العنوان الشيخ عبد الحميد كشك - رحمه الله
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
في أسبوع واحد فقط فقدت الدعوة الإسلامية إثنين من فرسانها.. الأول الدكتور «عبد الرشيد صقر» الداعية المشهور بخطبه وجماهيره الغفيرة في مسجد صلاح الدين بوسط القاهرة منذ السبعينيات حتى تم اعتقاله في حملة اعتقالات سبتمبر ۱۹۸۱م في أواخر عهد الرئيس الراحل السادات، لكنه بعد خروجه عاد إلى منبره ثانية، ثم منع مرة أخرى من الخطابة منذ ثلاث سنوات وفق قرارات إدارية أصدرتها وزارة الأوقاف، لكنه ظل يتنقل بين منابر المساجد الأهلية حتى توفاه الله، ونسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة.
أما الثاني فهو فارس المنبر الأول في مصر والعالم الإسلامي فضيلة الشيخ «عبد الحميد كشك» وهو غني عن التعريف فقد ملأت شهرته الأفاق بأسلوبه الفريد في الخطابة الذي صار مدرسة معروفة على امتداد العالم الإسلامي.
ولم يكن الرجل يؤدي الخطبة فقط وإنما حوّل مسجده عين الحياة الذي ظل يخطب فيه منذ عام ١٩٦٤ م حتى تم منعه نهائيًا من الخطابة عام ۱۹۸۱م - إلى عيادة طبية وصيدلية لصرف الدواء، ولجنة زكاة المساعدة المحتاجين، ولجنة مصالحة لحل المشاكل، وكان الرجل - رحمه الله - رغم كف بصره يقوم وحده بكل هذه اللجان دون وجود أعضاء اللهم إلا بعض المساعدين، وقد شاهدته في غرفته الخاصة بالمسجد يحتفظ بدولاب صغير تم وضعه إلى جوار مجلسه الذي كان يستمر لساعات طوال يستقبل خلاله السائلين وأصحاب المشاكل والحاجات، وكان كثيرًا ما ينهض بنفسه ليسلم لبعض المرضى من هذا الدولاب تذاكر الكشف المجاني لدى الأساتذة المتخصصين ولصرف الدواء المجاني من الصيدليات المتبرعة، ثم ينهض مرات أخرى ليعطي مبالغ من المال المحتاج أو مريض، وكان يمتاز بذاكرة قوية وبقدرة فائقة على التمييز بين الأشياء، بل وعلى كشف مصداقية من يتوافدون عليه يوميًا من أصحاب الحاجات، وقد ظل الشيخ «كشك» يقوم بهذا الدور من بيته بعد أن تم منعه من الخطابة، إذ حول بيته إلى مجلس علم وإلى دار يتوافد إليها كل أصحاب الحاجات، ولم يضجر يومًا بأحد، والذي ساعده على مواصلة هذا الدور هو تعلق المتبرعين للخير وأصحاب الحاجات به في وقت واحد.
قال لي مرة: إن ما يثلج صدره ويخفف عنه آلام الابتعاد عن منبره أن الله حفظ للملهوفين من أصحاب الحاجات قضاء حوائجهم، وقد كان تركيزه الدائم في عمل الخير على الأسر التي لا يعلم عنها أحد شيئًا في قاع المجتمع المصري.
ورغم ما روج كثيرًا ضده بأنه يدعو للإثارة في خطبه، إلا أن مظاهرة واحدة لم تخرج من مسجده الذي كان يؤمه عشرات الآلاف، فقد كان دائم التوجيه في نهاية خطبه للمصلين بالانصراف في هدوء ونظام، وقد شاهدته وسمعته أكثر من مرة يخوض نقاشات واسعة ومطولة مع كثير من الشباب من أصحاب الأفكار الغريبة، أفكار التكفير وتحريم التعليم في مؤسسات الدولة، والعمل في أجهزتها، وكان الحوار ينتهي دائمًا باقتناع هؤلاء الشباب بخطئهم.
كانت بساطته من أسرار جاذبيته المتعددة الجوانب للناس.. بساطته في أسلوب الحديث، وبساطته المتناهية في بيته، حيث كان يعيش في شقة متواضعة في حي حدائق القبة بشرق القاهرة، يوحي مدخلها وغرفة استقبالها لزواره ببساطة شديدة، ورغم أن الرجل كان يمكن أن يكون مليونيرًا في وقت قياسي، إذا تاجر في أشرطة خطبه ودروسه حسبما عرض عليه الكثيرون، إلا أنه رفض ذلك بشدة، مؤكدًا أنه يتقاضى راتبًا من وزارة الأوقاف على عمله، وبالتالي فلا يجوز له أن يتقاضى مبالغ أخرى من أي جهة وفي أي صورة، وهكذا رفض بينما أثرى الكثيرون على حساب هذه الأشرطة.
لقد عرفت هذا الرجل للمرة الأولى. عام ١٩٧٩م عندما حملت إليه كتابًا باللغة الإسبانية – لغة دراستي يحمل عنوان «سيف الإسلام»، ويمتلئ بالافتراءات ضد الإسلام، ثم اقتربت منه كثيرًا من خلال عملي الصحفي، ولم أر البسمة قد غابت عن وجهة مرة، بل كان يرسمها على وجوه جالسيه ذلك رغم أنه كان يتقطع من الداخل لحرمانه من منبره، قال لي أكثر من مرة: «إن اشتياقي لمنبري كاشتياق الطفل التائه إلى أحضان أمه»، وإنني أدعو الله أن يحييني حتى أتم تفسير القرآن الكريم، إنني أريد أن ألقي ربي وأنا أحمل بين يدي هذا التفسير.
وقد حقق الله للشيخ ما أراد فأنجز في رحاب التفسير، ومعه أكثر من مائة كتاب، ستصحبه يوم القيامة عند لقاء ربه وهو يقول لمولاه «سبحان ربي الأعلى»، فقد كانت هذه التسبيحات آخر كلماته في الدنيا وهو ساجد يصلي حيث فاضت روحه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل