العنوان لا تجعل زادك ينفد في أول الطريق حتى آخر العام
الكاتب حسين بن علي الشقراوي
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 53
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 52
السبت 22-نوفمبر-2003
روح رمضان يجب أن تسري طوال العام...لتؤتي ثمارها في القلوب وتعمل عملها في النفوس.
لم يبق من رمضان إلا أيام معدودة، وكلما طال العهد بالمحبوب اشتد الشوق إلى اللقاء:
على بعدك لا يصبر من عادته القرب |
لقد كان رمضان مدرسة المؤمنين التربوية ومحطة السائرين الإيمانية، وفرصة المجتهدين التي طالما حثنا رسولنا ﷺ على اغتنامها.
وها قد انتهى رمضان شهر المغفرة والعتق من النيران أو أوشك، فيا ليت شعري من المقبول فنهنيه والفائز فنباركه! ويا ليت شعري من المردود لنعزيه والخاسر فنواسيه؟!
ها قد انتهى رمضان وتفرق الناس بعده أصنافًا متعددة، ودرجات متفاوتة كل بحسب ما قام به من حق رمضان.. نبأنا بأخبارهم وجلى لنا حالهم نبينا ﷺ قبل أكثر من ألف وأربعمائة وعشرين عامًا.
فصنف صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقام وجد في ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا.. فنال جائزة الرب جل وعلا من الرحمة والغفران وعلو الدرجة في الجنان والعنق من النيران.
فهؤلاء هم الذين أدركوا حقيقة الصيام، فقاموا به حق القيام وتدبروا في قول الملك العلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فنالوا درجة التقوى ومنازل المتقين.. فهم عند ربهم في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فبركة التقوى لا توازنها بركة، ومنزلتها لا تعدلها منزلة، وآثارها لا يمحوها انتهاء رمضان، ولا مرور الليالي، وانقضاء الأيام، لأنها ثمرة أينعت في شهر رمضان.. وإنما يتقبل الله من المتقين فظهرت علاماتها على جوارحهم، وثمارها في سلوكهم حتى بعد رمضان فحلاوة الصيام لم تفارق أيامهم، ولذة القيام أضاعت أسحارهم، وتلاوة القرآن أحيت لياليهم، ومفارقة الذنوب والآثام طهرت جوارحهم ولسان حالهم.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى |
وصنف دخل عليهم رمضان، وخرج ولم يزدادوا فيه خيرًا، ولم يغير لهم حالًا، صيامهم وقيامهم عادة لا عبادة، فعادوا بخفي حنين، وعادوا إلى ما سلف وكان من الغفلة والنسيان، وكأن لم يكن هناك شهر يقال له رمضان وهؤلاء صدق فيهم قول نبينا ﷺ: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر»
(صحيح الجامع ٣٤٩٠).
وصنف هم المحرومون حقًّا، والخاسرون دومًا، وكيف يفلح قوم دعا عليهم رسول ﷺ؟
ففي صحيح ابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين، قيل يا رسول الله، إنك صعدت المنبر، فقلت آمين، آمين، آمين، فقال: إن جبريل عليه السلام أتاني فقال يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين.. » الحديث.
فهؤلاء تعرض عليهم هدايا ربهم في رمضان الهدية تلو الهدية، فيردونها، وتتهيأ لهم فرص التوبة والإنابة فيعرضون عنها!.
يناديهم الرسول ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا» فما صاموه إلا نومًا بالنهار، وغفلة ولهوًا بالليل، صاموا عما أحل الله وأفطروا على ما حرم الله.
ثم يناديهم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، فما قاموا مع الأخيار ولا استغفروا بالأسحار.
ثم يناديهم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا..»، فما جدوا في طلبها ولا عرفوا قدرها، وما إن ينسلخ رمضان حتى يعودوا إلى ما هجروا في رمضان من المعاصي والآثام، فأني لمثل هؤلاء أن تنالهم بركة رمضان؟ وهم أبعد الناس عن نفحات الرحمة والمغفرة من الملك المنان، ويخشى على مثلهم، إن لم يتوبوا- فجاءة الموت وسوء الختام.
فيا من فرط في رمضان، وغرته الملاهي وطول الزمان، هل من رجعة صادقة قبل فوات الآوان؟ فها هو الرحيم الرحمن، يجدد لنا مواسم الرحمة والغفران حتى بعد انقضاء رمضان، ليلحق بركب أهل الإيمان من فاته قطار التوبة في رمضان.
قال ابن القيم: فيا ساعيًا في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم. إذا أنت لم ترحل بزاد من التقي وأبصرت بعد الموت من قد تزودا. |
وصح عن المصطفى ﷺ قوله: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط بده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها».
وقوله ﷺ: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يمضي شد الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من نائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر».
وقوله ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، وغيرها كثير.
وصدق ربنا تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53)
وما أسعدنا ببشرى النبي ﷺ: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (رواه البخاري)
لقد كان رمضان فرصة للتزود بخير الزاد وأنفعه، وهو تقوى الله، فهل يعقل أن ينفد الزاد في أول الطريق؟
وهذا رسول الله ﷺ يقول: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
إن روح رمضان يجب أن تستمر طوال العام، حتى تؤتي ثمارها في القلوب، وتعمل عملها في النفوس .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل