العنوان «بوش» يجني حصاد حكمه!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008
مشاهدات 67
نشر في العدد 1822
نشر في الصفحة 13
السبت 11-أكتوبر-2008
ليست مصادفة أبدًا أن تكون تلك الانهيارات المتسارعة في الاقتصاد الأمريكي وتوابعه في العالم خاتمة المطاف لحقبة حكم الرئيس بوش الثاني من 20 يناير 2001م حتي اليوم؛ وقد حفلت تلك الحقبة بسياسات وقرارات ومغامرات كفيلة بإحداث ما يجري الآن، بل وأكثر!
فقد دخل الرجل في حالة حرب مع العالم الإسلامي، رفع خلالها شعار» الحروب الصليبية« واحتل دولتين من دوله هما: أفغانستان في أكتوبر 2001م، والعراق في مارس 2003م، وما زالت قواته تضرب وتدمر هناك. وتلك المغامرات الحربية لم تكن نزهة، ولم تكن تدريبًا عسكريًا على شاطئ المحيط الهادي وإنما حروب حقيقية قوبل فيها الاحتلال الأمريكي وأعوانه بمقاومة لم يكن يتوقعها ومني بخسائر هائلة في العتاد والأموال والجنود، ورغم ذلك لم يحقق الرئيس بوش شيئًا مما أراده.. فلا الإرهاب الذي ظل يطنطن به تم القضاء عليه، ولا قواته التي لا تقهر حققت أي نصر حاسم في البلاد التي احتلتها.. فقط كل ما تمكنت منه هو نشر الخراب والدمار وممارسة الإذلال والقتل العشوائي على المدنيين الأبرياء.
وما زالت الولايات المتحدة متورطة في هذا المستنقع الدموي حتى اليوم، وفي كل يوم يمر يتم استنزاف الاقتصاد الأمريكي، حتى وقع ما ومهما يقال من أسباب عن الانهيارات الجارية في الاقتصاد نشاهده اليوم بكل أسى.
ومهما يقال من أسباب عن الانهيارات الجارية في الاقتصاد الأمريكي فإن غزو أفغانستان والعراق، يمثل عاملًا مهما فيما جرى والبيانات المنشورة عبر العديد من المصادر الرسمية وغير الرسمية تؤكد ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ نشير هنا إلى ما نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية (10 مارس 2008م) أن الحرب على العراق تكلف الاقتصاد الأمريكي أكثر من 25 مليار دولار شهريًا، وأن تلك الحرب كلفت الخزانة الأمريكية في »العراق» حتى عام 2007م ثلاثة تريليونات دولار، وإذا أضيفت أفغانستان والتكاليف الأخرى إلى ذلك فإن المبلغ سيصل إلى 4.95 تريليون دولار.
ولا شك أن تلك الميزانيات الضخمة كفيلة بهدم أي اقتصاد مهما كان قويًا. وقد تنبأ بذلك العديد القادة الذين شاركوا «بوش» قرار الحرب على العراق، كما تنبأت به مؤسسات سياسية وفكرية عدة، وكثير ممن لا يستهان بهم من القيادات السياسية والعسكرية في الولايات المتحدة وبريطانيا الشريك الأكبر لواشنطن في حربها. وطالبوا مرارًا بسرعة الانسحاب من العراق، لكن أحداً لم يستمع إليهم!!
دبلوماسيًا أمريكيًا متقاعدًا ففي مايو 2004م وجه نحو خمسين رسالة إلى الرئيس الأمريكي «بوش» ينتقدون فيها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عمومًا، وقالت وكالة رويترز للأنباء التي بثت الخبر وقتها: إن هذه الرسالة جاءت على غرار تلك التي وجهها 52 دبلوماسيًا بريطانيًا متقاعدًا إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في وقت سابق من الشهر نفسه.
وقال الدبلوماسيون الأمريكيون في رسالتهم: إن سياسة «بوش «تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها وهيبتها وأصدقاءها.
كما قال الدبلوماسيون البريطانيون في رسالتهم إلى رئيس الوزراء البريطاني -في ذلك الوقت- توني بلير: «لقد أوضحت مجريات الحرب أنه لم يكن لدينا خطة لعراق ما بعد صدام، وقد أثبتت الأيام صدق ما تنبأ بعه بعض العارفين منا بشؤون المنطقة من شراسة المقاومة العراقية، أما وصف هذه المقاومة بأنها تحت قيادة إرهابيين أو متطرفين أو أجانب، فهي مسألة غير مقنعة وغير مفيدة».
وفي الشهر نفسه من العام ذاته وجه عدد من الإعلاميين الأمريكيين انتقادات حادة للطريقة التي عالجت بها وسائل الإعلام الأمريكية الحرب على العراق، وخاصة في مرحلة ما قبل الغزو واعتبروا أن إدارة الرئيس جورج بوش الإعلام من خلال تقارير الاستخبارات التي كانت تروجها، مؤكدين أن ذلك يعتبر «عارًا» على وسائل الإعلام.
وكان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول حينذاك قد أضاف دليلًا جديدًا وقويًا على انعدام مصداقية بلاده عندما كشف الصحفيين رافقوه خلال عودته إلى واشنطن من بروكسل (مايو 2005م) أن الولايات المتحدة قدمت معلومات غير مؤكدة للأمم المتحدة قبل بدء الحرب على العراق، متراجعًا بذلك عن أدلة كان قدمها بنفسه أمام مجلس الأمن الدولي.
وقال: إنه فعل ذلك؛ لأن المعلومات قدمت إليه على أساس أنها مؤكدة، وأن ثمة حاجة الآن للنظر في الموقع الذي وضعت «واشنطن» نفسها فيه، بعد انهيار مصادر معلوماتها.
وهكذا.. أصيبت الإمبراطورية الأمريكية بانهيار كبير في مصداقيتها عندما بنت قراراتها بالحرب في أفغانستان والعراق على أسانيد وهمية، ومنيت بانهيار أخلاقي عندما فعلت قواتها ما فعلته – وما زالت - في سجن جوانتانامو وسجن أبو غريب.
وبناءً على المعلومات الكاذبة أعلن الرئيس عشية غزوه للعراق تصريحه الشهير: «اليوم بدأت الحروب الصليبية»، ثم اختفى هذا التصريح من وسائل الإعلام بعد ساعات قليلة من بثه، وتم الاعتذار عنه بأنها »زلة لسان». لكن »زلة الرئيس بوش« هذه أثبتها كثير من القادة عبر تصريحاتهم المتتالية المهاجمة للإسلام، وقبل ذلك كله وبعده فقد بنت الولايات المتحدة -والغرب عمومًا- اقتصاداتهم العملاقة على «الربا»، وجروا العالم إليه، مؤذنين بحرب من الله الذي لا يغلب.
والخلاصة هنا أنه عندما تتهاوى منظومة القيم والمصداقية في أمة تعلن الحرب على الله، فإن العواقب تكون مدمرة دمارًا، لا يقل عما لحق بالأمم العتيقة السابقة!