العنوان أزمة كبيرة في اليمن بين المؤتمر الوطني والإصلاح بسبب الانتخابات القادمة
الكاتب مالك الحمادي
تاريخ النشر الاثنين 02-سبتمبر-1996
مشاهدات 61
نشر في العدد 1215
نشر في الصفحة 30
الاثنين 02-سبتمبر-1996
فجرت التحضيرات الأولية للانتخابات النيابية - المتوقعة في اليمن عام ١٩٩٧م. أعنف أزمة بين حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يترأسه الفريق علي عبد الله صالح، والتجمع اليمني للإصلاح الذي يترأسه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.
ومحور الأزمة يتركز في الاتهامات التي وجهها الإصلاح» إلى اللجنة العليا للانتخابات التي يهيمن عليها المؤتمر بأنها قد سخرت كل إمكانياتها لصالح حزب المؤتمر، ابتداء من ارتكاب المخالفات القانونية في أعمالها، وانتهاء بعمليات التزوير الواسعة التي شهدتها لجان الانتخابات في عدد من محافظات اليمن.
وكانت الشرارة التي اشعلت الأزمة – المحصورة الآن في الصحافة - تتمثل في حكم قضائي ادان مخالفة اللجنة العليا للانتخابات والزمها بالتقيد بنصوص القانون في عدد من المسائل الإجرائية التي تجاوزتها اللجنة، وخاصة فيما يتعلق بتشكيل لجان قيد أسماء الناخبين في كل مركز انتخابي كما يقضي قانون الانتخابات اليمني.
من جهته، أعلن أحد أعضاء اللجنة العليا رفضها للحكم القضائي، لكن إقدام القضاء على إدانة اللجنة شجع الإسلاميين على رفع عدد آخر من القضايا ضد الحكومة ووزارة الدفاع واللجنة العليا للانتخابات بسبب ما اعتبر أنه مخالفات خطيرة تورطت فيها الأجهزة الإدارية والأمنية في السلطات المحلية في المحافظات
وبالنسبة للحكومة - ممثلة برئيس الوزراء. فقد اتهم أصحاب الدعوى الحكومة بأنها مسؤولة قانونياً ودستوريا عن الأجهزة التابعة لها التي نشطت فتزوير كشوفات الناخبين، ابتداء من المحافظين وغيرهم من المسؤولين سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين، أما وزير الدفاع فقد كان من نصيبه . أيضاً. قضائية باعتباره المسؤول الأول يستوريا عن القوات المسلحة.. إذ كشفت الدعوى أنه تم استخدام ممتلكات تابعة للجيش في المرحلة الأولى للانتخابات لصالح طرف سياسي، بينما استخدمت قيادات الجيش كل نفوذها. ووفقا لخطة دقيقة في توزيع أفراد القوات المسلحة على الدوائر الانتخابية وإجبارهم على التسجيل فيها - بل وفي أكثر من دائرة - مع تهديدهم بحرمانهم من الرواتب إن لم يستجيبوا للأوامر.
وصار واضحاً أن الجيش اليمني يراد استخدامه في الانتخابات لترجيح كفة حزب المؤتمر الشعبي ولما كانت أعداد الجيش كبيرة وقادرة على ترجيح كفة أي مرشح مهما كانت شعبيته، فكان هذا الأمر بالذات هو القشة التي قسمت ظهر البعير وفجرت الخلاف السياسي الراهن في اليمن، إذ إن استمرار الأمور كما هي عليه الآن معناه أن نتيجة الانتخابات القادمة قد حسمت تماماً، وأن حزب المؤتمر سوف يحقق هدفه في إحراز أغلبية كبيرة، مع حصول الأحزاب الأخرى على مقاعد ضئيلة لا تجعلها ذات تأثير في الحياة السياسية.
ولم يكتف العديد من المحامين برفع القضايا المذكورة سلفا، بل واصلوا رفع دعاوى أخرى تختص بالأخطاء والمخالفات التي ارتكبتها . وما تزال - اللجنة العليا للانتخابات، وهو ما يوضح أن المعترضين على المخالفات ومنهم الإسلاميون المشاركون في السلطة - قرروا أن يجعلوا القضاء هو ساحة مواجهتهم لعملية التزوير القادمة يشجعهم على ذلك الحكم الصادر ضد اللجنة العليا بشأن اللجان الفرعية للانتخابات.
وعلى الرغم من أنه لا يبدو أن هناك رغبة لدى اللجنة العليا للاستجابة للقضاء.. إلا أن الحماس في مقاضاتها يزداد بقوة. فعلى الأقل سوف تسقط شرعية أي مجلس نواب قادم في نظر المواطنين الذين ساندوا الدولة اثناء حرب الانفصال تحت دعاوى كثيرة كان من أهمها أن الانفصال خروج على الشرعية الدستورية، بالإضافة إلى أن هناك قناعة بأن النظام يحرص على مثل هذه الشرعية أمام الدول الغربية التي تدعمه ماليا وخاصة فيما يختص ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية، ولا شك أن هذه الدول يهمها - ولو ظاهريا - مستوى الممارسة السياسية والبرلمانية في اليمن.
وعلى صعيد الساحة الانتخابية، فبالإضافة إلى موضوع القوات المسلحة، فهناك كذلك الممارسات التي تجري في الدوائر حيث يسيطر المؤتمر الشعبي على غالبية هذه اللجان التي تنفذ أوامره في توجيه أعمالها بما يخدمه، فانتقال اللجان من مركز إلى آخر يتم وفقا لمستوى شعبية الحزب، بحيث تهمل المناطق المعادية أو يتم تقليل أيام التسجيل فيها، كما أن عملية التسجيل نفسها تتم بلا ضوابط واضحة فالذين ليسوا من أنصار المؤتمر يجدون متاعب في التسجيل تصرفهم عنه.
وثمة قضية أخرى خاصة بالنساء.. فقد كان واضحاً في انتخابات ۱۹۹۳م أن نسبة النساء المؤيدات للإسلاميين كانت كبيرة، بل ورجحت كفتهم في عدد من الدوائر ولذلك فقد كانت هناك توجهات في عرقلة تسجيل النساء المشكوك فيهن، مما أدى إلى قيام النساء باعتصامات ومظاهرات احتجاجا على عرقلتهن من التسجيل.
وحتى ساعة كتابة هذا التقرير، لا يبدو في الأفق أن هناك تراجعاً عن ممارسات التزوير، وهو ما يرشح الأزمة بين شريكي السلطة للتفاعل والاستمرار خاصة وقد صاحبتها حملة إعلامية لم تعرفها أبداً العلاقة بين المؤتمر الشعبي والتيار الإسلامي.
- الحوار مع المعارضة
وفي خضم الأزمة التي أشعلتها الانتخابات أعلن الإسلاميون عن إجراء سلسلة من الحوارات مع أحزاب المعارضة بهدف تكتيل الجهود لمواجهة التزوير والخروقات القانونية.
هذا الحوار قوبل بحملة صحفية شرسة من قبل إعلام المؤتمر الشعبي العام، رغماً عن التصريحات الرسمية لقياداته التي حاولت إظهار. ترحيبها بالحوار، لكن جملة التعليقات والتداولات لإخبارية في صحافة المؤتمر كانت تعبيراً واضحاً عن الغيظ من الخطوة المفاجئة التي أقدم عليها الإسلاميون، فقد ظهر المؤتمر وكأنه معزول من الآخرين وهدفا للاتهامات بالقيام بعملية التزوير اللجنة العليا للانتخابات في تحديها للقضاء ودعم واستمرارها في ارتكاب المخالفات.
ومع أن الحوارات بين الإسلاميين وأحزاب المعارضة لم ينتج عنها شيء عملي حتى الآن، إلا أنها حركت مياه المعارضة الراكدة، ونفخت فيها روحاً جديدة بعد أن شل اليأس والعجز والخلاف حركتها وجعلها عاجزة حتى عن مواجهة الحكومة قضائيا بينما عندما قرر الإسلاميون مواجهة المخالفات الانتخابية تحركوا بقوة وهزوا الجهات التي اتهموها بالتزوير أو المشاركة فيه، وبدأت للمرة الأولى تتعالى اصوات تتحدث عن انعدام شرعية المجلس القادم، وبالتالي كل ما يترتب عليه مستقبلا.
وبصفة عامة فإن هناك رأياً يدعو إلى إلغاء كل نتائج تسجيل الناخبين التي شابها التزوير وإعادة العمل من جديد بعد الالتزام بضوابط واضحة في الإشراف على العمل، وإشراك كل القوى السياسية فيها.
لكن يبدو أن مثل تلك المطالب والآراء ستظل عاجزة عن مواجهة رغبة خفية في التحول إلى نماذج اخرى لبعض الدول العربية في التعامل مع العمل السياسي التعددي، حيث الحكومة والحزب الحاكم هما كل شيء في البداية والنهاية.