; حصار غزة الإجرامي.. رواج للمهن القديمة وعودة للتراث الشعبي | مجلة المجتمع

العنوان حصار غزة الإجرامي.. رواج للمهن القديمة وعودة للتراث الشعبي

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر السبت 17-مايو-2008

مشاهدات 52

نشر في العدد 1802

نشر في الصفحة 26

السبت 17-مايو-2008

فلسطين

إحصاءات: إغلاق 96% من المنشآت البالغ عددها 3900 منشأة.. وانضمام 33500 عامل إلى صفوف العاطلين 

انقطاع الكهرباء أعاد أفراح وأعراس غزة إلى الوسائل القديمة والأهازيج الشعبية في تراث الأجداد 

 

غزة التي تئن تحت الحصار، تحاول البحث عن مقومات الحياة.. حيث يحيي مواطنوها القديم من المهن ليعوضوا البضائع التي نفدت من الأسواق، كما تدفعهم الحاجة إلى الاختراع لتبقى الحياة تتدفق في شرايين المدن والأحياء والمخيمات.. وبين الماضي الذي أحيته الحاجة، والحديث الذي يعوض ما خطفه الحصار لا يزال أهل غزة يحيون أعراسهم ولكن بطرق قديمة.. وهذه حكايات من وراء الحصار. 

 

أيام قليلة هي التي تفصل بين مشهدين مختلفين تمامًا على أبواب محطات الوقود بقطاع غزة، فهذه المرة لم يعد يعكر المكان صوت ضجيج السيارات التي كانت كسرب يمتد لمئات الأمتار، فيما بدت ساحات المحطات فارغة كخزانات وقودها.

ومع تقليص «إسرائيل» لكميات الوقود الوارد إلى غزة، أصبح السائقون يبيتون بسياراتهم مصطفين أمام المحطات، طمعًا في الحصول على بعض لترات من «السولار» أو تعبئة أسطوانة «غاز»، لكن بانقطاع الوقود تمامًا عن القطاع منذ أسبوعين. انتهى عمل أصحاب المحطات نظرًا لنفاد مخزونهم. 

ويقول «د. محمود الخزندار» نائب رئيس جمعية أصحاب شركات البترول: منذ اليوم الأول لوقف إسرائيل إمداد القطاع بالوقود، نفد مخزون المحطات وتوقف أصحابها عن العمل».

الخزندار - الذي يمتلك محطة بترول - أوضح أن الأمر لم يعد بالنسبة لهم استثمارًا، خاصة بعد الخسارة التي لحقت بهم، وقال: «منذ ستة أشهر وأصحاب شركات البترول لا يستطيعون جمع أجور عمالهم.. الخسارة مباشرة، والأمر بالنسبة لنا لم يعد استثمارًا بل عبئًا علينا بعد أن أصبحنا ندفع من جيوبنا».

 وشغل بعض أصحاب المحطات أنفسهم في إجراء بعض الإصلاحات والترميمات داخل محطاتهم، ويقول حاتم المنيراوي وهو يعمل محاسبًا بإحدى المحطات: كما ترى انتهى عملنا بعد أن نفد المخزون، وجئنا هنا لدهان المحطة وإجراء بعض الإصلاحات».

 ووجدت العشرات من المحطات أبوابها مقفلة، فيما لا يوجد أحد بداخلها، وهو ما يشير إلى أن أصحاب هذه المحطات قد التزموا بيوتهم إلى أن يحين «الفرج».

وكانت إحصاءات صدرت في وقت سابق قد أشارت إلى إغلاق حوالي 96% من المنشآت البالغ عددها ٣٩٠٠ منشأة، ما أدى إلى انضمام نحو ۲۳۵۰۰ عامل إلى صفوف العاطلين.. وارتفعت نسبة البطالة في قطاع غزة إلى ما يزيد على ٨٠٪ فيما وصلت نسبة الفقر إلى 60%حيث أصبح المواطنون يعيشون على المساعدات!

 

الحاجة أم الاختراع!

الطالبة في جامعة الخليل التي اكتشفت أن بإمكان السيارات أن تستخدم الزيت النباتي المستخلص من المطاعم الفلسطينية في محركات السيارات لم تدرك أن هذا الاكتشاف سينفذ على أرض الواقع، وخاصة في غزة التي تقع تحت الحصار، حيث لا وقود ولا كهرباء، ما دفع شريحة السائقين الفلسطينيين إلى تنفيذ هذا الاكتشاف على محركات السيارات لتسير الحياة في غزة ببطء، رغم علمهم بأن سلبياتها أكثر من إيجابياتها..

 السائق «سليمان يوسف» يقول: أعلم أن هذه الزيوت لها تأثيرها السلبي على صحة الإنسان الفلسطيني، ولكننا مضطرون لاستخدامها.. فأين البديل؟!

أما السائق «عبد السلام خليل» فيقول: فكرت كثيرًا، وسألت نفسي: أأستخدم هذا الزيت أم لا؟ لأنني أعلم تمامًا بأن إعادة استخدامه في البيوت يسبب السرطان. ورفضت أن أضعه في محرك السيارة؛ لأنه سيؤثر على صلاحيتها.. لكني وجدت نفسي مضطرًا لاستخدامه في السيارة حيث لا بديل عنه في غزة لنفاد الوقود وتوقف الحياة هنا، حيث لا يوجد عائد مالي للعائلة إلا من خلال أجرة السيارة، لذا استخدمت الجاز الأبيض مدعمًا بالزيت النباتي من أحد المطاعم. 

 

مهن أحياها الحصار

«أم حازم عفانة» كانت تقف مع العشرات أمام محل لتصليح الأحذية في سوق الشيخ رضوان تقول: «اضطرتنا الظروف الحالية إلى أن نقف هنا لساعات طويلة، فمنذ إعلان الحصار ونحن نحاول تحديه والصمود في وجهه.. لدي أربعة أبناء جميعهم يذهبون إلى المدرسة بشكل يومي، ونبحث عن الأحذية فلا نجدها في السوق لذا أحاول تصليح القديم».

 ويقول «أبو عمر المصري» صاحب أحد محلات تصليح الأحذية «إسكافي»: قبل سنة تقريبًا لم يكن يعمل بهذه المهنة في مدينة غزة أكثر من عشرة إلى خمسة عشر شخصًا، ولا يرتادها إلا الفقراء حتى قاربت المهنة على الانقراض بعد رواج الأحذية الصينية رخيصة الثمن في القطاع ، منذ مجيء السلطة الفلسطينية وانفتاح أسواق غزة على العالم.. ومنذ انقطاع البضائع عن قطاع غزة أصبح زبائننا من كل الشرائح حتى من أغنياء القطاع، وقد تضاعف دخلي أكثر من ثلاثة أضعاف مع الحصار المفروض على القطاع».

«أبو عمار» إسكافي آخر يقول: «حركة السوق الآن نشطة، وتصل يوم الجمعة إلى حد الطابور، وأصبح الزبائن من كل طبقات المجتمع.. قديمًا لم تكن الفتيات يأتين لإصلاح أحذيتهن، أما اليوم فهن يقفن في الطابور كغيرهن للمحافظة على ما لديهن من أحذية قديمة».

وفي السياق نفسه يقول «عارف شمالي» صاحب محل أحذية: «كل ما هو موجود لدينا اليوم بضاعة مصرية جاءت إلينا عبر الأنفاق، کلفتنا مبالغ خيالية كي تصل إلى غزة، ولذا نبيعها بأسعار مرتفعة حتى نستطيع تحقيق بعض الأرباح البسيطة».

 

مفاجأت الأعراس

«ليلة الحناء» لإحدى الفلسطينيات كانت مفاجأة.. طبلة ودبكة وأهازيج شعبية أعادتنا إلى عهد الأجداد.. اجتمعت بعض السيدات في حلقة، إحداهن تضرب على الطبلة والأخرى تغني الأهازيج الشعبية القديمة جينا نغني ونغني من شان أمه.. رشي العطر الغالي على كمه وأخريات يديكن.. كانت ليلة جميلة بكل ما تحمل من أصوات، وعندما سألنا إحداهن عن سبب غياب جهاز الـ«DJ» قالت مبتسمة: «زمانه ولى في عصر الحصار وقلة الوقود».

 الفلسطينية أم زياد خليل «٧٥ عامًا» التي تشارك حفيدتها ليلة حنتها، بدأت تدندن ببعض الأهازيج الجميلة وهي تضرب على الطبلة ومن حولها بناتها وحفيداتها يعدن ما تردده: «يا أم العريس الله يتم عليكي.. سبع خدم والسعد بين إيديكي»، وتتحدث أم زيادة خليل عن سبب العودة لمثل هذه الأهازيج قائلة: «كما ترون لا وقود ولا كهرباء وحصار خانق العرس بدون السيارات والستريو».

 أما هدى عليان «2٠ عامًا»، والتي كانت تشارك صديقتها ليلة الحناء، فقد كانت سعيدة بهذه الأهازيج ودقات الطبلة وتصفيق الضيوف، حيث قالت: «رغم أن الحصار له سلبياته إلا أننا نرى بعض الأشياء الجميلة التي تعيدنا لعصر الأجداد من خلال التخلي عن الموسيقى الصاخبة، وما يعرف بالـ «DJ» ونحن الآن نعاني من انقطاع التيار الكهربائي بسبب نقص الوقود، فإن فكرة العودة إلى حفلات الحنة وسيلة جديدة لكسر الحصار الذي يخنق الفرحة في قلوبنا ويكمم الضحكة على شفاهنا».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1174

54

الثلاثاء 07-نوفمبر-1995

المجتمع المحلي (1174)

نشر في العدد 1181

61

الثلاثاء 26-ديسمبر-1995

استراحة المجتمع- العدد 1181

نشر في العدد 1349

57

الثلاثاء 11-مايو-1999

صحة الأسرة (1349)