العنوان «مأسسة» الجندر والفرص المتكافئة
الكاتب عالية فرج الكوردي
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1666
نشر في الصفحة 38
السبت 27-أغسطس-2005
مشاريع النساء صنفت مقابل الأسرة.. والدور الإنتاجي مقابل الدور الإنجابي
البنك الدولي يركز على تطبيق مأسسة الجندر كشرط لتمويل ودعم البرامج والمشاريع
دعاة تحقيق المساوة الكاملة وصلوا إلى مواقع التأثير واتخاذ القرار على المستوى الدولي
لقد تم تقديم المنظور الجندري على المستوى العملي كبديل للمرجعيات الثقافية والدينية لشعوب العالم
بنيت المقاربة الرابعة لـ«الجندر» على أهمية إحداث التغيير في المساحة التي تشغلها كل الأدوار الإنجابية والإنتاجية والمجتمعية في حياة المرأة، وذلك من أجل الوصول إلى تحقيق المساواة الكاملة فيما يتعلق بقيام الرجل والمرأة بهذه الأدوار.
لذلك بدأت تيارات حركة «فيمينيزم» توجه تركيزها نحو إيجاد آليات تحقق المساواة فيما يتعلق بحصول المرأة على فرص التحكم وإدارة الموارد المعرفية، والطبيعية والاقتصادية.
لقد تم توجيه الجهود على مستويي التنظير والتحليل لاستخدام الجندر: «كمصطلح وصفي لتحديد وتحليل الاختلاف الموجود في الأدوار والمسؤوليات، وكذلك الاختلاف الموجود في فرص الإدارة والتحكم في الموارد المختلفة للجنسين» (۱).
الدور الإنتاجي للنساء
حيث بدأ «الليبرال فيمنيزم» منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين بتبني منظور تنموي «مدخل المرأة في التنمية» يحقق فرصًا متكافئة للنساء في المجال العام «المجتمع» ويضمن لهن الحصول على مكانة اجتماعية أفضل، وذلك انطلاقًا من قناعة رواد التيار الليبرالي بأن النساء تم تأطيرهن داخل أدوارهن الإنجابية، مع تكريس مستمر للدور الإنجابي لهن من خلال الوسائط المختلفة لعملية التنشئة الاجتماعية.
وقد تم توجيه مدخل المرأة في التنمية (WID) نحو مجتمعات العالم الثالث بهدف مساندة دور المرأة الإنتاجي ودفعها للانخراط في مجال التنمية الاقتصادية كآلية تحقق تحسين المكانة الاجتماعية للنساء، وكان هذا التركيز على الدور الإنتاجي لنساء العالم الثالث جزءًا من استراتيجية إعادة تشكيل هوية النساء للسياسات التنموية، (۲)
وتعرض «مدخل المرأة في التنمية» إلى انتقادات من قبل تيارات الحركة المتعددة وخاصة فيما يتعلق بجدواه في إعادة بناء واقع حياة المرأة في دول العالم الثالث: «لم يفلح في إحداث التغيير في واقع المرأة في مجتمعات العالم الثالث لأنه ركز على تعزيز دور المرأة الإنتاجي ودفع النساء للمشاركة في العمل خارج المنزل -لأن تعريف العمل من منظور رواد الحركة يتضمن شرط ارتباط العمل بأجر، وكون مجال العمل خارج إطار المنزل -من دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية وتأثير كل من: الطبقة، الجندر، علاقات القوة بين النساء والرجال، قوة تأثير الموروثات، الاختلاف في مكانة النساء والخصائص التي يفرضها واقع المجتمعات المحلية على النساء في دول العالم الثالث» (۳).
فأصبح تعزيز الدور الإنتاجي للمرأة لا يحقق ما يرمي إليه رواد التيارات الراديكالية من حركة فيمنيزم من تمكين للمرأة في مجالي الخاص «الأسرة» والعام «المجتمع» من خلال مدخل المرأة في التنمية.
الإنتاجي مقابل الإنجابي
لقد لعب البنك الدولي -كمؤسسة دولية- دورًا في ترجمة مدخل المرأة في التنمية إلى مشاريع تنموية تنخرط فيها النساء من الدول المتقدمة والنامية، وذلك في إطار المداخل التطبيقية التالية: الرعاية (Welfare) المساواة المنصفة (Equity) مكافحة الفقر الكفاءة والتمكين (Empowerment)، حيث كانت المشاريع «منها: المشاريع الصغيرة، القروض الصغيرة..» منفصلة وخاصة بالنساء. وصنفت تلك المشاريع النساء مقابل الأسرة والدور الإنتاجي مقابل الدور الإنجابي إضافة إلى أن تلك المشاريع المختلفة لم تقدم للمرأة ما يعينها على تحسين وضعها ومكانتها على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي، بل كثير من هذه المشاريع ساعد في وصول النساء إلى أوضاع صحية متردية، أو وصولهن إلى حالة من المعاناة من الضغوط النفسية والمادية نتيجة مطالبتهن بأرباح تلك القروض.
وبدأت مرحلة جديدة من محاولات تشكيل علاقة بين المرأة والتنمية وذلك من خلال ظهور مدخل المرأة والتنمية (WAD)، كمرحلة تتوسط التحول من المرأة في التنمية إلى الجندر والتنمية (GAD)، وذلك نتيجة المناظرات القائمة بين رواد التيارات المختلفة من حركة فيمنيزم، وازدياد الانتقادات الموجهة لتطبيقات مدخل المرأة في التنمية من جهة، ومقارنة نتائج وآثار تطبيقات المرأة في التنمية في مجتمعات العالم من خلال الدراسات التقييمية الخاصة بتلك المشاريع من جهة أخرى إضافة إلى أن التيار الليبرالي من الحركة لم يفلح في القضاء على تبعية النساء من خلال دفعهن للانخراط وبقوة في الأدوار الإنتاجية داخل المجتمع وخاصة داخل مجتمعات العالم الثالث.
لذلك بدأت التيارات الراديكالية من الحركة بتقديم مقاربة جديدة توصف بأنها: «تنتقل مقاربة الجندر والتنمية ( GAD) من التركيز على النساء إلى التفكير في العلاقات بين النساء والرجال، وفي الطرق التي اعتمدت في بناء الذكورة والأنوثة» (٤).
فرص متساوية
لذلك تم طرح الجندر (Gender) كأداة للتحليل فيما يتعلق بدور الرجل والمرأة في مجال التنمية، ثم تطور استخدام الجندر وأصبح مرجعًا لاشتقاق المؤشرات والمعايير المتعلقة بالتنمية في مراحلها المختلفة: التخطيط والتنفيذ والتقييم، بعده تم اعتبار النظرية الجندرية، بأنها الوعاء الذي يضم الأسس والمعايير والمؤشرات والآليات المتعلقة بالعملية التنموية على مستوى العالم، وبدأ رواد التيارات الراديكالية، بالربط بين تحقيق كل من الحاجات العملية للجندر والحاجات الاستراتيجية للجندر Strategic Gender Needs على المستوى النظري» (٥).
بينما في الواقع العملي دأبت المنظمات غير الحكومية الدولية على ربط دعمها المالي والفني للبرامج والمشاريع التنموية بشرط حصول المرأة على احتياجاتها الأساسية «خدمات صحية، مثل: المياه النقية والتعليم...» وكذلك احتياجاتها الاستراتيجية المتمثلة في إحداث تغييرات قانونية واجتماعية وسياسية تمهد السبيل لإحداث التغيير في علاقات القوة الموجودة بين المرأة والرجل، وضمان حصول النساء على فرص متساوية مقابل الرجال في إدارة الموارد المختلفة منها: الموارد الطبيعية، والمعرفية والاقتصادية...
وأصبح العمل وفقًا للمنظور الجندري شرطًا لكل المشاريع التنموية الاجتماعية والاقتصادية. وخاصة بعد تصديق كثير من الدول على اتفاقية «سيداو» CEDAW ومنهاج عمل بكين اللذين يحولان المنظور الجندري من مقاربة نظرية إلى مرجعية لكل المؤسسات العاملة في مجال المرأة والتنمية، وذلك من خلال البنود المطالبة -والتي تتضمنها اتفاقية سيداو ووثيقة بكين- بتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين في المجالات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى المطالبة بمأسسة المنظور الجندري في كافة مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم للسياسات والبرامج والمشاريع الصادرة من المؤسسات الدولية، ومن بينها معظم المؤسسات التابعة للأمم المتحدة.
لقد أصبح التركيز في العمل على تنفيذ مأسسة الجندر Gender Mainstreaming شرطًا أساسيًا يرتبط به تمويل ودعم البرامج والمشاريع والذي تم من خلال وصول دعاة تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين إلى مواقع التأثير واتخاذ القرار داخل المؤسسات وخاصة على المستوى الدولي، يجعل المتتبع لتلك السياسات والبرامج والمشاريع على أرض الواقع وفي مراحلها المختلفة يدرك أن المنظور الجندري Gender Perspective على المستوى العملي تقدم كبديل للمرجعيات الثقافية والدينية لشعوب العالم، وأن الجندر يمثل الآلية التي تعيد بناء العلاقات بين الجنسين وفقًا لما يحقق المساواة الكاملة بين الرجال والنساء.
وهكذا تتميز مقاربة الجندر والتنمية (GAD) بتركيزها على تحقيق الحاجات الاستراتيجية للجندر، والتي تشمل التغيرات التشريعية والسياسية التي تضمن تحقيق المساواة الكاملة وتمكينها فيما يتعلق بإدارة وتحكم الجنسين في الموارد، إضافة إلى اصطدام هذه المقاربة مع العادات والتقاليد السائدة للشعوب عند تطبيقها، مما قد يعرض الواقع الأسري والاجتماعي لكثير من شعوب العالم إلى حالة من عدم الاستقرار، مقارنة بمقاربة المرأة في التنمية (WID) التي ركزت على إخراج النساء من المنازل من أجل تعزيز مشاركتهن في مجالات التنمية المتعددة داخل إطار المجتمع، وبغية ما يسمي بتحريرهن من التبعية التي يتم تركيزها في قيامهن بالأدوار الإنجابية.
الهوامش
1) Gender, Society and Develop - ment, Gender Training the Source Book, Oxfam GB,1998.
(2) Shahrashoub Razavi&Carol Mill- er.(1996),From WID to GAD: Conceptual Shifts in the Women & Development Discourse, United Nation Research Institute for So- cial Development.
(3)Merchant&Parport, (1995), Femi- nism/Postmodernism and Develop- ment, Routledge.
(4) بريدج «الجندر -التنمية» تلخيص التقرير BRIDGE & CTRD2000 معهد دراسات التنمية تشرين الثاني -نوفمبر ۲۰۰۱، تلخيص التقرير العام لـ «سوبربيا أكير كار».
(5)Suzette Mitchell, Gender & Devel- opment:aSAFErecipe, Develop- ment in Prtice, Volume2, May 1996.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل