; ملف العدد.. قطاع الطريق !! (١) | مجلة المجتمع

العنوان ملف العدد.. قطاع الطريق !! (١)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 81

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 12

السبت 30-يوليو-2011

حين خلق الله تعالى الإنسان كرمه وأسجد له ملائكته، وبصره طريق الخير والشر، ومنحه من الوسائل ما يعينه على المهمة العظيمة التي من أجلها خلق وامتن عليه بذلك فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَين ﴾ (البلد 8،9،10 ) ، كما دعاه إلى سلوك الصراط المستقيم والثبات عليه، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبَعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (سورة الأنعام 153) ، ذلك لأنه الصراط الذي يضمن له البلوغ إلى ما يرجو ويأمل، ويحفظ له كرامته كإنسان مكلف له إرادة معتبرة واختيار حر وعقل مفكر وقلب واع.

فهل يسلم الإنسان ويمشي آمناً على صراط الله المستقيم حتى يصل إلى نهاية المطاف أم أن هناك من يريد أن يقطع عليه طريقه بغياً وحسداً، أو إغراء وفتنة، أو كبراً وغروراً ؟! وكأني بهذا الطريق نسلكه فنجد هناك من يقف عليه من قطاعه الذين تعددت أسماؤهم فتنة، وتنوعت أشكالهم تمويها، وتزينت ظواهرهم خداعاً، وفاحت رائحتهم اقتطاباً وجذباً وهم الذين يبغون القلوب غلفاً، ويعيثون في النفوس فسادا، ويروعون السالكين فجاجه من عباد الله عز وجل في كل وقت ليشوشوا عليهم أفكارهم ويلبسوا عليهم دينهم ويصدوهم عن السبيل.

لذا فإن من سار على طريق الله المستقيم فليثبت وليأخذ حذره من الوقوع في قبضة قطاع الطريق أولئك الذين يقفون له بالمرصاد ليقطعوا عليه سبيله ليقف دون حراك، أو يلجئوه للعودة إلى الخلف والرجوع إلى الوراء بعد أن جد وسار...

 وليعلم أن في طريقه عقبات كؤودة وعوائق مثبطات وتحديات كثيرة ليعمل لذلك حسابا ويعد عدته من الحماية والوقاية والمناعة والتحصين حتى يمتنع منهم ويستعصي عليهم، ولا يضيره شيء من أخذ الحيطة وتوخي الحذر ولو كان منهم في مأمن، حيث أنهم يحاولون أن يقطعوا على المرء حسن عمله ويزينوا له ما قبح منه ويسلبوه أعظم وأثمن وأغلى ما يملك إن غفل لحظة عن جهادهم أو التحرز من شرهم..

 ألم أقل إنهم لصوص إذ يسرقون منه الخير إفسادا، ويشوشون صورة الحق أمامه إضلالا، ويمدون له في الأمل زورا، ويدعونه إلى التسويف أملا، وإلى التخلف عن الركب حرصاً ، ويتربصون به مكرا ، ويتحينون فرصة للانقضاض والقضاء عليه إن استطاعواء ويدعون في نصحه حسن النية كذباً وبهتاناً مع سبق الإصرار والترصد، والسعيد من استعان بالله عليهم فأفلت منهم بل وحذر الناس من بطشهم وشرهم، ليأمن على نفسه وذريته من بعده، وينجو معهم ويسعد ويفوزوا جميعا في الدنيا والآخرة.

حرص الإنسان على النجاة

 وقد جبل الله تعالى كل إنسان محباً لنفسه حريصا على النجاة بها، وإن اختلف شكل هذا الحب ومقداره من شخص لآخر، وإن تنوعت طرق النجاة وتعددت أشكالها، وإن اتخذت أشكالا سلبية أو إيجابية على السواء فالجميع يظن أن ذلك غاية الأخذ بها إلى بر الأمان والنجاة الذي يظنه ويراه... 

ومن أجل ذلك فإن هناك من لا يرى سبيل نجاتها إلا في محيط الحياة في الدنيا؛ حيث لا يفكر في الآخرة ولا يرجو ثوابا أو عقاباً وهؤلاء هم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر تمام الإيمان.. تراهم ينأون بها عما يضرها في ظنهم، بما يوافق شهواتهم هم وإن لم يناسبها، فيحققون لها ما تشتهي وتهوى ويظنون أن في ذلك النجاة لها كل النجاة ...

أما عباد الله الصالحون الذين آمنوا بالله حقا ورضوا به ربا فإنهم يسلكون سبيل النجاة المرسوم لهم من عنده، ولو تكبدوا في محاولة طلبه كثير مشقة أو تعب أو عناء، وهم في ذلك يعلمون أن قطاع ولصوص الطرق المتربصين كثيرون وأنهم يمنعون الناس من السير إلى الخير ويصدونهم عن سبيله، وربما كان بعضهم قريبا غاية القرب منه كنفسه التي بين جنبيه حين تنقلب عليه فتصبح عدواً لدوداً قاطعاً لسيره الجاد على طريق الله عز وجل، فإن ترك لها الزمام لا تلبث أن تتحول إلى أمارة بالسوء قولا وفعلاً وخلقاً، ثم تنضم إلى غيرها من ثلة الأعداء المناوئين له، من شيطان رجيم يأمر بالفحشاء والمنكر، ودنيا مؤثرة فاتنة تصبح غاية لا وسيلة، وهوى مضل متبع يأمر وينهى صاحبه ليكونوا مجتمعين عصابة من قطاع الطريق التي تعمل في الجهر والسر وتخطط في العلن والخفاء.. لذا فإن عباد الله المخلصين قد تنبهوا وتربصوا ورصدوا تحركات هؤلاء القطاع وجلسوا لهم بالمرصاد، واستعانوا بالله فلم يكن لقاطع عليهم من سبيل، وصدق فيهم قوله تعالى لعدوهم الأول - الشيطان الرجيم - : ﴿ إن عبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وكيلا﴾ (الإسراء 65)  فتناصحوا فيما بينهم بجهاد هذا العدو الشرس إذ هو زعيم العصابة ! ورفعوا شكايتهم إلى ربه ومالكه ليكف عنهم بأسه، وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : فإن عاد ؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وارده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك.

وحتى يتم الاصطفاء وتتحقق عبودية المخلوق لخالقه جعل الله الدنيا دار تمحيص وابتلاء ومحل اختبار وبلاء، وجعل الطريق إلى النجاة محفوفا بالمكاره، ومحاطا بالعديد من الشهوات والفتن والشبهات فصارت حياتنا الدنيا أشبه بقاعة كبيرة تجرى فيها امتحانات القبول لدخول الجنة عند رب العالمين، وكانت أعمارنا هي الزمن المحدد لنيل درجة الرضا منه في هذا الامتحان الكبير، أما صدق إخلاصنا وقوة إيماننا فهي علامة النجاح والتفوق والترقي التي نجتاز بها طريق الوصول إليه. وقد قال لنا ربنا مذكراً : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ (الملك 2).

والعاقل الكيس من أخذ من الحياة عدته وشحذ فيها همته وتسلح بأسلحة القوة والأمان في وجه كل من أراد أن يقطع عليه الطريق إلى ربه  وقد فطن لذلك الصالحون فعلموا أنهم فيها على مفترق الطرق وعما قريب سيصلون إلى مستقرهم ومأواهم فحاولوا التعرف على الطريق الصحيح ليسلكوه، وتحرزوا ممن يقابلهم على طوله من لصوص وقراصنة وأعداء الحرية والأمان، ولجؤوا إلى الله تعالى لينصرهم وطلبوا منه الصبر والثبات والحفظ حتى نهاية المشوار.

عليك بأسباب النجاة والوصول 

ومن طلب هذه النجاة حقا فعليه أن يأخذ بأسبابها، ولا يحتكر الخير لنفسه، وليكن من أولئك الأبرار الذين كانوا يتواصون على ذلك ويدعون إليه ويشحذون الهمم لصعود القمم، ويحذرون من السقوط والتردي، فكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه  يحذر أن يقطع الطريق علينا قاطع مهما كان، ظاهراً أو خفيا، وإن تلون لنا وأظهر حسناً، فيقول: « إن الدنيا قد ارتحلت مديرة، وإن الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وأهل النار في النار معذبين شرورهم  مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما لعقبى رحلة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا يطلبون فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظر إليهم ناظر فيقول: مرضى؟ وما بالقوم من مرض، وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم ».

وكان يقول: «إنما أخشى عليكم من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، وإن اتباع الهوى يصد عن الحق .. إن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ».

ألا وإن رمضان فرصة للنجاة من شرور قطاع الطريق أولئك فهلم أيها الصائم إلى الدفع والمدافعة تفز وتفلح ..

الرابط المختصر :