; من يفك الخيوط المتشابكة في أزمة أمل وحزب الله؟ | مجلة المجتمع

العنوان من يفك الخيوط المتشابكة في أزمة أمل وحزب الله؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989

مشاهدات 62

نشر في العدد 902

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 31-يناير-1989

 أمل تعتبر نفسها الوريث الشرعي للمقاومة الفلسطينية وحزب الله يعتبر نفسه الوريث الشرعي لأمل!

ليس من السهل الإلمام بجميع الخيوط السياسية التي توجه الصراع المرير بين حركة أمل المدعومة من سوريا وبين حزب الله المدعوم من إيران، ذلك أن هذه الخيوط متشابكة ومتداخلة بحيث يصعب تحديد مساراتها والأصابع التي تمسك بها والغايات التي ترمي إليها.

ذلك أن الصراع في لبنان بالغ التعقيد متعدد الأطراف والأبعاد، كما أن الحلفاء في لبنان سرعان ما يتحولون إلى أعداء، والأعداء سرعان ما يتحولون إلى حلفاء... ومثلما نشأت أمل في أحضان الثورة الفلسطينية ثم انقضت عليها بعد الغزو "الإسرائيلي" للبنان فإن حزب الله خرج من رحم أمل، ولكنه قاتلها بسبب الوجود "الإسرائيلي" في لبنان.

ومثلما تعتبر أمل نفسها الوريث الشرعي للمقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان فإن حزب الله يعتبر نفسه الوريث الشرعي لحركة أمل والعمود الفقري للمقاومة الإسلامية التي لا تعرف الحدود والسدود في مواجهة العدو الصهيوني.

أمن الجنوب:

ولقد أخذت أمل على عاتقها تحقيق الأمن في الجنوب اللبناني بالتصدي للمقاومة الإسلامية لبنانية وفلسطينية ومنعها من العمل ضد القوات "الإسرائيلية" انتظارًا لحل سياسي يتحقق بموجبه الانسحاب "الإسرائيلي"، بينما أعلن حزب الله أن المقاومة الإسلامية مستمرة ما دامت القدس محتلة، ولذلك وجد الفلسطينيون أنفسهم ينسقون مع حزب الله رغم خلافهم مع طهران، ووجدت طهران نفسها في مواجهة مع حركة أمل رغم تنسيقها مع دمشق.

صراع الحلفاء:

ومثلما تحالفت أمل مع القوى الوطنية والإسلامية في مواجهة الكتائب فإنها انقضت على حلفائها واحدًا بعد الآخر سواء كانت بمفردها أو بالاشتراك مع بعض القوى الوطنية... ولقد نجحت في بعض الأحيان وأخفقت في أحيان أخرى ولذلك فقد تذبذبت بين الصعود والهبوط، بين التماسك والتفكك بين الانتشار والانكماش.

وكان ظهور حزب الله منطلقًا من داخل حركة أمل وممتدًا إلى خارجها ومدعومًا من إيران من أقوى التحديات التي واجهت أمل ولذلك قررت تصفيته فقامت بهجوم شامل على مواقعه في الجنوب اللبناني في شهر أبريل «نيسان» الماضي حيث تمكنت من إخراجه من المنطقة باستثناء ثلاثة مواقع «قرى» في إقليم التفاح وهي قرى سجد واللويزة وعين بسوار القريبة من المواقع الفلسطينية في منطقة صيدا.

ثم دار القتال عنيفًا في الضاحية الجنوبية من بيروت حيث تمكن حزب الله من الاستيلاء على كثير من مواقع حركة أمل ولكن دخول القوات السورية رغم معارضة حزب الله هدأ الموقف في الضاحية نسبيًا وأجبر الأطراف المتصارعة على الانكماش.

بعد ذلك قامت قوات أبو موسى بالهجوم على مخيمات بيروت وإخراج مقاتلي منظمة التحرير منها حيث تجمعوا في مخيمات صيدا.

اتفاق أمل وفتح:

وأعلن ياسر عرفات أن هناك مخططًا "إسرائيليًا" للهجوم على المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان وبدلًا من أن يقوم "الإسرائيليون" بالهجوم الشامل المتوقع قاموا بقصف جوي لبعض المناطق الفلسطينية واللبنانية ثم حدث تطور مثير وهو اتفاق حركة أمل مع حركة فتح في جنوب لبنان في أواخر شهر ديسمبر وبالتحديد في ۸۸/۱۲/۲۳ وإقامة غرفة عمليات مشتركة فكان لا بد من طرح هذه التساؤلات على قيادي بارز من حركة فتح: بماذا تفسر هذا الاتفاق مع حركة أمل وإنشاء غرفة عمليات مشتركة إذا كانت أمل تمنع أي فدائي أو مجاهد من ضرب جنود العدو؟ هل توقفت فتح عن الكفاح المسلح؟ أم أن هناك ضربة للمقاومة الإسلامية تعقبها تصفية المقاومة الفلسطينية في الجنوب اللبناني؟

فكان جوابه: نحن نرحب بهذا الاتفاق لتخفيف معاناة الفلسطينيين في جنوب لبنان.

الصراع الأخير:

وفي مطلع هذا العام وبالتحديد في ۱۹۸۹/۱/۸ انفجر الصراع عنيفًا بين حركة أمل وحزب الله واستخدمت فيه كافة أنواع الأسلحة وتمكن حزب الله من فك الحصار المضروب عليه في إقليم التفاح وطرد ميليشيات حركة أمل من ٦ قرى وهي كفار حتى، وكفار ملكي، وكفار بيت، وكفار فلا، وجياع، والحسانية. وأعلنت حركة أمل أنها قررت تصفية حزب الله وقامت بهجوم مضاد استطاعت فيه استرجاع ٤ قرى ودارت المعارك بالسلاح الأبيض في قرية جياع الاستراتيجية واستمات حزب الله في الدفاع عنها لأن عودتها لأمل يعني عودة الحصار على مواقعهم الجبلية. ولم تتمكن أمل من استعادة هذه القرية، وأنحت باللائمة على إيران وقامت مظاهرات في الجنوب لأول مرة تهاجم إيران، ونظم حزب الله في الضاحية الجنوبية مظاهرات أخرى يهاجم فيها نبيه بري.

وتوجه الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى طهران عن طريق دمشق- وهو المعروف بتأييده لحركة أمل- في محاولة لإيجاد حل للأزمة وكان مبعوثون إيرانيون قد وصلوا إلى دمشق في محاولة لحل الأزمة أيضًا ولكن كل الجهود ظلت تراوح في مكانها واستقر الوضع على الأرض بين أمل وحزب الله بلا غالب ولا مغلوب.

وحاول الشيخ شمس الدين تقديم مشروع لإنهاء القتال بوضع ترتيبات أمنية في إقليم التفاح تؤدي إلى سحب مسلحي حزب الله من قريتي جياع وعين بسوار اللتين احتلتهما في المعارك الأخيرة وبذلك فكت الحصار عن مواقعها في اللويزة وجبل صافي على أن تسحب أمل حشودها من المنطقة، أي ينتهي حصار أمل لحزب الله.

وأصر نبيه بري على أن يقوم حزب الله بتسليم القوات السورية قاتلي ثلاثة من كبار المسؤولين في أمل في سبتمبر «أيلول» الماضي وهم: داوود الداوود، ومحمد الفقيه، وحسن سبيتي. ولكن حزب الله رفض مطالب أمل ومعها مشروع الشيخ شمس الدين.

وأخيرًا توجه علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الإيراني إلى دمشق واجتمع بالمسؤولين السوريين وبطرفي النزاع... وبعد ٣٦ ساعة من الاجتماعات قال حسين موسوي وهو من قادة حزب الله: إن الطرفين سيبدآن وقفًا لإطلاق النار، كما سيوقفان الحملات الدعائية وسيتبادلان الأسرى ويتعهدان باحترام الحدود المتفق عليها لنشاطهما السياسي في لبنان.

فما هو الاتفاق الذي تم بين طهران ودمشق والذي بموجبه أعلن عن توقف القتال بين أمل وحزب الله؟ لقد سبق لطهران أن أعلنت عن نيتها توحيد حركة أمل مع حزب الله بعد التخلص من المنافقين والمندسين في أمل والمجلس الإسلامي الشيعي الذي اتهمه وزير داخلية إيران علي محتشمي بأنه منحاز لأمل. وقال محتشمي لشمس الدين عند زيارة الأخير لطهران: يجب القضاء على العناصر العميلة داخل حركة أمل والمجلس الإسلامي الشيعي.

مشروع إيراني:

وكان رفسنجاني رئيس مجلس الشورى أكثر وضوحًا حين قال لشمس الدين إن الاتفاق مع السوريين قد تم حول الجهة التي يجب أن تمثل الشارع الشيعي بجميع اتجاهاته. وتفيد بعض المصادر أن هناك مشروعًا إيرانيًا بتحويل أمل إلى تنظيم سياسي وتغيير قيادتها وحل ميليشياتها وإنشاء الفيلق ۱۱۰ من جميع المقاتلين وإنشاء مجلس إسلامي موسع يضم قيادات من جميع الطوائف الإسلامية في لبنان.

فهل وافقت سوريا على المشروع الإيراني في ظل أزمتها المالية وصعوبة تنفيذ مشروعها الأمني في لبنان في ظل معارضة الموارنة وحزب الله والفلسطينيين؟ أم أن اتفاق نبيه بري مع الفلسطينيين جاء بدون موافقة دمشق- وهذا مستبعد- وبالتالي كان لا بد من تقليم أظافره سيما وأنه فشل في معاركه مع الفلسطينيين ومع حزب الله؟ أم أن الوفاق اللبناني قادم ضمن الوفاق الدولي الذي يقضي بإقفال ملفات الصراع الإقليمي ومن ضمنها الملف اللبناني؟

الملف اللبناني والملف الفلسطيني

إن هناك حديثًا عن تحسن العلاقات بين دمشق ومنظمة التحرير ولا شك أن الملف اللبناني مرتبط بالملف الفلسطيني وأن السعي لإقفال الملف الفلسطيني لا بد أن يرافقه سعي لإقفال الملف اللبناني. ولا شك أن تحرك الجامعة العربية واللجنة السداسية العربية ومساعي المصالحة بين دمشق وبغداد وتوقف حرب الخليج والصراع على الوجود والنفوذ والطرح الأيديولوجي والسياسي على الساحة اللبنانية كل هذه خيوط متشابكة يصعب الفصل بينها كما ذكرنا في مطلع هذا المقال.

إن الحسم العسكري لم يعد ممكنًا على أرض لبنان مثلما أن تصفية الانتفاضة على أرض فلسطين لم تعد ممكنة بكل وسائل القمع "الإسرائيلية" الأمريكية ولذلك كان لا بد من طرح المشاريع التسووية بمشاركة جميع القوى السياسية الفاعلة على الأرض ولهذا يبدو أن الولايات المتحدة التي استأثرت بالمنطقة في ظل الوفاق الدولي تريد أن تتعامل مع جميع الأطراف بما يحقق لها الهيمنة دون أن تشعر أي طرف بأنه فقد مواقعه وإن لم يكن قد حقق كل طموحاته في ظل تعارض الطموحات.

دور القوى الإسلامية:

والسؤال الذي يطرح نفسه ملحًا هو: كيف تتعامل القوى الإسلامية على الساحة اللبنانية والساحة الفلسطينية في ظل معادلة الوفاق الدولي دون أن تقع في حبائك المخطط الرهيب لتركيع المنطقة وتفسيخها وسلب هويتها وكياناتها العربية الإسلامية وفي نفس الوقت لا تقف متفرجة مبهورة وكأنها لا تملك من أمرها شيئا؟ هذا هو السؤال... وعلى القوى الإسلامية أن تبحث عن الجواب

 

الرابط المختصر :