها، وكدت أستسلم واترك الموضوع وأنه، لأنني لم أعتد على الكتابة إلا بدافع الحاجة... وحاجتي كانت دائمًا وقبل كل شيء تتصل بالعثور على الحقيقة، وتفسير الغامض منها، والفهم عبر الكتابة عنها... ولهذا تأتي كتاباتي مختلفة في صيغتها عما يطرحه الآخرون، لأنها لم تكن في أي حال من الأحوال إلا محاولة بريئة وصادقة في البحث عن جواب شفاف وصادق!

أولًا: والسؤال الأساسي والأول المطروح هو: هل يوجد حقًا أدب نسائي.؟... وبالتالي يفترض أن يكون هناك أدب رجالي بالمقابل؟ وما هي خصائصه وصفاته ومميزاته التي تدل عليه.؟ بمعنى: هل يكفي أن تكتب المرأة موضوعًا أدبيًا حتى نصنفه بأنه أدب نسائي.... أو نصنفها ككاتبة أو أديبة نسوية.... وهل يصح ويكفي الكتابة في شؤون المرأة على تنوعه حتى نصفه  بأنه عمل يتعلق بالأدب النسوي؟

أرجو ألا يكون كذلك، وإلا تحتم علينا إنشاء نقابات وأندية خاصة بالأدب النسوي مع ما سيفضي إليه هذا التصنيف من ملحقات وتشعيبات وقوانين تميزه عن غيره وتضع له شروطه؟ وقد يؤدي في النهاية إلى ضم كل من كتب عن المرأة تحت لوائه حتى وإن كان الكاتب رجلًا.

بحيث يعيدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر. والبحث عن مسميات جديدة له تحفظ خصوصية «أدب وكتابة وربما ثقافة المرأة كوحدة خاصة مميزة بمفردها».

هل هناك علم نسائي بموازاة أدب نسائي، ومن ثم ماذا سيكون موقفنا من الدراسات الاجتماعية والتاريخية والطبية والفلسفية والفنية وكل ما يمت للعلوم الأخرى. والتي لا تتصل بالأدب ، بصلة؟؟ وتكتب فيها المرأة بحكم اختصاصها وموهبتها ومهنتها.... وهل تصنفها تحت الكتابات العلمية التاريخية الفلسفية الفنية النسائية... أيضًا... أم أن لها تصنيفات أخرى لا تعرفها؟

وهل إذا بدأنا على هذا المنوال ستصل الحال بنا إلى طب وسياسة وفلاحة وهندسة وفنون نسائية... إلخ؟

ثانيا: أنا أتصور وبكل بساطة أن هناك علمًا وأدبًا إنسانيًا فقط، يشارك في بنائه وتطوره ونجاحه ذلك المخلوق الرائع الذكي الوحيد الذي استطاع أن ينتصر على كافة المخلوقات ألا وهو الإنسان.. وأن الإنسان بتناوبه في ثوب الذكر أو الأنثى لا يعكس بأي حال من الأحوال إلا هموم جنسه وقد يتجاوزه بدافع روحي وأخلاقي وديني بحت إلى الاهتمام والحماية والدفاع عما يحيط به من خلائق سواء بيئية أو حيوانية، لأنه يدرك بحسه الفطري أنه ينتمي إليها بطريقة أو بأخرى!

وتصوري ذاك يقودني إلى الاعتقاد بعدم وجود جنسين من الأدب أدب ذكوري أو أنثوي... أنا لا أتفق مع ما جاء به البعض من تشبيه الأدب النسائي بالأدب الخليجي أو أدب المهجر.... تمهيدًا لتكريسه والاعتراف به لأن الموضوع يتعلق بجنس الكاتب وليس موطنه إلا إذا اعتبرنا أن المهاجرين والخليجيين من جنس واحد وأن الفارق الوحيد الذي يثير اللبس في وصف وتحليل وكتابة كل منهما تعود في الدرجة الأولى إلى الطريقة التي يعالجا بها المشكلة التي يتحدثان عنها ونظرتهما الخاصة إليها والتي تشبه في بعض أوجهها الفرق بين نظرة كاتب صحفي وطبيب كاتب... إلخ... وهي تعتمد بدرجة كبيرة على الثقافة والتربية والبيئة الاجتماعية.

إذا كان هناك أدب نسائي يجب أن يقابلة أدب رجالي

وأنا أعتقد أن التسميات الحديثة التي التصقت بكتابات الأديبات العربيات أدب المرأة ادب نسوي، أو أدب نسائي... إلخ.» لم تكن أكثر من صفات أطلقت على أعمالهن لمحاولة إظهاره والدلالة على وجود أديبات عربيات وأدب يكتبه ويبدعه مثقفات ومتعلمات وكاتبات من الوطن العربي لا أكثر؟ خاصة بعد الاستقلال وحملات محو الأمية، والاعتماد على المرأة ومشاركتها في كافة المجالات التنموية بعد أن كانت مهمشة وأمية وبعيدة عن الأضواء.

وتلك الحالة لم تكن بعيدة عن وضع الرجل سوى أنه كان سباقًا إلى الانخراط في البيئة الثقافية بصورة نسبية تتناسب مع حجم تفاعله ومساهمته في الميادين الأخرى.

وهذه الصورة بالتالي تختلف من بلد عربي إلى آخر، كل حسب تاريخ انعتاقه من الاحتلال ووضع محو الأمية وتحرر المرأة فيه.

ولهذا لا يصح اعتماد تلك الصفات للدلالة على أدب مميز وخاص بعينه لأنها تفرغه من مضمونه وتجرد المرأة الكاتبة المبدعة من حقوق تداولها للشأن العام «غير النسوي، خاصة إذا ما وضعت في حالة الند والمنافسة مع الرجل في مواضيع «نسوية» قد يكون الرجل فيها أكثر إبداعًا وقربًا في تصويره للحقيقة منها... فقد يقترب الذكر في وصف حالة ما من مشاعر الأنثى لدرجة أكثر جراءة وصدقًا مما يمكن أن تفعله هي، ولأسباب تتعلق بالحفاظ على الحد الأدنى من أسرارها الأنثوية!

وفي المقابل قد تقترب هي في طرحها وتناولها الموضوع اجتماعي أو سياسي أو عاطفي من عقل وخيال وحقيقة الذكر أكثر منه وذلك الأسباب تتعلق بإحجام هذا الأخير عن الإفصاح عنها لأسباب تتعلق بالعيب والسمعة والخوف من ربط الحدث بكاتبه.

وقد لا يصيب التوفيق أيًا منهما في الوصول إلى تمثيل ووصف مشاعر الطرف الآخر بحيث يقف كل منهما مذهولًا أمام الحقيقة إذا ما أنيط اللثام عنها.

إذًا يقترب كل منهما من الصدق في وصف مشاعر وهموم الآخر بدرجة اقتراب أي منهما من صفات الآخر....

فتجد عند الذكور من يتصف بدفء ورقة المشاعر ورهافة الإحساس وشدة التأثر والتعلق والإخلاص للعائلة والأطفال، كما نجد عند الإناث من تتصف بالخشونة في المعاشرة وحب المغامرة والخروج عما هو مألوف في طبيعتها ومعاملتها للغير.

وهما يقتربان كثيرًا من طرحهما ووصفهما للحدث إذا ما تناولاه بصيغته الأكاديمية والبحثية المجردة.

ثالثا: أن يتم طرح الموضوع بعيدًا عن الجنس والاستعاضة عنه بمراحل العمر المختلفة وتقسيمها إلى ثلاث مراحل بارزة ومتفق عليها.

ألا وهي:

الفتوة وفيها يبدأ الإنسان باكتشاف ذاته ومحيطه وموهبته، ولا يختلف الكاتب عند أي من الجنسين في نظرته الحالمة البريئة والمثالية للعالم الذي يعيش فيه.. بحيث لا تعدو الكتابة عنه أكثر من كونها نزهة للمشاعر في حديقة الحياة الغناء. وهو يمارسها دون أي تحمل للمسؤولية أو أي شعور بوزر وثقل الضوابط الاجتماعية، فأي مشكلة قد تعترضه لا تحتاج أكثر من بضع كلمات أو سطور في قصيدة.. بحيث تعود الأمور بعدها إلى نصابها وكما كانت من قبل... فالحياة لديه لا تتجاوز حدود غيمة عابرة تتمدد وتتشكل لترسم الصورة الجميلة التي يحلم بها...

الشباب وفيها يبدأ الإنسان من الجنسين بالكتابة ورسم العالم الذي يحيط به بشيء من الشاعرية والخيال، ولا يخلو في بعض الأحيان من الثورة....

لقد بدأ يكتشف العوائق التي تحيط به والمتمثلة في القوانين والأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية.. هذا بالإضافة إلى سلسلة طويلة من الإشارات والرموز القابعة في عقله ووجدانه تتربص به وتحد من طموحه... وفي بعض منها انعكاس الأمر صارم من أب يهابه.. أو دمعة دافئة سخية. كانت قد سرت على وجنتي أمه تهزه.. وبينهما تتجسد تلك التعاليم الدينية التي تربطه بالخالق وتجمع بينه وبين ملائكته ورسله الكرام.

وبعض كتاباته الحالمة الخجولة قد تتدفق بالمعاني النبيلة والحب المفعم بالصدق.. والأمل بمستقبل طيب ومشرق حر.... جاهز لكي يغدق بكل ما لديه من عطاء لمجرد أن ينتهي من العبودية التي يعيش فيها.... متوجهًا لبناء حياة مشتركة مع الطرف الآخر، فهم يتشابهون بقدر ما في الصيغة والطرح...

ج. سن الحكمة أو الرشد، حيث يبدأ كل من الجنسين اختبار معرفته لذاته وكشف مشاعر الطرف الآخر بحكم المعاشرة والخلطة ويبدأ نقل خبرته ومهاراته إلى الغير؟ فقد آن الأوان لكل من الجنسين الاقتراب. في تطرقهما للمواضيع المطروحة. من الحقيقة بشيء من التجرد والصدق والشجاعة... فلقد انتهت فترة المناورة والاختبار وبات كل طرف على دراية كافية بالآخر لدرجة يستطيع بها الحلول مكانه والتحدث بلسانه بشيء من الثقة والإصرار على لعب دوره كاملًا. لقد اكتملت معارفه ونضجت خبراته، وبدأت فترة العطاء الحقيقي في تدريب وتعليم ونقل النصيحة والمعرفة للغير...

وربما تخطى حاجز المؤازرة والدفاع ورد الظلم عنهم إلى المواجهة مع كل ما يحمله ذلك من عواقب... فهو الصادق مع نفسه المخلص لمبادئه.

الأدب النسائي وعلاقته بتحجيم دور الكاتبات

رابعًا: إن سبب ازدهار فكرة الأدب النسائي يعود بالدرجة الأولى إلى عمل البعض على تحجيم دور الكاتبات العربيات وإبعادهن عن أخذهن الدور والمكانة الطبيعية التي يستحقونها. واعتباره أدبًا خاصًا يراعي نموذجًا واحدًا وهو النظرة الأنثوية وطريقة معالجتها للأشياء من ناحية وإلباسها صورة المدافعة عن حقوق المرأة - مع ازدهار حركات تحرر المرأة في العالم بشكل عام وفي العالم العربي بشكل خاص - من ناحية ثانية.

ومما أعطى المدافعين عن هذه الفكرة المصداقية.. اندماج بعض الباحثات عن الشهرة من كاتبات وأديبات الوطن العربي إلى تبني أفكار تلك الحركات بدلًا من البحث عن أسباب تخلف وجهل وأمية المرأة في الوطن العربي والتي تعود إلى نفس الأسباب التي يعاني منها الرجل وهم في هذا سواء.

وكان من نتيجته ازدهار ما يسمى بالأدب النسائي لما كان يتمتع به من حماية ودعم من السلطات الرسمية وفسح المجال واسعًا أمام أعمالهن وكتاباتهن لإعطاء المصداقية لبعض الحكومات في الوطن العربي أمام العالم حول إعطاء المرأة حقوقها واندماجها بالحركة الثقافية العالمية.

ولهذا بدأنا نشهد نشاطًا متزايدًا لترجمة كتاباتهن - عن غير وجه حق - إلى اللغات الأجنبية لأنهن يشتكين فيها ظلم الرجل والزواج بالإكراه وحرمانهن من العمل... إلخ «وهو ما يثلج قلب الغرب ويفرحه لأسباب معروفة» وكلها مشكلات اجتماعية عامة للرجل فيها ما للمرأة من نصيب في القهر.

هذا بالإضافة إلى أنهن لا يضفن إلى الأدب العالمي أي جديد سوى قراءة أعمالهن وكأنه خير في جريدة ووصف لحالة إنسانية متخلفة ومزرية دون إظهار أي بعد عاطفي أو إنساني أو أدبي الأعمالهن.

وهذا ما شجع المصنفين لهن والأعمالهن على الإصرار على وجود أدب خاص بالمرأة حتى يحافظوا على احتكارهم للأدب وملحقاته الصحافة والإعلام ودور النشر بصيغته الذكورية المعروفة.

خامسا: وأخيرًا أنا أعلق الأمال على جيل جديد من الكتاب من الجنسين تجاوزوا مرحلة الخوف أو الحرج أو الخجل من تناول أي موضوع ومن أي نوع ومن أي مستوى كان لما تمنحه وسائل التعلم والاتصال مع الغير من حرية في التعبير وبلاغة وجراءة في الوصف تجعل من كتاباتهم وأدبهم عملًا واحدًا موحدًا بذائقة فنية متنوعة وملونة بألوان ثقافية وموهبية جديرة بالاحترام. وتؤهلهم للحاق بالآخرين دون تردد. وهذا ما أتوقعه وأتمناه.

الرابط المختصر :