العنوان نحو قانون أفضل.. وقفة مع الدستور .. (الحلقة 6)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1977
مشاهدات 71
نشر في العدد 340
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 08-مارس-1977
أردت بهذه الكلمة حول المادة الثانية من الدستور، أن تكون عملية التشريح التي أجريتها عليها في تجرد وإخلاص، قد آتت ثمارها وأضحت كل خفايا الداء الوبيل الذي تحمله تلك المادة الخطيرة في ثناياها، على الرغم من مظاهر الصحة والعافية التي تبدو للوهلة الأولى على ظاهر النص.. والشعوب الإسلامية والعربية اليوم ما عادت تتعامل مع الظواهر اللماعة البراقة، بعد أن ثبت لديها أن السراب أشد ما يكون خداعًا ورياءً عند الهجير ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. واستكمالًا لكل الحقائق التي أوردتها في المقالات السابقة، والتي كشفت بها عن خطر وخطل التفسير الذي ساقه واضعو النص، وتابعهم فيه المشرع الكويتي.. أضع أمام كل مخلص أمين العبارات التفسيرية والمبررات الغريبة التي قدموها دفاعًا عن رفضهم لعبارة «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، حيث قالوا:
«إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر، في أي أمر واجهته الشريعة بحكم؛ مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ، إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور، وبخاصة في مثل نظم الشركات، والتأمين، والبنوك، والقروض، والحدود، وما إليها»!! وهذا هو بيت القصيد.
ولنأخذ هذه العبارة في شيء من التفصيل: فواضع الدستور يقرر سلفًا أنه يرفض أن تكون السيادة للشريعة الإسلامية، ويرى أن الضرورة تقضي بتعديل مسارها وتعطيل أوامرها الإلهية، بل إنه يدعو لأكثر وأكبر وأخطر من هذا، إنه يدعو في إصرار المشرك على ضلاله وكفره إلى العدول عن شريعة الله، إذا ما تعارضت الشريعة مع نص وضعي. فهو يقول في صراحة بأن النص على أن الشريعة الإسلامية هي «المصدر الرئيسي» يمنع المشرع من العدول عنه إلى مصدر آخر يستقي منه تشريعاته، خاصة إذا كان للشريعة حكم محدد قاطع، وأراد المشرع مخالفته صراحة مع سبق الإصرار على هذه المخالفة!! وهنا يرى واضع الدستور أن النص المعرف بالألف واللام «المصدر الرئيسي» يوقع المشرع في حرج بالغ.. نعم هكذا وفي غير حياء من الله.. في حرج بالغ!! أمام من؟ أمام الله؟ بالطبع لا، بل أمام الضرورات العملية!! وبالتحديد القاطع: الضرورات التي تحمل المشرع على التمهل في التزام رأي الفقه في بعض الأمور..»!!
«التمهل في التزام رأي الفقه»؟! ماذا تعني هذه العبارة في مدلولها الصريح وفي إطار الردة والنكوص والدعوى للخروج عن شرع الله؟ إنها تعني في وضوح ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام المشرع الوضعي، ليجد من المبررات والمسوغات والعلل، ما يعينه على تعطيل المبادئ والأحكام والنصوص الشرعية القطعية، تحت ستار من «الضرورات العملية» التي لا تقف عند غاية.. وهذا هو عين ما قصد إليه واضع الدستور، حين أشار صراحة من قبل، إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية- بمعنى الفقه الإسلامي- يجوز تحويرها إذا كان «من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيًا مع ضرورات التطور الطبيعي»!!
إذن فضرورات التطور الطبيعي، والضرورات العملية هي مفتاح الخروج على شرع الله! ومن هنا ذكر واضع الدستور الأمثلة على ذلك بغير تردد.. وهي أمثلة على نوعين: الأول منها يقف إلى جانب نصوص الشريعة الإسلامية كتفًا إلى كتف، فيقرر واضع الدستور في المذكرة التفسيرية بأن نص المادة الثانية من الدستور «يسمح مثلًا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية»؛ وكان من نتائج هذا الترخص الخطير في الدستور أن المشرع هنا في الكويت، قد أخذ بالشق الأول وهو «الأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة» وأهمل الشق الثاني تمامًا وهو «الحدود الواردة في الشريعة الإسلامية». وهذا هو المنعطف الخطير، والثغرة الكبيرة التي تنفذ من خلالها كل المخالفات، التي قصد إليها واضع الدستور عمدًا وإصرارًا، وثاني النوعين يصادم الشريعة ويصارعها، بل ويطالب صراحة بتنحيتها عن طريق القوانين الوضعية؛ لينفسح أمامها المجال للتطبيق دون عوائق!! ومن ذلك ما أشار إليه واضع الدستور في مجال تعدادها بقوله: «مثل نظم الشركات، والتأمين، والبنوك، والقروض، والحدود، وما إليها»!! كل هذه السلسلة يجب أن تخرج عن دائرة الشريعة الإسلامية.. وحتى الحدود- التي أدخلها واضع الدستور منذ قليل في إطار الشريعة الإسلامية- عاد مرة أخرى فوضعها في قائمة الدائرة المغلقة في وجه الشريعة الإسلامية.
وكل هذه المحظورات التي حددها واضع الدستور في مذكرته التفسيرية تنتظم حياة الإنسان الكويتي كلها، وهي ذات شقين ينتظم كلا منهما قانون خاص:
الشق الأول: وهو القانون الاقتصادي والمالي، والثاني هو القانون الجنائي أو قانون الجزاء.
وقد استجاب المشرع الكويتي لكل ما جاء عن هذه المادة الثانية في مذكرتها التفسيرية، وأخذ بها حرفيًّا، حين أقصى الشريعة الإسلامية، وأخذ بمبدأ إقرار الربا أو سعر الفائدة في المعاملات الاقتصادية كلها.. وحين أخذ بقانون الجزاء الوضعي، وترك جانبًا تطبيق الحدود الشرعية وفقًا لما نص عليه الإسلام.
فهل بعد كل هذه التعرية- التي كشفت عن حقيقة وخبايا ومنعرجات المادة الثانية من دستور الكويت- تبقى هذه المادة بلا تعديل أو تفسير يرد إلى الشريعة الإسلامية مكانتها وحقها الإلهي في الهيمنة الكاملة على القوانين؟