العنوان نتائجها أكثر من أن تحصى.. ثورة اليمن أبعاد اجتماعية ومكاسب سياسية
الكاتب فيصل الصفواني
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1947
نشر في الصفحة 34
السبت 09-أبريل-2011
ما يجري في اليمن حاليًا أكبر من أن يكون مجرد صراع سياسي بين الحزب الحاكم وقوى المعارضة حيث حققت الاعتصامات السلمية ما هو أهم بكثير من محاولة إسقاط نظام وتغيير رئيس الأمر الذي يدفعنا إلى القول: إن ثورة شباب اليمن اكتسبت بعدًا إنسانيًا يميزها ويرتقي بها عن الحدث السياسي المعتاد تكراره في قلب المشهد العام.
لقد مكنت الاعتصامات السلمية جموع الشباب من العثور على وطنهم المفقود إذ وجدوا فيها أنفسهم، وفي بيئتها المأهولة بقيم الحرية بدؤوا يرسمون ملامح مستقبل اليمن الجديد الوطن الحلم في ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء، ثمة يمن جديد أخذ في التشكل، تتوافر فيه حقوق المواطنة وطن يخلو من السلاح والعنصرية والرشوة، وتتألف فيه مكوناته المتناقضة بانسيابية عجيبة تحيل من التنوع الثقافي والاجتماعي لوحة أسرة للدهشة، حافلة بخصائص المجتمع اليمني وسلوكيات أبنائه الطيبين بمختلف مظاهرهم الثقافية وقد وفرت بيئة الاعتصامات السلمية للشباب المعتصمين من أجواء الحرية وقيم الديمقراطية ما لم توفره جامعة صنعاء الأكثر سوءًا ورتابة بين جامعات العالم العربي، وفي أماكن الاعتصام وجد الشباب المتنزهات والمنتديات التي لم توفرها حكومة علي عبدالله صالح، وهناك يتعلم الشباب كيف يقبل بعضهم بعضًا، وكيف يديرون خلافاتهم وفيها يتحاور اليساريون مع المتدينين بهدوء وانسجام، بعيدًا عن بوادر العنف السائدة في حوارات البيئة الرسمية خارج الساحة.
أما على المستوى العام، فإن نتائج الاعتصامات السلمية أكثر من أن تحصى ومنها أنها ردت الاعتبار الإنساني للهوية اليمنية بين الأمم والشعوب، وعززت ثقة الإنسان اليمني بنفسه حيث وجد في هويته الآن ما يجعله يشعر باعتزاز بالانتماء إليها لقد أثبتت الاعتصامات السلمية للعالم مدى تحضر الإنسان اليمني وسمو أخلاقه وأنه أبعد ما يكون عما يسمى بـ«الإرهاب» كما كانت تصوّره وسائل إعلام الرئيس وممثلوه في السلك الدبلوماسي.
فها هم أبناء قبائل اليمن الأبية يتوافدون إلى ساحة الاعتصام، مجردين من أي أسلحة يتحلون بأخلاق الصبر والسكينة في مواجهة الاستفزازات الأمنية والهمجية التي تحاول جرهم إلى مربعات العنف والمواجهات الدامية والتي يسعى «صالح» إلى فرضها على اليمنيين قبل رحيله.
كما أن وحدة مكونات الثورة وتناغمها في ساحة الاعتصام أسقطا كل المراهنات المروجة لمشاريع التمزق والتناحر الكامنة في عقلية «صالح»، المكتظة بأشباح الضحايا وويلات الحروب.
الآن نستطيع القول: إن سلطة «صالح» سقطت فعليًا، ولم يبق إلا أن نطوي مرحلة حكمه ونلقي بها وراء ظهورنا أما انفراط مسبحة شاغلي الوظيفة الرسمية، واستقالات كبار دبلوماسيي اليمن في الخارج، وكبار العسكريين في الداخل وانضمامهم إلى ساحات التغيير؛ فهو دليل واضح على أن الاعتصامات السلمية أقنعت الضمائر الإنسانية والعقول المستنيرة بعدالة مطالبها: فاندفع غالبية اليمنيين من مختلف مواقعهم للانضمام إلى ساحات الاعتصام ولم يكتف بعضهم بمجرد تأييد مطالب الشباب بل أعلن استعداده وكلف نفسه واجب الدفاع عن المعتصمين، كما فعل اللواء الركن علي محسن صالح الأحمر، الذي كان إعلان انضمامه لساحة التغيير أشبه بالفتح المبين الثورة الشباب، خصوصا وأن كبار قادة الجيش اليمني احتذوا حذوه وأعلنوا انضمامهم إلى الثورة وفي المشهد اليمني، يبدو الرئيس «صالح» معزولا عسكريًا ومنبوذًا شعبيًا محتميًا بكتائب إجرامية من «البلاطجة» والمأجورين وهنا تتجلى المردودات الإيجابية للاعتصامات السلمية في أزهى صورها ناهيك عن أن مجزرة الجمعة البشعة كشفت الستار عن وجود مفارقة أخلاقية بين شباب ثوار تحتم عليهم أخلاقهم السامية انتهاج الوسائل السلمية في تحقيق مطالبهم، وحاكم مستبد تدفعه أخلاقه الإجرامية إلى مباغتة الأبرياء بالقتل الغادر.