العنوان من ينابيع السعادة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2010
مشاهدات 67
نشر في العدد 1923
نشر في الصفحة 56
السبت 16-أكتوبر-2010
من الحياة
د. سمير يونس ([1])
من
ينابيع السعادة
غاضب رجل زوجته، وقال لها متوعداً، لأشقينك !! فقالت له في هدوء: لا
تستطيع أن تشقيني. فقال لها وكيف ذلك؟ فقالت لو كانت السعادة في مال لحرمتني منه
ولو كانت السعادة في حُلي وذهب وجواهر وملابس ومتاع الدنيا وزخرفها لمنعته عني،
ولكن السعادة في شيء لا تملكه أنت ولا الناس، إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني
في قلبي وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.
يحسب كثير من الناس أن السعادة في القصور المبهرجة، وفي الخدم والحشم،
وفي المال والسلطان، وفي البنين والبنات، والنساء والمتاع، وفي سائر الشهوات، لكن
الله سبحانه وضح أن ذلك متاع الحياة الدنيا، وهو حطام زائل، والله عنده خير المآب،
قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ
والقناطير المُقَنطَرَة مِنَ الذَّهَبِ وَالفَضَةَ وَالْخَيْلَ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ
عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤).
السعادة كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي: «شيء ينبع من داخل الإنسان،
ولا يستورد من خارجه، وإذا كانت السعادة شجرة نبتها النفس البشرية والقلب
الإنساني، فإن الإيمان بالله، وبالدار الآخرة هو ماؤها، وغذاؤها وهواؤها.
إن للإيمان واحات يجد المؤمن فيها كل راحة، فلا يكدره ضيق الرزق، ولا
يتعسه بل يزيد في ثقته بربه، ويرضى بما قسم الله له، ويوقن بأن رزقه وأجله بيد
الله، وأن الأمور كلها تجري بقدره وقدرته سبحانه، فعلام الغم والهم؟!
علام الهم والغم؟
لقد رأى إبراهيم بن أدهم رجلاً مهموماً مغتماً، فقال له: أيها الرجل،
أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ قال: لا. قال: أينقص من أجلك لحظة كتبها
الله في عمرك؟ قال: لا. قال إبراهيم: فعلام الهم إذن؟!
وفي مركب الصبر والسعادة
خرج إبراهيم بن أدهم إلى الحج ماشياً، فرآه رجل كان يركب على ناقته،
فقال له: إلى أين يا إبراهيم؟ فقال: أريد الحج. فقال: أين الراحلة فإن الطريق
طويلة؟ فقال إبراهيم ابن أدهم لي مراكب كثيرة لا تراها. قال: ما هي؟ قال: إذا نزلت
بي مصيبة ركبت مركب الصبر، وإذا نزلت بي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء
ركبت مركب الرضا، فقال الرجل: سرّ على بركة الله، فأنت الراكب وأنا الماشي.
الرشيد وأبو العتاهية
رُوي أن أبا العتاهية جاء إلى هارون الرشيد في قصره، وقد التف حوله
خواصه وأحبابه ومريدوه، فقال له هارون الرشيد : صف لنا ما نحن فيه من الدنيا ؟
فقال أبو العتاهية:
عش ما بدا لك آمناً
في ظل شاهقة
الـقـصـور
فقال هارون الرشيد: أحسنت.. ثم ماذا؟
فقال أبو العتاهية:
يسعى إليك بما اشتهيت
لـــــدى الـرواح
وفي البت
فقال الرشيد: حسن... ثم ماذا؟
فقال أبو العتاهية:
فإذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً
ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد بكاء شديداً، فقال الفضل ابن يحيى لأبي العتاهية بعث إليك
أمير المؤمنين لتَسُره فأحزنته، فقال له الرشيد: دَعه، فإنه رآنا في عَمَى فكره أن
يزيدنا عمى!
السعادة إحساس يشعر به الإنسان بين جوانحه.. إنها نفس ساكنة صافية،
وصدر منشرح، وضمير مرتاح، وقلب مطمئن وسلام مع الله، ثم النفس والناس والكون.
يقول الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي -يرحمه الله: «حسبك من السعادة في
الدنيا ضمير نقي، ونفس هادئة، وقلب شريف».
منهل السعادة وينبوعها
يقول أحمد أمين: « ... وتجاربنا في الحياة تدلنا على أن الإيمان بالله
سرور، ومن أعذب موارد السعادة ومناهلها ، وإن أكبر سبب لشقاء الأسر وجود أبناء
وبنات فيها لا يرعون الله في تصرفاتهم، وإنما يرعون أهواءهم وملذاتهم، وإذا فشا
الدين في أسرة فشت فيها السعادة».
إن سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة، وهذه السكينة كما يقول د.
القرضاوي في كتابه «الإيمان والسعادة»: روح من الله، ونور يسكن إليه الخائف،
ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين وغير المؤمن في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة،
وتتنازعه غايات شتى، وهو حائر بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا
فيه.. وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص،
وإليها يسعى، وهي رضوان من الله تعالى، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى۞ وَمَنْ أَعْرَضَ
عَن ذكري فَإِنَ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:١٢٣-١٢٤).
وأي طمأنينة ألقيت في قلب سيدنا محمد ﷺ يوم أن عاد من الطائف، دامي
القدمين، مجروح الفؤاد ؛ من سوء ما لقي من القوم، فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى
السماء، يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحية النابضة، فكانت على قلبه برداً وسلاماً:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. يا أرحم الراحمين.. أنت رب
المستضعفين وأنت ربي.. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن
لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له
الظلمات من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا
قوة إلا بك».
وفى القناعة سعادة
ما أجمل حديث رسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «مَنْ أصبح منكم
آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (رواه الترمذي).
إن السعادة الحقيقية ليست فيما تملك من الدنيا، بل في قناعتك بما
عندك، لأن المرء إذا لم يرزق القناعة فلن يهدأ له بال مهما أوتي من نعيم الدنيا،
ومن ثم سيظل طوال حياته قلقا تحاصره الهموم والتعاسة، ويحال بينه وبين السعادة.
قال سعد بن أبي وقاص لابنه: «يا بني، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة،
فإن لم تكن قناعة فليس يغنيك مال...».
وروى الطبري في تاريخه أن عمر بن عبد العزيز أمر -وهو في خلافته- رجلا
أن يشتري له كساء بثمانية دراهم، فاشتراه له، وأتاه به، فوضع عمر يده عليه، وقال: «ما
ألينه وأحسنه»! فتبسم الرجل، فسأله عمر بن عبد العزيز: لماذا تبسمت؟ فأجابه الرجل:
لأنك يا أمير المؤمنين أمرتني قبل أن تصل إليك الخلافة أن أشتري لك ثوباً من
الخزّ، فاشتريته لك بألف درهم، فوضعت يدك عليه، فقلت ما أخشنه! وأنت اليوم تستلين
كساء بثمانية دراهم، فقال عمر بن عبد العزيز: يا هذا، إن لي نفساً تواقه إلى
المعالي، فكلما حصلت على مكانة طلبت أعلى منها، حصلت على الإمارة، فتقتُ إلى
الخلافة، وحصلت على الخلافة، فتاقت نفسي إلى ما هو أكبر من ذلك وهي الجنة.
وفى الرضا سعادة
الرضا درجة أعلى من درجة الصبر، لا يبلغها إلا من آتاه الله إيماناً
قوياً وصبراً جميلاً، فتراه مسروراً راضياً، ويرى أن أي بلاء حل به إنما هو خير،
لأنه بقدر الله تعالى ومشيئته، ويوقن بأن الله عز وجل أراد به خيراً، لذا فإن من
الأدعية المأثورة عن النبي قوله وأسألك الرضا بعد القضاء» (رواه الطبراني).
والساخطون لا يذوقون للسعادة طعماً، فحياتهم كلها كدر وهموم، أما
المؤمن الحق فهو راض بقضاء ربه، موقن بأن تدبير ربه أفضل من تدبيره، ولسان حاله
ينطق ويردد ويناجي خالقه مالك الملك: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:٢٦).
ولقد ضرب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين
المثل الأعلى في الرضا بقضاء الله تعالى، فعاشوا سعداء رغم
البلاء.
إحسان التوكل والسعادة
يقول الخالق الرزاق سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ
لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
(الطلاق:٢-٣).
ولما أراد حاتم الأصم أن يحج قال لأولاده: إني أريد أن أحج، فبكوا
جميعاً وقالوا: إلى من تكلنا؟ فقالت ابنته لهم: دعوه فليس برازق، فسافر فباتوا
جياعاً، وباتوا يوبخون البنت، فدعت الله تعالى وقالت: اللهم لا تخجلني بينهم. فمر
بهم أمير البلد، وطلب ماء، فناولوه ماء بارداً ، فشرب وقال: دار من هذه؟ فقالوا:
دار حاتم الأصم ، فرمى فيها قلادة من ذهب، وقال لأصحابه : من أحبني فعل مثلي، فرمى
من حوله كلهم مثله، فخرجت ابنته تبكي، فقالت أمها: ما يبكيك؟ قالت: قد وسع الله
علينا مخلوق نظر إلينا فاستغنينا، فكيف إذا نظر الخالق إلينا؟
ومن حسن التوكل على الله تعالى أن تحسن العمل، وتحسن تربية أولادك،
وتوقن أن الله عز وجل سيتولى أولادك، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً
ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا
سَدِيدًا﴾ (النساء:٩).
ولقد أجاد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وأتقن التوكل على الله، حيث
جاد ذات مرة بماله كله، ولما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تركت لأولادك؟
فأجاب: تركت لهم الله ورسوله».
ولقد ترك عمر بن عبد العزيز ثمانية أولاد، وحينما كان على فراش الموت
سأله الناس: ماذا تركت لأولادك؟ فأجاب: تركت لهم تقوى الله، فإن كانوا صالحين
فالله تعالى يتولى الصالحين، وإن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم ما يعينهم على معصية
الله تعالى، وقد خلف عمر لكل واحد من أولاده اثني عشر درهماً فقط.
وفي المقابل خلّف هشام بن عبدالملك لكل ابن من أبنائه مائة ألف دينار.
وبعد عشرين سنة، أصبح أبناء عمر بن عبد العزيز يسرجون الخيول في سبيل
الله، منفقين متصدقين من كثرة أموالهم، أما أبناء هشام بن عبد الملك فقد كانوا يقفون
في مسجد دار السلام في عهد أبي جعفر المنصور يسألون الناس الصدقة.
وفى ادراك النعمة والشكر سعادة
كثير من الناس لا يدرك نعم الله عليه فهو قليل الشكر كما قال عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ:١٣)، وخاصة إذا فقد نعمة من نعم الله عليه، فيضيق صدره وينسى
بقية النعم وما أكثرها، ولكي يخرج الإنسان من هذه الدائرة السوداء، وينتقل إلى
واحة السعادة ينبغي أن ينظر إلى من فقدوا النعم التي يستمتع هو بها.
يقول د. مصطفى السباعي يرحمه الله: «زر المحكمة مرة في العام التعرف
فضل الله عليك في حُسن الخلق، وزر المستشفى مرة في الشهر لتعرف فضل الله عليك في
الصحة والمرض، وزر الحديقة مرة في الأسبوع لتعرف فضل الله عليك في جمال الطبيعة
وزر المكتبة مرة في اليوم لتعرف فضل الله عليك في العقل، وزر ربك كل آن لتعرف فضل
الله عليك في نعم الحياة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل