العنوان نظرات في كتاب "تبسيط العقائد الإسلامية" تأليف الشيخ حسن أيوب
الكاتب عبد الله السبت
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1972
مشاهدات 69
نشر في العدد 121
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 10-أكتوبر-1972
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد اطلعت منذ شهر أو يزيد على كتاب «تبسيط العقائد الإسلامية» تأليف فضيلة الشيخ حسن أيوب، ووجدت فيه نزعة نحو انتهاج منهاج السلف في فهم أمور الدين، وهذه خطوة جيدة، وامتاز الكتاب كذلك بسلاسة الأسلوب وحسن العرض، ولقد وُفِّق المؤلف في مناقشة أدلة وجود الخالق سبحانه وتعالى؛ فجزاه الله عنا وعن المسلمين خيرًا.
وخلال مطالعتي للكتاب أوقفتني بعض الأمور للسلف فيها رأي يخالف ما رآه فضيلة الشيخ.. ولما كان الدين النصيحة رأيت لزامًا عليّ أن أقوم بكتابة النقاط التي خالف فيها، والتي أعتقد أن الدليل خلاف ما ذهب إليه فضيلة الشيخ.
وإني لا أدّعي العصمة، وإنما أميل مع الدليل حيث مال. وأحب أن يعلم معاشر المسلمين أن الأمة المسلمة يحتاج لإحيائها إحياء حرية القول وإشاعة روح البحث وطلب الدليل، وإني أجزم أنه ليس هناك خطر أشد على الأمة وأضر من تقليد الرجال وعبادة الآراء؛ لذا كل منا مطالب بأن يفحص ويدرس ويحكم بعد ذلك حتى وإن كان الحكم لا يحبه هو؛ فالعدل مطلوب في الأحكام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).
وهذه هي النقاط أسوقها كما ذكرها فضيلة الشيخ:
المسألة الأولى: قال فضيلته ص ۱۷ «كذلك يكفر من كذّب شيئًا من النصوص الشرعية الثابتة يقينًا كآيات القرآن وأحاديث الرسول المتواترة أو استحل حرامًا ثبتت حرمته بدليل قطعي» انتهى.
قلت بيّن فضيلة الشيخ أن الشخص يكفر إذا كذب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة وعلى ذلك فلا يكفر إذا كذّب الأحاديث غير المتواترة، وإلا لما أصبح لاشتراط المتواترة معنى.
وحتى نكون على بينة من أمرنا نأتي لعرض بعض الشيء عن الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد وحجيتها، ثم نناقش هذا القول بالتفصيل فنقول وبالله الاعتصام: أما الحديث المتواتر فهو نقل كافة بعد كافة حتى تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء في العدد اختلافًا كبيرًا، وليس هذا مجال الترجيح ومناقشة ما ذهبوا إليه حول مسألة العدد، ولم يذكر فضيلة الشيخ أي الآراء يرجح. ويرى بعض العلماء أن الأحاديث المتواترة قليلة العدد حتى أنها على رأي البعض تعد نادرة إذا ما قيست بغيرها ومعظمها ليست من مسائل التشريع. وليس البحث حول حجية المتواترة، بل البحث حول حجية أحاديث الآحاد.
وحديث الآحاد في المصطلح هو غير المتواتر. وحجية المتواترة لم يخالف بها أحد من أهل القبلة العلماء، أما الآحاد فقد رأى البعض أنها تفيد المعلم الظني، ويرى ابن حزم أنها تفيد العلم القطعي، ولكن الجميع على أن الاعتقاد بها واجب وردها رد للدين. وإنما الخلاف لفظي أكثر منه عملي.
وقبل أن أسوق حجية أحاديث الآحاد أود ذكر بيان أن هذا التقسيم في الاستدلال بين الأحاديث إلى قبول المتواتر ورد الآحاد إنما مبتدع ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الكرام ولا التابعون.
وإليكم ما كتبه الأخ الكريم الأستاذ عبد العزيز بن راشد في كتابه «رد شبهات الإلحاد عن الأحاديث الآحاد» قال ص ۳۹: «والذي ندين الله به أن تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد ضلال» «قلت يقصد من حيث الاستدلال الدراسة في المصطلح»، وأغلب الظن أنها هفوة من البادئ لها أو هي مكيدة للإسهام ذاعت وانتشرت على ألسنة بعض أهله ودونها من لم يعلم أين تبلغ نتائجها السيئة والتي منها تشكيك المسلمين فيما أمرهم الله بالرد إليه ومما ثبت عن نبيهم صلى الله عليه وسلم في بيان معاني القرآن حتى أخذ بعض الناس اليوم ومن قبل يردون عموم أحاديث الآحاد ولا يقبلون منها إلا ما وافق هواهم. مع العلم اليقيني عندهم أن الصحابة لم يؤثر عن أحد منهم أنه قسم الأخبار إلى متواترة وأحادية قط. وإن التقسيم بدعة وضلالة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحكم على صاحب البدعة ومن رضي بها أنه ضال مضل» «انتهى».
قلت: إذن التقسيم مبتدع وأود أن يجيبني من يشترط التواتر من الذي فرّق بين مسائل العقيدة والشريعة واشترط للعقيدة التواتر ولم يشترطه الشريعة؟ مع أني بما أعلمه -وهو قليل من العلم الكثير- أجزم بأن هذا الشرط ليس في كتاب الله ولا في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فهل مسألة لها خطورتها بالإسلام كهذه لا يشار لها لا بآية ولا بحديث وتمضي فترة من الزمن حتى يأتي المتأخرون فيتداركون دين الله عز وجل بهذا الشرط بحجة صيانة العقيدة. فهل الله غفل عن هذه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم غفل عن هذا الباب الذي يدخل فيه الزلل للعقيدة؟ حاشا لله ثم لرسوله ذلك.
ثم هل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة عاشوا فترة وماتوا دون أن يعلموا أمرًا عظيمًا من أمور العقيدة؟ فلنتق الله فيما نقول.
لنأت الآن لنسوق الأدلة وهي بكثرتها كافية لأن تبين الحق، وأسوق هنا ما كتبه ابن حزم رحمه الله في كتاب «الأحكام في أصول الأحكام» وأنصح الجميع بمراجعة الكتاب حول هذه المسألة فقد أجاد البسط رحمه الله فقال «١ / ٩٨» ما نصه: وكذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى الجند «موضع باليمن» وجهات من اليمن وأبا موسى إلى جهة أخرى وهي زبيد وغيرها، وأبا بكر على الموسم مقيمًا للناس حجهم وأبا عبيدة إلى نجران وعليًّا قاضيًا إلى اليمن، وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما، مُعلمًا لهم شرائع الإسلام. وكذلك بعث أميرًا إلى كل جهة أسلمت بعدت منه أو قربت كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والأحياء والقبائل التي أسلمت، بعث إلى كل طائفة رجلا معلمًا لهم دينهم ومعلمًا لهم القرآن ومفتيًا لهم في أحكام دينهم وقاضيًا فيما وقع بينهم وناقلا إليهم ما يلزمهم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهم مأمورون بقبول ما يخبرون به عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وبعثة هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين ولا في أن بعثتها إنما كانت كما ذكرنا من المجال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين وما أفتوهم به في الشريعة ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لو كان ذلك لكانت بعثتهم لهم فضولا ولكان عليه السلام قائلا للمسلمين بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني ألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني، ومن قال بهذا فقد فارق الإسلام، وكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد أو محدث أو مفت واحد فنقول من خالفنا ماذا تفعلون؟ أيلزمه إذا قرأ على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه وأن يصدق أنه كلام الله تعالى ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك ولا يصدق بأنه كلام الله عز وجل، فإن قالوا يلزمه الإقرار بأنه كلام الله تعالى، قلنا صدقتم، فأي فرق بين نقلهم وبين نقلهم لسائر السنن، وكلاهما من عند الله تعالى وكلاهما فرض قبوله؟ وإن قالوا عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف أتوا بعظيمة في الدين» انتهى.
قلت: أي الرأيين يرجح فضيلة الشيخ؟
وقال أيضًا «١ / ١٠١»: «وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن والسنن وشرائع الدين، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم دينًا لم يأت هو به عن الله تعالى فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة ففرض قبوله والإقرار به والتصديق واعتقاده والتدين به» «انتهى».
قلت: هذا نص ما كتبه ابن حزم رحمه الله، وحرصت على أن أنقله بطوله لأنه وفّى المسألة، وإني أقول فوالذي نفسي بيده إن هذه الأدلة تدمغ حجج الدنيا.
وهذا نص ما كتبه الأستاذ عبد العزيز بن راشد اقرأه بتدبر لعل الله ينفعك به. وقال: «ص ۳۳»: «واعلم أنه ما من أحد من الأمة إلا وقد عمل بأخبار الآحاد لاحتياجه إليه في فهم بعض القرآن - كما دل على هذا كتبهم لا نستثني أحدًا من أهل القبلة غير المفرقين يأخذون بالآحاد في الفروع دون العقائد والتشريع العام. والتفريق تأباه الفطرة والدين والعقل».
ثم قال: «فإن قيل نحن موافقون على أنه تجب طاعة الله ورسوله وقبول ما صح عنه على من ثبت عنده وأن الجميع دين الله إلا أن أصول العقائد والتشريع العام يتعين التحري فيها أكثر لأنها للإسلام بمثابة الأسس التي يبنى عليها البيت وأن من أخل بواحد منها يكفر لوضوحها للمكلفين. قيل هذا استحسان منكم لا دليل عليه، بل يجب التحري في الفروع كالأصول قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٤).
بل نجد أن الله نفى الإيمان عمن لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينه وبين غيره، ولم ينشرح صدره لحكمه وهذا زائد على نص القرآن وغير الطاعة التي لله على كل مكلف. فدخل تحت هذا أخبار الآحاد وكل ما يطلب التشريع العام». انتهى.
قلت: هذه نصوص كافية ورب الكعبة لمن تدبر أو ألقى السمع وهو شهيد.
ولنزد المسألة إيضاحًا فنقول والعهدة على الله وحده ربنا سبحانه:
أرجو من فضيلة الشيخ أن يبين لي حكم هذه المسألة وهي: لو أن مسلمًا سافر إلى أحد القطبين وهو يحفظ القرآن ثم عاش في تلك الأرض هل هو مطالب بنشر دينه أو غير مطالب؟ فإن كان مطالبًا بالدعوة ونشر الدين لزم هنا أن يقول للشخص الذي يرغب في الإسلام أنا لا أستطيع أن أقرأ القرآن لك أو أعلمك العقيدة لأني فرد وعليك أن تسافر إلى بلدان المسلمين. فإن لم يستطع الرجل أن يسافر لا يستطيع أن يدخل في الإسلام. ولا أعتقد أنكم تقولون بهذا وإن قال به أحد فقد قال بعظيمة.. أو أن يسمعه القرآن ويطلب منه الدخول في الإسلام وهذا هو الحق، ولكن أخل بالتواتر الذي تشترطون فما العمل؟ أفيدونا.
مع ملاحظة لو أن المسلمين طبقوا اشتراط التواتر فنصيحتي لهم أن يجلسوا في بيوتهم ويخرجوا فتوى بإسقاط الدعوة؛ وذلك لأنه من العبث أن يدعوا الناس ولا يستطيعون تبليغهم الأحكام والتوحيد إلا باشتراط الجمع وبذلك تسقط الدعوة الفردية. وفي هذا -أي اشتراط التواتر- مخالفة صريحة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أمر صلوات الله وسلامه عليه الشاهد أن يبلغ الغائب وكأنكم تقولون لا لا يبلغ الشاهد الغائب إلا إذا كانوا جماعة، وحديث نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها... «كيف يستطيع أداءها وأنتم تقولون لا بد من الجمع فبأي بينة وأي برهان تقيدون ما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأي حجة لكم في اشتراط ما لم يشترط صلوات الله وسلامه عليه».
«للموضوع بقية».