العنوان حصاد تجربتي: رائدة الفنانات التائبات «شمس البارودي»: عام ١٩٨٣ بكيت أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومسحت تاريخًا قديمًا.
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 29-أبريل-2006
مشاهدات 72
نشر في العدد 1699
نشر في الصفحة 56
السبت 29-أبريل-2006
الداعية الفاضلة «شمس البارودي» رائدة الفنانات التائبات التزمت بالحجاب قبل ٢٣ سنة.. وقادت الكثيرات من الفنانات والمذيعات في طريق الدعوة الإسلامية على مدى ما يقارب الربع قرن من الزمان.. كان التزامها - في حينه - حديث المتعجبين.. أما الآن.. فقد أصبحت قافلة التائبين والتائبات حديث المعجبين.. وهي رحلة ليست سهلة بحال من الأحوال.. مما يستدعي التعرف على هذا المشوار الطويل.. من الأخت شمس الملوك جميل البارودي الشهيرة «بشمس البارودي».
إذا نجحت المرأة كأم. فقد نجحت في كل شيء.. خاصة إذا كانت أمًا واعية علمًا وثقافة ودينًا.
كنت وأنا طالبة أخرج في المظاهرات وأساهم في القضايا الوطنية والقومية والإسلامية.
لست متشددة كما يروج البعض.. فديننا وسطية واعتدال في كل شيء.. فأنا أعيش دعوتي.. وأرعى أسرتي.. وأمارس هواياتي.
منذ كنت تلميذة صغيرة.. وأنا أتمتع بمواهب الرسم والموسيقى والجمباز.. ومنذ التزامي وأنا أمارس الرياضة بالقسم النسائي.. وأسهم في قضايا ديني وأمتي.
كيف ننجح في بنـاء الأسرة (1) «خريطة» الإنسان النفسية لا تكتمل إلا بتفاعله الاجتماعي مع الآخرين.
الأسرة.. معهد تأهيلي يعلم الإنسان مهارات التفاعل والتواصل مع واقعه.
.............؟
- نشأت في أسرة كبيرة العدد، حيث كان لي ستة، إخوة هم محمد وناهد وثاء وصفاء ووفاء وهناء، وتنتمي أمي إلى جذور تركية، ووالدي ينتمي إلى أصول سورية، كانت أمي ربة منزل وكانت في منتهى اللطف والرحمة والحنان ومتفرغة لمنزلها، أما والدي فكان يعمل مديراً لمصنع صغير للغزل والنسيج بشبرا الخيمة بالقاهرة الكبرى.
........؟
- انتقلنا إلى حي المعادي وأنا طفلة، وفي هذا الحي الجميل نشأت منذ كان عمري ٥ سنوات تقريبًا، وقد عشت طفولتي بكل معانيها وسط حدائق وأشجار المعادي، وورود ورياحين الفيلا التي نعيش فيها.. وفي شوارع وطرقات المعادي ركبت الدراجات وتنزهت وفي مدارسها تعلمت الموسيقى، ودخلت المكتبة المدرسية وقاعات الاطلاع، وفي حي المعادي أيضًا حصلت على الشهادتين الابتدائية والإعدادية.
.............؟
- أنا مشبعة والحمد لله بالمشاعر الوطنية، وأحب بلدي حبًا لا نهاية له، وقد كنت وأنا طالبة أخرج في المظاهرات وأساهم في الأنشطة بالقضايا الوطنية والإسلامية، خاصة ما يخص فلسطين الحبيبة بلد الإسراء والمعراج، وكانت قائدة هذه المظاهرات صديقتي د. هناء كريم «أستاذة جامعية الآن»... ومازلت أفيض وطنية، ولكن تحت راية الإسلام، فالإسلام هو الذي يزكي ويصحح المفاهيم الوطنية والقومية ولا يعارضها، ولكن يجعلها لوجه الله وليس لوجه إنسان أو حزب أو طائفة أو...!!
............؟
- كنت وأنا طالبة بالثانوي أتمتع بالعديد من المواهب كالرسم مثلًا، فأنا أمتلك هذه الموهبة بمهارة وأجيد إلى جانبها رسم الخرائط والموضوعات الإنسانية والبوتريهات، كما كنت وأنا طالبة بالمدرسة ألعب الجمباز.
.............؟
- كانت كلية الحقوق هي رغبتي الأولى ولكن مجموعي بالثانوية نقص عشر درجات لعدم اشتراكي في الجمباز، فتقدمت إلى كلية الفنون الجميلة، ومعهد الفنون المسرحية، وأخيرًا استقر بي الحال بمعهد الفنون المسرحية.
.............؟
- دخلت إلى دنيا الفن مصادفة، حيث اشتركت في أول عمل فني وهو مسلسل «العسل المر» من إخراج إبراهيم شكري الذي كانت شقيقته تسكن في منزل أحد أصدقاء والدي، وعندما رآني مع أسرتي إحدى الرحلات في حديقة عامة عرض لي أن أشترك معه في عمل للأطفال كان يقوم بإخراجه باسمه «أعياد الربيع»، بعد وافقة أبي.. وقام هذا المخرج بتصوير أسرتي، وقد رفضت تصويري وقتها.. لأني شعرت أنني أكبر من أن أكون طفلة.. وكان يقوم الأستاذ إبراهيم شكري أيضًا بتصوير العسل المر فقمت فيه بدور صغير كابنة «لزوزو شكيب»... وبدأت مرحلة الشهرة وأنا الصف الأول الثانوي.. ثم عرضت عليّ أدوار أكبر وأنا طالبة بمعهد الفنون المسرحية، فشاركت في عمل فني كبير مع الفنانة هند رستم في فيلم «الراهبة» من إخراج حسن الإمام، وسافرت أثناء التصوير إلى لبنان بعد معارضة شديدة من أبي، تعهدات من هند رستم أن تكون بمثابة أمي بالفعل، أحاطتني برعايتها وعنايتها، وكانت تجعلني أتصل بأمي يوميًا.. ثم بدأت بعد هذا الفيلم طريق النجومية والشهرة الفنية الكبيرة.
أنا وحسن يوسف
.............؟
- قبل ارتباطنا المبارك، مثلت معه فلمين هما: «حكاية الثلاث بنات» و«آخر منقود»... ولأن حسن.. كان فتى مشاكسًا وخفيف الظل فقد حدث بيني وبينه «کلاش» نتيجة لظرفه الزائد، وتعليقاته الطريفة التي لا تخرج عن نطاق الأدب والذوق واللطف، وبعد تصوير فيلمي الثالث معه في سورية «رحلة حب»، وبعد تعارفه الأسري مع أولاد عمي وأبي وأمي.. تقدم لوالدي وألقى الله عز وجل حبًا صادقًا في قلبينا، وتم الارتباط بعد عودة والدي من الحج في ذلك العام، ومازال هذا الحب الصادق يزيد على مدى ٣٣ عامًا. هي عمر زواجنا المبارك.. وفي كل يوم يتعلم كل منا من الآخر، ويجمعنا حب هذا الدين والعمل له وحب الخير والهداية للناس أجمعين.
.............؟
- رزقنا الله عز وجل بأربعة أبناء هم ناریمان ٢٨ سنة، ومحمود ٢٥ سنة، وعمر ٢١ سنة وعبد الله ١٨ سنة، ونسأل الله لنا ولهم الهداية ولأبنائنا وبناتنا من المسلمين والمسلمات.
.............؟
- حسن يوسف إنسان أخلاقياته عالية جدًا، وثقافته كذلك رفيعة وفهمه وتطبيقه المعاصر.. وللعلم هو حاصل على مجموعة مؤهلات علمية قيمة، فهو خريج بكالوريوس التجارة عام ١٩٥٥م، ثم بكالوريوس المعهد العالي للتربية الرياضية سنة ١٩٥٩م، ثم دبلوم المعهد العالي للفنون المسرحية سنة ١٩٦٢م، كما أنه مخرج ومنتج وفنان موهوب، وكذلك هو لاعب ممتاز، وكان لاعبًا بنادي الزمالك.. أي أنه يملك مجموعة مواهب ومؤهلات تجعله مسلماً واسع الأفق إلى جانب فهمه الجيد لرسالته الدعوية الإسلامية.
...........؟
- والدي - جزاه الله عنا خيرًا - قد اجتهد جدًا في تربيتنا وتعليمنا تعليمًا راقيًا بالنسبة إلى زمانه.. فأختي ناهد حاصلة على ليسانس آداب قسم الفلسفة وعلم النفس، وزوجها مستشار قانوني، وأخي محمد بكالوريوس تجارة وهو محاسب بالكويت، وأختي وفاء خريجة آداب وتعمل بالطيران، وثناء بكالوريوس اجتماع وتعمل بوزارة الزراعة، وهناء بكالوريوس تجارة، وصفاء خريجة آداب، ومتزوجة من مهندس فاضل وهي ربة بيت، وعلى هذا المستوى من التربية والسلوك أجتهد في تربية أولادي فابنتي ناريمان بالماجستير في الجامعة الأمريكية، وهي مهندسة كمبيوتر، ومحمود بالدراسات العليا في الاقتصاد وإدارة الأعمال، ومحمد وعبد الله بالجامعة، وأسأل الله لهم الحفظ وأن يبارك فيهم، فالمرأة إذا نجحت كأم فقد نجحت في كل شيء.
.............؟
- أحب القراءة، خاصة القراءات الإسلامية العميقة والتي تتعامل مع النفس والإنسان، إلى جانب قراءتي في علوم الإسلام الأصلية كالفقه والتفسير والحديث والسيرة، وأحب كتب الفكر الإسلامي، وأتابع قضايا الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج، وأحب الهدوء والتأمل، وأشعر أن أواصر الرحمة تربطني بالمسلمين والناس أجمعين، وأتألف مع كل قيمة نبيلة، وأتعاطف مع كل معنى أو مشهد جميل، خاصة مشاهد الطبيعة الناطقة بجلال الله وجماله.
في طريق الله
..........؟
- كان لدي رغبة شديدة وشوق غامر لأداء العمرة.. ولكني كنت في خجل شديد أمام نفسي... فكيف أذهب إلى العمرة وأنا غير ملتزمة بالزي الإسلامي، وغير محجبة؟ وكان ذلك عام ۱۹۸۲م، فذهب زوجي الحبيب حسن يوسف لأداء العمرة وحده في هذا العام... وأثناء وجوده في العمرة أصابتنا نزلة برد شديدة أنا والأولاد، وزادت هذه النزلة إلى أن أصبحت نزلة شعبية حادة... وكأننا كنا نتلقى عقاب الله على أثر ترددنا وتخلفنا عن الذهاب لبيت الله الحرام وزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
.............؟
- في عام ۱۹۸۳ ذهبت بصحبة والدي وزوجي إلى العمرة، وكان معنا خالي أيضًا... وأثناء الاستعداد للذهاب للعمرة لبست الثياب البيضاء السابغة ووضعت الحجاب على رأسي لأول مرة، ودون أية مساحيق تجميل، والحمد لله تعالى.. فقد جملني الله في نظر نفسي... وذهبنا إلى العمرة، وداخلني إحساس صادق في أن أختم القرآن في هذه العمرة في الحرمين الشريفين.. وكنت أغالب نفسي في القراءة واجتهد في الفهم، وأثناء العمرة.. فقابلني خالي بالحرم وسألني سؤالًا غريبًا فقال: «ربنا فتح عليكي؟»... ولم أفهم قصده بالضبط، ولكنه أفهمني قصده قائلًا: يعني هل بكيت في بيت الله الحرام أم لا؟.. فبدأت أتحقق من مشاعري، وأحاول فهم معاني ما أقرأ من كتاب الله تعالى... وتيقظت في كل معاني الشوق إلى الله، ومضى يومان على هذا التساؤل من خالي العزيز... ثم ذهبنا إلى المدينة المنورة شعرت وأنا أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه يراني رأي العين، وكأنه ينظر إليّ حقًا وصدقًا من دون الناس فسرت قشعريرة في جسدي، وتملكني حال لا إرادي، وانطلقت أردد بكل صدق وعفوية وحب: يا حبيبي يا رسول الله.. يا حبيبي يا رسول الله، وارتعد جسدي وانهمرت دموعي، وداخلني حال من الصفاء والنقاء لم أشهده في حياتي من قبل.. وتمت الزيارة... وعدنا إلى مكة.. وبدأت فكرة الحجاب تخامرني بصدق.. ولكن كانت الكثيرات يسألنني عندما يرونني هل ستتحجبين؟...
ولم أشأ أن أسبق الأقدار في إجاباتي.. حيث أجيب سوف أسأل زوجي!! ولكن عندما عدت من المدينة المنورة لقيتني أخت حبيبة في الله.. وكأن الأقدار ساقتها إليّ، وهي مصرية تعيش في الكويت، فأعانتني وثبتتني وحفزتني ببعض الكلمات الطيبة، والإنسان لا بد أن ينظر إلى هذه الأقدار، كأنها من أسباب رحمة الله به وعليه.. وأديت عمرة عن والدتي رحمة الله عليها.. وعدت إلى الفندق.. ولكن النوم جفاني ليلتها، وسيطر على أرق شديد، وقد لاحظ والدي ذلك فسألني: ما بك؟
فقلت: أريد أن أذهب إلى الحرم الشريف.
فصحبني، ونزل معي.. وأديت تحية الطواف بالبيت ثم صليت في مقام إبراهيم.. وأثناء صلاتي.. تدبرت معاني سورة الفاتحة وكأنني أقرأها لأول مرة في حياتي.. وبدأ نور الله عز وجل يدخل إلى قلبي ويغمرني بسكينة ويحتويني برفق.. ثم صليت الفجر.. وبعد الصلاة سألتني أخت في الله: هل ستتحجبين؟ فقلت لها: إن شاء الله تعالى.
ومن يومها.. والحمد لله تعالى.. وأنا أتنعم بفضل الله وكرمه ومنته، فهو صاحب الجود والكرم، وولي الإحسان والنعم، ولم ولن أخلع حجابي.. إن شاء الله.. أبدًا.
وسطية واعتدال
......؟
- ديننا دين الوسطية والاعتدال في كل شيء.. فأنا لست متشددة إطلاقًا.. أتابع الأحداث السياسية والاجتماعية، وأشاهد التليفزيون في الأعمال الاجتماعية والإنسانية الهادفة، وأزور المرضى... وأقوم ببعض الأعمال الخيرية.. وأرد على جميع الأخوات في الهاتف، وأمارس الرياضة في الجمانيزم بالقسم النسائي، وأتنزه وأتريض مع أولادي وزوجي، ونذهب معًا إلى نادي اليخت بالجيزة، وأذهب مع زوجي إلى بعض الفنادق لنتناول الغداء أحيانًا، وأحب الحيوانات الأليفة.. ولدي قطة جميلة جدًا هدية من ابنتي.. وأعيش حياتي بشكل طبيعي جدًا كأي امرأة مسلمة مسؤولة عن بيتها وزوجها وأولادها ودينها وأمتها.
..............؟
- كتاب الأستاذ الكبير محمد قطب «مفاهيم ينبغي أن تصحح».... وقد ألقيت بعض خواطري حول هذا الكتاب فيما يشبه المحاضرة.. والكتب الدعوية كثيرة جدًا لمن تريد أن تبدأ الطريق أو تتعمق في بعض المسائل.. وديننا واضح وسهل وجميل.. ولكن على الإنسان أن يتوغل فيه يرفق.
............؟
- أنا على علاقة طيبة جدًا بأخواتي الحبيبات ياسمين الحصري وعفاف شعيب والحاجة شادية ونورا وهناء ثروت، وكنت شبه رفيقة وصديقة للغاليتين مديحة كامل وهالة فؤاد وهيثم - ابن هالة رحمة الله عليها من الراحل أحمد زكي - صديق أولادي كما تتصل بي الكثيرات من الفنانات غير المحجبات، واعتبرهن صديقات عزيزات، وأعتقد أنهن يعتبرنني كذلك بالنسبة لهن... ونحن جميعًا نعمل ونتعلم ويعين بعضنا بعضًا.. فالمسلم صاحب صدر منشرح وواسع، وصاحب رأفة ورقة ورحمة، وما نُزع الرفق من شيء إلا شانه.
............؟
- هذا تاريخ انطوت صفحته بالنسبة لي ولا أذكر منه سوى العظة والعبرة والدروس المستفادة، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر٥٥:٥٤).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل