العنوان جيوش المرتزقة.. جرائم دون عقاب وخسائر بلا حساب
الكاتب د. أكرم المشهداني
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007
مشاهدات 70
نشر في العدد 1751
نشر في الصفحة 20
السبت 12-مايو-2007
إذا كان البيت الأبيض يتحدث عن وجود ١٥٠ ألف جندي أمريكي في العراق ويحتدم الجدال في الكونجرس بين الجمهوريين والديمقراطيين، بشأن تمويل وميزانية هذا الجيش، وعن الخسائر التي توقعها المقاومة الإسلامية العراقية بين صفوفه المنهارة كل يوم، وتصاعد المطالبات بسحبه سواء من داخل «الكونجرس» أم من النخب الأمريكية واستطلاعات رأي المواطن الأمريكي، تتصاعد مطالب الانسحاب من «مستنقع» العراق ووقف نزف الدماء والتبذير غير المبرر بأموال الشعب الأمريكي.
ويدور الجدل حول ميزانية قوات الغزو الأمريكي في العراق، إلا أن هذه المعلومات ليست سوى نصف الحقيقة لأن الجيش الأمريكي يستخدم أعدادًا هائلة من «جيش المرتزقة» الذي يعمل لصالح الجيش الأمريكي وهو فوق هذا العدد بكثير، حيث تكشفت أخبار موثوقة أن شركة «بلاك ووتر»، وهي الشركة المملوكة لنائب الرئيس «ديك تشيني»، المستفيد الأكبر اقتصاديًا من جريمة غزو العراق، هذه الشركة سيئة الصيت هي أول من ابتدع مفهوم الجيش المملوك للقطاع الخاص، وكانت الفكرة مفادها أن تقوم شركة «بلاك ووتر»، تقوم بالتعاقد مع قيادات الجيش الأمريكي الذين انتهت خدماتهم بالجيش النظامي للإشراف على تشكيل جيش يقوم على عناصر القطاع الخاص، وتكون قياداته أمريكية وينضم إليه أفراد وعناصر مستأجرون من جميع أنحاء العالم على طراز الشركات متعددة الجنسيات.
إن أهم ما يميز هذا الجيش الخاص هو الآتي:
أولًا: أن قتلاه وجرحاه لا يدخلون ضمن حساب الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية لقتلى الحرب، وبالتالي لا يثيرون أي زوابع سياسية أو اجتماعية داخل المجتمع الأمريكي.
عددها ۱۳۰ شركة أمنية تضم بين ٣٠ و٥٠ ألف شخص ويبلغ حجم أعمالها ١٠٠ مليار دولار ويتراوح الأجر اليومي للجندي فيها بين ألف و3 آلاف دولار
ثانيًا: أن وجوده يبقي على عدد القتلى والجرحى من الجيش النظامي الأمريكي منخفضًا عند العودة للأرقام والإحصاءات، وهذا ما يفسر أن العدد الحقيقي لقتلى الجيش الأمريكي يزيدون على الرقم المعلن رسميًا وهو ٣٠٠٠ جندي منذ احتلال العراق.
ثالثًا: أن الجيش الظل «المرتزقة» لا يخضع لأي قانون من قوانين الجيش الأمريكي في أنظمة عمله، فهو يرتكب الجرائم بالقتل الفردي والجماعي والاغتصاب دون أي حسيب أو رقيب ودون مساءلة نظامية أو قانونية، إنه جيش يتمتع بالحرية الكاملة للعمل حسب رؤيته دون أي قانون يردعه.
رابعًا: أنه يعطي الإدارة الأمريكية القدرة الكافية لتوفير عدد من القوات من أجل الوجود في مناطق ساخنة أخرى في أنحاء متفرقة من العالم، وهذا هو سر اندفاع إدارة الرئيس بوش في غطرستها وتهديدها للعديد من الدول والأنظمة المخالفة لها في العالم.
خامسًا: أن هذا الجيش الخاص أو الظل «المرتزقة» مملوك ويدار من قبل «شركات أشخاص» يعملون داخل الهرم السياسي في الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم نائب الرئيس الأمريكي، لذا سيكون هناك حماس للعمل على إنجاح هذه السياسة والدفاع عنها.
سادسًا: أن جيش «المرتزقة» بعيد عن رقابة الكونجرس المالية المباشرة والمدفوعات والمصروفات المالية له لا تخضع لمسمى خدمات الجيش، وإنما تدخل تحت مفهوم «إعادة إعمار العراق» لإقامة المشاريع في الوقت التي تدفع هذه الأموال لجيش مرتزقة.
قوات مرتزقة مؤدلجة
إن استخدام جيوش المرتزقة أمر معروف منذ زمن بعيد، إلا أن إدارة الرئيس بوش دفعت هذا العمل إلى آفاق عالية وبعيدة في الأذى والخطورة والتحايل على الشعب الأمريكي وعلى العالم. ولكن وجود قوات
المرتزقة بالعراق ليس مجرد تعاقد أمني مع «البنتاجون» تقوم بمقتضاه هذه القوات بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأمريكي، بل يسبقه تعاقد أيديولوجي مشترك بين الجانبين يجمع بينهما، ألا وهو «دولة فرسان مالطا» الاعتبارية آخر فلول الحرب الصليبية، التي تهيمن على صناعة القرار في الولايات المتحدة والعالم، وقد كشف الصحفي الأمريكي «جيرمي سكيل»، في كتابه الحديث عن شركة «بلاك ووتر» أكبر الشركات الأمنية المتعاقدة مع الإدارة الأمريكية في العراق حيث أظهر العلاقة الدينية التي تجمعهما «الحروب الصليبية».
وفي تقرير له نشرته مؤخرًا مجلة «The Nation» الأمريكية بعنوان «جيش بوش في الظل» يكشف سكيل عن الصلة الدينية التي تجمع بين «بلاك ووتر»، وإدارة بوش قائلًا: من الصعب تخيل أن المحسوبية التي اصطبغت بها إدارة الرئيس الأمريكي بوش لم يكن لها دور في نجاح «بلاك ووتر»، فمؤسس الشركة إيريك برينس يتشارك مع بوش في معتقداته المسيحية الأصولية، حيث جاء من عائلة جمهورية نافذة في ولاية ميتشيجان وأبوه إيدجار برينس ساعد جيري بوير لإنشاء مركز أبحاث العائلة، وبوير هو سياسي محافظ معروف بعلاقاته مع كثير من الجماعات المسيحية الإنجيلية، كما يعرف بتأييده اللامحدود لـ«إسرائيل»، وإيمانه بضرورة استخدام القوة العسكرية لحماية مصالح الولايات المتحدة و«إسرائيل».
وبحسب تقرير سكيل فإن الجنرال المتقاعد جوزيف شميتز الذي عمل مفتشًا عامًا في وزارة الدفاع الأمريكية ثم انتقل للعمل كمستشار في مجموعة شركات برينس المالكة له «بلاك ووتر» كتب في سيرته الذاتية أنه عضو في جماعة «فرسان مالطا».
مرتزقة خارج القانون
شركة بلاك ووتر أكبر الشركات الأمنية المتعاقدة مع الإدارة الأمريكية في العراق.
مجلة «The Nation » الأمريكية: مؤسس الشركة إيريك برينس يشترك مع بوش في معتقداته المسيحية الأصولية.
تطلع للحصول على عقد في إقليم دارفور وهو الأمر الذي يمكن أن يضيف دافعًا آخر نحو إصرار الولايات المتحدة على التدخل عسكريا في دارفور.
أما عن وضع شركة «بلاك ووتر» المرتبطة بفرسان مالطا في العراق، فهو ينطبق على وضع ما تسمى بـ«الشركات الأمنية الخاصة» في العراق، القرار الذي أصدره الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر، بتاريخ ٢٧/٦/٢٠٠٤م بمنح الشركات الأمنية حرية العمل في العراق، كما منحها حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون العراقي لها، وتستخدم هذه الشركات معدات تقترب من الجيش النظامي، إذ إنها تستخدم أدوات قتالية متوسطة، وفي بعض الأحيان ثقيلة، بل إن جزءًا منها تستخدم الهيلوكوبتر والمدرعات لتنفيذ أعمال قتالية وهجومية مثل شركة «بلاك ووتر» وشركة «دين كورب».
وتأتي القوات الأمنية الخاصة في العراق في المرتبة الثانية من حيث عدد أعضائها بعد جنود الولايات المتحدة الأمريكية الذين يقدر عددهم بـ١٣٠ ألف جندي، في حين يتراوح عدد أعضاء الشركات بين ٣٠ و٥٠ ألف شخص يعملون في ۱۳۰ شركة أمنية بالإضافة إلى أنه يبلغ حجم أعمالها في العراق ما يقارب ۱۰۰ مليار دولار. ويكشف سكيل عن أنه مع تنامي نفوذ شركة «بلاك ووتر» داخل الإدارة الأمريكية، فإنها تتطلع حاليًا إلى الحصول على عقد في إقليم دارفور غرب السودان، وهو الأمر الذي يمكن أن يضيف دافعًا آخر نحو إصرار الولايات المتحدة على التدخل عسكريًا في دارفور وتدويل الصراع في هذا الإقليم.
لا يخضعون للحساب
ويؤكد جيرمي سكيل في كتابه: «أن المرتزقة القتلى في العراق لا يحسبون ضمن قتلى جيش الولايات المتحدة النظامي، كما أن جرائمهم لا يتم توثيقها، وبالتالي لا يتم معاقبتهم عليها، وهو ما يغطي على التكلفة الحقيقية للحرب»، وسبق أن صرح السيناتور الديمقراطي دينيس كوسينتش الذي يعد واحدًا من أكثر المعارضين لعمل المرتزقة في العراق: «لدينا ۲۰۰ ألف جندي في العراق نصفهم لا يمكن حسابهم، والخطر أن نسبة محاسبتهم على ما يفعلون هي صفر»، واصفًا ما يحدث. في العراق على أنه «حرب مخصخصة»، وتشير الإحصاءات إلى أن ٥٧٪ من القتلى في صفوف هذه الشركات كانوا في مثلث المقاومة السنية «بعقوبة-الرمادي- الموصل»، وهو ما يدل على أن الجيش الأمريكي استخدم المرتزقة كراس حرية في التصدي للمقاومة، خصوصًا في العدوان على الفلوجة عام ٢٠٠٤م، والذي شهد جرائم حرب واستخدمت خلاله قنابل فسفورية ضد الأهالي.
كما أن نشاط هذه الشركات- على حد تعبير تقرير صادر عن الجامعة الوطنية للدفاع في واشنطن- يعرض حقوق الإنسان للخطر، وهو ما جرى فعلًا عندما تورط عملاء شركتين خاصتين للحماية في فضيحة تعذيب واغتصاب سجناء عراقيين في سجن أبو غريب، وهما شركتا كاسي إنكوري رایشن CACI وتیتان كوربوراشن Titan، وهما ذاتا سمعة سيئة. وأشارت إلى استعانة هذه الشركات الخاصة بأفراد اشتهروا بسمعتهم السيئة على صعيد انتهاك حقوق الإنسان والتورط في محاولات قتل وتعذيب بل وانقلابات عسكرية في بلدان إفريقية أو أمريكية لاتينية، وكان من أبرز هؤلاء الموظفين الأمنيين الذين كانوا يعملون في حكومة الدكتاتور التشيلي السابق، «أوجستو بنوشيه»، وحكومة مجرم الحرب الصربي «سلوبودان میلوسفيتش»، وأفراد من نظام الحكم العنصري السابق في جنوب إفريقيا، كما استعانت بعراقيين ولبنانيين سبق أن التحقوا في تنظيمات مسلحة إبان الحرب الأهلية في لبنان، ولا تستبعد كونهم من قوات «أنطوان لحد» المتعاونة مع القوات «الإسرائيلية»، في عدوانها على لبنان قبل أن تتفرق بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٠م، ويتراوح الأجر اليومي للجندي المرتزق بين ألف و3 آلاف دولار أمريكي.
العدد القادم إن شاء الله مقال في نفس القضية بقلم جرمي سكاهل مؤلف كتاب «بلاك ووتر».