; هل يكون الإسلام - كما كان اليسار - أمريكياً؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل يكون الإسلام - كما كان اليسار - أمريكياً؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 73

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 22-يناير-1980

لئن طرح هذا السؤال بسبب ارتداء «الزي الإسلامي» من قبل الولايات المتحدة في معرض هجومها على الغزو الروسي لأفغانستان أو بسبب الأزمة الأمريكية الإيرانية فلا بد أنه كان مطروحا في الإدارة الأمريكية حيال أنجع السبل للتعامل مع ظاهرة انبعاث الإسلام. وخير دليل على ذلك المقابلة التي أجراها في بداية هذا الشهر مع مجلة «يوم. أس . نيوز» مستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريزنسكي والتي من خلالها سنحاول الإجابة على السؤال ومقارنة ذلك بتجربة «اليسار الأمريكي».

من المعروف أن الولايات المتحدة بدأت اهتماماتها بالعالم الإسلامي عقب الحرب العالمية الثانية وبالذات بعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨، وكان من نتيجة الحرب أن تشكل في العالم معسكران: الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكان من الطبيعي أن تقوم أمريكا بسد الفراغ الذي نشأ عن أفول نجم الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي خاصة في العالم العربي والإسلامي ومنذ ذلك الحين ارتبطت مصلحة إسرائيل بأمريكا، وكان على هذه الأخيرة أن تتعهد بدعمها عسكريا وماديا وسياسيا إلى أبعد الحدود، ولتنفيذ هذه السياسة فضلا عن تحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية في العالم الإسلامي الذي عانت معظم أقطاره من الاستعمار، فقد لعبت أمريكا ما أسماه بعض المراقبين المسلمين بلعبة «اليسار الأمريكي» وذلك عن طريق تشجيع قيام أحزاب سياسية أو دعم أنظمة حكم عسكرية ثورية ترفع شعار التحرر والوطنية والتقدمية والاشتراكية وضرب «الرجعية» إلى آخر ما حواه قاموس الثور بين الاشتراكيين من ألفاظ ومصطلحات تتناسب مع طبيعة المهمة «الثورية»! ولما كان غرضنا هنا هو مجرد الربط والتذكير فإننا نذكر باختصار أهداف أمريكا من تبنيها «لليسار الأمريكي» كالتالي:

  • التمهيد نفسيا وفكريا للقبول والاعتراف بالوجود اليهودي في فلسطين باعتبار أن المهم هو إزالة الشكل العنصري الرجعي لدولة إسرائيل، وقد رأينا كيف أن منظمة التحرير الفلسطينية كنتيجة لذلك طرحت الدعوة إلى ما يسمى «بالدولة العلمانية» أو «الديمقراطية».
  • إثارة القلاقل وعدم الاستقرار وتعميق عوامل التفرقة والتشتت في صفوف المسلمين وتهيئتهم للوصول إلى نتيجة مؤداها- كما ينادي بذلك الآن بعض الحكام العرب أن المسلمين ليس لهم طريق للخلاص والتقدم إلا بالارتباط بأمريكا.
  • حرب العقيدة الإسلامية وإخماد جذوة الإيمان في نفوس المسلمين وذلك عن طريق سيطرة اليسار على أجهزة الإعلام ونشر الكتب والصحف المعادية للإسلام فكرا ونظاما، وتصفية الحركات الإسلامية كما حدث في مصر عامي 1954، 1965م.
  • تفويت الفرصة على الاتحاد السوفياتي الذي كان مرشحا على الأقل في أعقاب الحرب العالمية الثانية لكسب الشعوب الإسلامية تحت شعار تأييد حركات التحرر الوطني من الاستعمار والإمبريالية وتقديم العون المادي خاصة السلاح.

ومن الأمثلة القريبة على اليسار الأمريكي نظام سياد بري في الصومال الذي رفع شعار الاشتراكية وبدأ بحرب الإسلام فأحرق في مستهل حكمه عشرة من العلماء المسلمين لاعتراضهم على قانون الميراث الجديد الذي ساوى بين الرجل والمرأة خلافا لنص القرآن فها هو اليوم يعرض قواعده العسكرية على الولايات المتحدة لاستعمالها منطلقا لعمليات تستهدف المسلمين. وهذا حفيظ الله أمين الذي أطاح به السوفيات في أفغانستان يتهم بأنه «عميل للإمبريالية» وأنه كان على صلة بالمخابرات المركزية.

ونقرأ اليوم عن حاكم عربي في بلد أفريقي أنه سيحسن من علاقات بلاده مع أمريكا وأنه يتمنى أن ينجح كارتر في الانتخابات وهو لم يترك شعارا «ثوريا» أو «اشتراكيا» إلا رفعه.

هكذا كان دور اليسار الأمريكي، ولكن الأمور لم تسر تماما كما تريد أمريكا فبمجرد أن نعت هزيمة عام ١٩٦٧ جميع الأنظمة العربية أخذت الشعوب المغلوبة على أمرها تدرك أن لا طريق لها إلا الله ولذلك برزت ظاهرة الانبعاث الإسلامي على مدار عقد السبعينات، ولكن كيف تكون السياسة الأمريكية حيالها إذن؟ وكان الجواب بالطبع كما سنلمح من حديث بر يزنسكي هو «الإسلام الأمريكي»!

«الإسلام الأمريكي»!

في ورقة «اليسار الأمريكي» استطاعت أمريكا أن تضرب الحركات الإسلامية، ولكنها اليوم لا تستطيع ذلك لأن الشعوب الآن كلها تقف في صف واحد مع الحركة الإسلامية ونحن هنا لا ننفي احتمال تصفية بعض قيادات الحركة الإسلامية بل الذي نؤكده أن حرب الإبادة الجماعية غير ممكنة فسياسة «الاحتواء» إذن هي الممكنة والمطالبة «بإسلام أمريكي» هو الحل المطلوب ولكن ما هو هذا الإسلام وما هي مواصفاته؟

في المقابلة التي أشرنا إليها وكما نقلتها جريدة السياسة تاريخ 8/1/1980 يقول بر يزنسكي «أولا ينبغي أن نعلم أن العالم الإسلامي بعد مئات من السنين التي قضاها في ظل الديمقراطية الأجنبية المباشرة بدأ يدخل في طور اليقظة الدينية والسياسية وهذه اليقظة أو الانتفاضة يمكن أن تتخذ مظاهر إيجابية أو سلبية ومن الواضح أن المصلحة الأمريكية تقتضي أن تكون هذه المظاهر إيجابية».

ثم خص الشرق الأوسط في حديثه وقال «إن عملية التغيير الاجتماعي يجب أن تكون سلمية».

والسلمية هذه فيما يخص ظاهرة الانبعاث الإسلامي ربما تعني:

  1. عدم المجابهة كما أسلفنا، بل إعطاء قدر من الحرية لممارسة الشعائر التعبدية ونشر الكتب، والمطبوعات، وإقامة الندوات، والمؤتمرات..
  2. السماح بتطبيق بعض العقوبات الإسلامية كحد الزنا، والسرقة، والرجم، والقتل.

وإذا كان الإسلام الذي يريده بريزنسكي لا يتعارض مع المصلحة الأمريكية ولا يناقض الصلح مع اليهود فإن المراقب المسلم يتساءل بشيء من الحسرة والألم والقلق: هل يعني هذا أن أمريكا لا تمانع الآن بقيام حكم له كل شارات الإسلام وأزياء الإسلام وأنظمة الإسلام كما يفهمها فقهاء الإسلام الأمريكي بالطبع؟ وإذا كان هذا صحيحا فأين يقف علماء الإسلام مما يدبر لدينهم وعقيدتهم باسم وشعار الإسلام؟؟

هذه مجرد أسئلة للذكرى عسى الله أن ينفع الدين بها ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(الذاريات: 55)ع. ص

الرابط المختصر :