; الشهادة في عصر البلادة | مجلة المجتمع

العنوان الشهادة في عصر البلادة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1598

نشر في الصفحة 66

السبت 24-أبريل-2004

تتنازع نفسي الأشواق إلى إخواني الذين غادروا الدنيا، وإخواني الذين لا زالوا أحياء.. وإن كان حال اليهود يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ (البقرة: 96) فحالنا نحن يصدق عليه قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: 72)، ولكل إنسان أجل، وأجل الإنسان لا يتأخر.. وإذا جاء أجلي فاللهم اجعلها شهادة .

كانت هذه كلمات المجاهد عبد العزيز الرنتيسي- رحمه الله- في مقابلة أجرتها معه محطة «أم بي سي» بعد يومين فقط من إستشهاد الشيخ أحمد ياسين ولم يتم بث المقابلة في حينها وقد إستجاب الله دعاء الرجل وألحقه بإخوانه في قافلة الشهداء. 

ولسنا هنا بصدد البكاء على الرجل، فطبيعي أن لا نبكي على من يفوز وينتصر في إمتحان الحياة ويعيد عهدة الروح التي لديه إلى بارئها بعد أن تأخر موعد الشهادة في القصف الإسرائيلي الأول ثم نالها أخيراً ورنتسها كما يريد.

ولسنا هنا بصدد الولولة والنواح والبكاء على ما وصلت إليه حال أمتنا على الرغم من وجودها في غرفة الإنعاش وتتداول شئون حياتها عبر التنفس الصناعي في إنتظار فسحة من أكسجين الحرية والعزة والشموخ.

ولسنا هنا بكل تأكيد لنكيل اللعنات إلى الصهاينة اليهود والصهاينة الأمريكان، وإلى أذنابهم الواطية الذين يريدون أن ينقلوا لنا هواءهم الفاسد ليجهزوا على ما تبقى من نظافة الزمان وفسحة المكان حتى لا يعود للأمة منفذ غير التسليم بضرورة التهامهم لكبسولات «الزمن الأمريكي الرديء» للنجاة من تهمة الإرهاب. 

إن طريق الشهادة عزيز وصعب المنال وخاصة عندما تطلب الشهادة في عصر البلادة ذلك العصر الذي يسوقون فيه الراب الأمريكي، ليكون بديلاً عن سورة الأنفال.

نعم.. لقد أصبحت الخيارات أمام نهج المقاومة صعبة وضيقة بعد أن تخلى البعيد واكتفى القريب بالشجب والإدانة ولم يعد من خيار أمام المقاومة إلا بأن تسلم وتقبل بأن تسقي ربها خمرا وإلا فلتنتظر أن يأكل الطير من رأسها .

وحتى بعض هؤلاء الذين اكتفوا بالشجب.. لم يشجبوا وحشية العدو، وهمجيته، بل شجبوا تعطيل عملية الاغتيال لعملية السلام وتعقيدها ولولا ذلك لكان لسان حالهم يقول إلى حيث ألقت فهؤلاء أنفسهم لديهم العشرات من أمثال الرنتيسي في السجون والمعتقلات والمقابر مثلما كان لديهم العشرات من الشيخ أحمد ياسين ولاقوا نفس مصيره.

إن أمة تعيش الرقص وتتنفس والنقص، لا يمكن أن تنتصر.. وإن أمة راياتها «بيضاء» وسهراتها «حمراء»، وموائدها «خضراء»، وأفكارها «صفراء»، وسماءها «سوداء» لا يمكن أن تنتصر لأن عمى الألوان والإتجاهات يسيطر عليها.. وإن أمة شجاعها جبان وجهادها سلام، وثقافتها أفلام وبطولاتها أوهام لا يمكن أن تنتصر ..

إن للنصر سنن وشروط لابد من تحققها حتى يتحقق النصر وإلى ذلك الحين نرجو من المجاهد عبد العزيز الرنتيسي أن ينقل سلامنا من عالم الأموات حيث نعيش إلى عالم الأحياء حيث يعيش..

الرابط المختصر :