; أندونيسيا: الإحسان.. مبدأ جديد يدخل قاموس الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان أندونيسيا: الإحسان.. مبدأ جديد يدخل قاموس الانتخابات

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999

مشاهدات 56

نشر في العدد 1353

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-يونيو-1999

8 أحزاب إسلامية تتفق على أن «تتصدق» الأحزاب القوية في بعض المناطق على الأحزاب الضعيفة ببعض الأصوات ليتسنى لها النجاح

كوالا لمبور: صهيب جاسم

بدأ ۱۳۱ مليون ناخب إندونيسي أمس الثلاثاء ٧ يونيو التوجه إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات يأملون في أن تكون نزيهة، فضلًا عما يتوقع لنتائجها من أثر كبير على مستقبل هذا البلد المعروف بثقله الجغرافي والسكاني والديني في جنوب شرق آسيا، وقد أرست بعض الأحزاب الإسلامية المشاركة في الانتخابات مفاهيم جديدة غير مسبوقة في عالم السياسة.

 وقبل الحديث عن الأحزاب والتيارات.. وقضاياها من الضروري الرجوع إلى بعض الحقائق التي يمكن أن تفسر لنا الكثير، إذ تشير آخر إحصائية تقديرية إلى أن عدد السكان 209.389.000 أي ما يقارب ۲۱۰ ملايين نسمة، ومن هؤلاء يبلغ عدد من يحق لهم الانتخاب ۱۳۱ مليون نسمة, ٤٨% منهم دون سن الـ ٣٥ سنة أي أن هؤلاء يشهدون أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في حياتهم، وهذا العامل هو الذي دفع بعض الأحزاب إلى التأكيد على العمل من خلال الشباب، وتقديم وجوه في عمر الزهور ، جغرافيا تعتبر جزيرة جاوة الجزيرة الأهم.

 ولذلك فمن الصعب ألا يكون الرئيس منها فنسبة ٦٠% من السكان، وكذا المرشحين جاویون و۲۰ %من سومطرة و٢٠ %من الجزر الأخرى.

 وظيفيًّا يعمل ٦١ %من الإندونيسيين في المناطق الريفية والباقون في المدن، كما أن20 % فلاحون أو عمال و۳۱ % فلاحون في مزارع كبيرة.

 تعليميًّا لم يحصل ٣٩ %من السكان على أي فرص تعليمية فيما يعرف ۸۷ % القراءة وهذه إحدى نقاط ضعف الأحزاب الإصلاحية، فغير المتعلمين يمكن خداعهم بسهولة، أما نقطة القوة بالنسبة للأحزاب الإسلامية فهي أن 49% من السكان علي الأقل ينتمون إلى منظمات دينية وهي كثيرة جدًا في إندونيسيا، كما أن ٧٠ % من السكان يدخل دار عبادة مسجد أو معبد - مرة على الأقل في الأسبوع.

 وإعلامياً يشاهد ٦٤ %من السكان - حسب استبانة أجريت مطلع هذا العام ضمت كل المناطق عدا تيمور الشرقية التلفاز ثلاث مرات على الأقل، بينما يستمع37 % منهم إلى المذياع، ويقرأ ١٣ %منهم فقط الصحف والمجلات.

 بعد عام وأسبوعين من سقوط سوهارتو العام الماضي تحقق أول أحلام التغيير، فالانتخابات إنما جاءت استجابة لما عانته البلاد وذاقه العباد ولكن ما مدى اتساع أو عمق هذا التغيير؟ وهل هو اقتصادي لصالح سكان البلاد الأصليين وإعطاء الأقاليم المحرومة حقوقها؟ أم تغيير في التوزيع السكاني بين المدن والقرى لتخفيف الضغط السكاني على جاكرتا وما حولها من مدن جاوة أم هو تغيير لدور الجيش بإضعاف دوره في الحياة السياسية؟ أم هو تغيير يهدف إلى توزيع عادل للثروة ومحاكمة سوهارتو والمستفيدين معه وإغلاق البنوك المفلسة؟ كل هذه الأسئلة دارت في أحاديث خطباء وكتاب الأحزاب التي سعت لجذب أصوات الشعب لاختيار شعار أحد الأحزاب المطبوعة كلها على ورق كبير بحجم ملصق الإعلانات بوستر، ومع أن النتائج المؤقتة قد تعلن بعد يومين أو ثلاثة، فإن الإعلان الرسمي النهائي لن يبدأ قبل الأيام الأخيرة من هذا الشهر وحتى الأسبوع الثاني من الشهر القادم وسيعلن عن أسماء الفائزين، لكنهم سينتظرون حتى ٢٦ يوليو القادم ليبدأوا عملهم. 

أما الانتخابات الرئاسية فستكون في نوفمبر القادم بطريق غير مباشر أي بالتصويت داخل مجلس الشعب الاستشاري المكون من ٤٦٢ عضوا منتخبًا، و ۳۸ معينين من قبل الجيش, ليكون مجموعهم ٥٠٠ إضافة إلى ٢٠٠ معينين من قبل الحكومة، ليكون مجموع هؤلاء ۷۰۰ شخص، وهم الذين سيختارون الرئيس.

لعبة التحالفات

يكاد المحللون يجمعون على أنه من الصعب أن يحصد أحد الأحزاب أغلبية تمكنه وحده من اختيار الرئيس في المجلس الاستشاري، ولذلك فالتحالفات بين الأحزاب قبل الانتخابات ثم تحت قبة المجلس هي التي ستحدد الرئيس القادم، ومن ثم مستقبل القضايا العالقة وأحوال البلد، سمة التمزق تكاد تكون غالبة، ولذلك برز من بين الأحزاب الـ ٤٨ عدد قليل يتوقع أن يكون له دور مؤثر من خلال تمثيل جيد في المجلس ومن ثم صوت مسموع عند اختيار الرئيس، وهناك تحالفان رئيسان حتى الآن يستهدفان التصدي لإعادة انتخاب الرئيس الحالي يوسف حبيبي أو غيره من شخصيات الحزب الحاكم أو أي شخصية غير إصلاحية بمعناها في السياق الإندونيسي.

 أول هذه التحالفات الذي ظهر وكأنه ليس تحالفًا حقيقيًا هو ما أعلن في بلاغ رسمي من قبل أمين رئيس حزب أمانة الشعب «إسلامي» وميجاواتي سوكارنو بوتري ابنة الرئيس الأسبق سوكارنو رئيسة حزب النضال من أجل الديمقراطية «يسار»، وعبد الرحمن وحيد - رئيس حزب النهضة القومية «قومي»، وذلك في ١٨ مايو الماضي، وكان الهدف منه إبداء استعداد الشخصيات المذكورة للتعاون لمنع وصول حبيبي إلى السلطة، وكانت ميجاواتي وأمين مترددين في إبداء أي تعاون، لكن بنت الرئيس الأسبق عادت ووافقت على الاتفاق طمعًا في أن يتحقق حلمها وتصبح رئيسة لإندونيسيا.

 لكن الاتفاق بدا ضعيفًا فالإعلان لم يذكر من سيكون مرشحهم للرئاسة، والثلاثة المتفقون على منع حبيبي طامحون في أن يصل شخص منهم إلى السلطة، فكيف يتفقون على واحد منهم، وإذا علم أن عبد الرحمن وحيد يؤيد ميجاواتي ويتعاون معها فهل سينحاز أمين رئيس، إلى ميجاواتي ويقبل ترشيحها؟ وهل سيؤيده الإسلاميون الآخرون؟

 في الواقع إن التحالف المذكور كان مفاجأة في أن يتفق إسلامي مع يسارية وكان هدف د. أمين كسب ٥٠% من الأصوات على الأقل لصالح التحالف، لكن تعاونهما قد لا يتم خاصة وأن ميجاواتي حاولت التخلص منه، واصفة إياه بأنه مجرد بلاغ رسمي، وقد يستطيع حبيبي العودة إلى الرئاسة بتحالفه مع عدد من الأحزاب المؤيدة له، حيث إن الكثيرين لا يؤيدون ميجاواتي ويعتبرونها غير إصلاحية في نظرتها للقضايا المصيرية مثل تعديل الدستور، وقضية أتشيه وتيمور الشرقية، بل إن السياسات الجديدة لحزب جولكار الحاكم تبدو في بعض جوانبها أفضل من سیاسات حزب ميجاواتي.

ميجاواتي اليسارية تأمل في استغلال حزبي أمين رئيس وعبد الرحمن وحيد للوصول لمقعد الرئاسة

التحالف الثاني

لكن التصدع بدأ يظهر في التحالف الثلاثي قبل الانتخابات بعد أن هدد حزب النهضة القومية بالانسحاب وهجوم عبد الرحمن وحيد على أمين رئيس، لأن الأخير وقع اتفاقاً مع حزبين إسلاميين قوميين هما حزب العدالة، وحزب التنمية المتحدة، والحزب الأخير على خلاف حاد مع حزب النهضة القومية مع أن كليهما يحظى بتأييد أعضاء في جمعية نهضة العلماء الإسلاميين ذات الـ ٤٠ مليون عضو، وكانت الأحزاب الإسلامية الثلاثة «العدالة» برئاسة د. نور محمودي إسماعيل والتنمية المتحد برئاسة حمزة خاص، وأمانة الشعب برئاسة أمين رئيس قد أعلنت تحالفًا في ٢١ مايو الماضي، «الذكرى السنوية الأولى لسقوط سوهارتو» يهدف إلى توحيد أصواتها بهدف منع حبيبي من الوصول إلى السلطة ودعوا إلى انتخابات رئاسية مبكرة خلال 3 أشهر، وأبدوا استعدادهم للتعاون مع الأحزاب الأخرى ذات الأهداف المشتركة، مع إعطاء الأحزاب الإسلامية الأولوية، وقد أبدت أحزاب إسلامية أخرى استعدادها لتأييد هذا التحالف عن طريق اتفاقية تعاون بين حزب العدالة وسبعة أحزاب إسلامية أخرى من جانب آخر.

واعتبر هذا عاملاً مقوياً لتحالف أمين العدالة والتنمية المتحد وخاصة أن د. نور محمودي إسماعيل رئيس حزب العدالة كان قد تحرك بشكل مكوكي للم شمل الأحزاب الإسلامية، ونتج عن ذلك أن وقعت ثمانية احزاب إسلامية اتفاقية تعاونية وصفوها بانها قائمة على مبدأ الإحسان، ويقوم الاتفاق أساسًا على منح الأحزاب الضعيفة في بعض المناطق أصواتًا من الأحزاب القوية حتى يتسنى لها النجاح.

 الاتفاق سيمنح مرشحي الأحزاب الصغيرة الثقة في الفوز، ويشجع الناخبين بأن أصواتهم حتى لو كانت قليلة ومع أنها لا تؤهل مرشحهم للفوز فإن أصوات حزب آخر ستدعمها وسيتم تحويلها للمرشح المحتاج ليكسب مقعداً.

 أيضاً الاتفاق كذلك سيمنح أكبر الأحزاب في الدائرة الأصوات المتبقية من كل الأحزاب الثمانية، والتي قد تؤهل له مرشحًا آخر كمكافأة، لأنه الأكبر عددًا من ناحية الأصوات في الدائرة، وهذا يعني أن الناخب المتعاطف مع أحد الأحزاب الثمانية الإسلامية لن يضيع صوته إطلاقاً، لكن حزب أمانة الشعب رفض الانضمام إلى الاتفاق، وتضم اتفاقية التعاون بين الأحزاب الثمانية الأحزاب التالية حزب العدالة - التنمية المتحد - حزب النجمة والهلال - نهضة الأمة نهضة الشعب الأمة الإسلامي- حزب ماشومي السياسي الإسلامي - الحزب الإندونيسي الإسلامي المتحد ١٩٠٥م.

 وعلى صعيد الحملات الانتخابية تعاونت ثلاثة أحزاب رئيسة إسلامية هي: حزب العدالة، وأمانة الشعب وحزب النجمة والهلال الذي يرأسه د. يسري إهذا ما هندرا أحد المرشحين للرئاسة كذلك، ولعل مناورات التحالفات ستستمر حتى بعد إعلان النتائج وتحت قبة البرلمان وأخطرها تلك التي ستكون في ساعة التفضيل بين حبيبي وغيره من المرشحين للرئاسة.

كما تم اتفاق ثالث بين ثلاثة أحزاب إسلامية أخرى وهي حزب إندونيسيا الجديد، وحزب الأمة الإسلامي، وحزب نهضة الأمة، تقضي بأنه عند فوز أي حزب بعدد من المقاعد في المجلس فإن الحزبين الآخرين ملتزمان بمراقبة عمله ونصحه حتى أن يحلا محله إذا لم يؤد مهمته حسب المطلوب، ولم يوف بعهوده التي قطعها على نفسه خلال الحملة الانتخابية.

لكن الاتفاقات الثلاثة لا تصل إلى مرحلة الاندماج أو الوحدة التي ظل إسلاميون يدعون إليها، وهذا ما دفع مرشح حزب العدالة الرئاسي د. يدين حفيظ الدين إلى تجديد مطالبة الأحزاب الإسلامية الأخرى وعددها ۲۰ حزبًا برفع مستوى التعاون بينهما.

استبانات الرأي العام تتباين في تعيين شعبية الأحزاب، كما أنها لا تعبر عما تهدف إليه كلياً لوجود عوامل مؤثرة على تغيير توجهات الناخبين وأهمها الأموال المسيسة غير أن الاستبانات قد تكون مؤشرًا عامًا على شعبية أحزاب معينة، وقد بدا واضحًا وجود اختلاف بين شعبية حزب معين وشعبية رئيسه، فقد يكون الرئيس مشهورًا لكن حزبه ليس كذلك أو العكس، مجلة «تمبو» الإندونيسية في مسحها (١٥ – 22/5 الماضي) أكدت شعبية الأحزاب على النحو التالي:

1- أمانة الشعب

٢ - العدالة.

3- النضال من أجل الديمقراطية .

4- جولكار الحاكم

5- حزب ماشومي الإسلامي السياسي

6- تضامن العمال

7- النجمة والهلال - إسلامي

8- الحزب النصراني القومي الإندونيسي التنمية المتحد.

استبانة أخرى أجرتها جريدة «كومباس» أواخر الشهر الماضي أظهرت شعبية أحزاب التحالف الأول أمين رئيس - عبد الرحمن وحيد - ميجاواتي بنسبة ٤١.٥% مقابل ١٤.٣% لصالح جولكار الحاكم، ومع أن أمين رئيس يتوقع أن يحصل جولكار على 15% لكن مؤيدي جولكار وبعض المحللين يزعمون قدرته على حصد ٢٥ - 3٥ من الأصوات إذا لم تتفق المعارضة ومع استخدام سلاح المال والرشاوى، فحزب جولكار ذو قوة مالية لا تقارن بأي حزب آخر، ما عدا - ربما - حزب ميجاواتي ثم إنه يبدو حزب وسط لا يعادى الإسلاميين ويرفع شعار الله أكبر لمنافستهم لكنه علماني يؤمن بمبادئ البانشاسيلا ويحاول الحزب إظهار قدرته على التكيف مع التغيرات وأنه ليبرالي في أفكاره وقد نجح حزب جولكار في شق صف المعارضة وصناعة أحزاب تابعة له يحركها كيف شاء بين صفوف المعارضة، وقد ساعد حبيبي بالتغييرات التي أجراها في تحسين سمعة جولكار، فقد ساعد على تحول البلد نحو الخيار الديمقراطي، فأطلق سراح السجناء وعدل قانون الأحزاب وتشكيلة مجلس الشعب وأعطى للصحافة حرية شبه كاملة، لكن نقاط ضعف هذا الحزب تكمن في أنه مربوط تاريخيًّا، وحتى حاليًا بشكل أو بآخر بحكم سوهارتو وبتأثير أعوانه السابقين، وبالتالي فإن اسمه ملطخ، كما أن حبيبي ليس جاويًا، وهذه نقطة ضعف ومن الصعب أن يحظى بتأييد الجاويين كما أن جولكار مربوط في أذهان الشعب بالجيش وسمعته السيئة.

التيار الإسلامي

وإذا توجهنا من تيار جولكار نحو التيار الإسلامي نجد أن له نقاط ضعف وقوة أيضًا أولى نقاط القوة أن الإسلاميين وعلى رأسهم شباب حزب العدالة شاركوا بشكل فعال في إسقاط سوهارتو، واكتسبوا شهرة بذلك وعلى أساسها أسسوا حزبهم وشاركهم في ذلك آخرون من حزب أمانة الشعب وأحزاب نهضة العلماء، ثم إن الصحوة الإسلامية التي تشهدها إندونيسيا تمثل مصدرًا من مصادر قوتهم، كما أن هذه الأحزاب الإسلامية وعددها عشرون حزبًا لها سجل نظيف غير ملوث بإساءة استخدام السلطة, لكن العيب في عدم نضج هذه الصحوة على مستوى الجماهير الذين يكونون ٩٠ من السكان مقابل ١٠ من النخبة فقط، ولذلك نجد أن العامة وعلى الرغم من أن90 % منهم مسلمون يمكن أن ينخدعوا أو تشترى أصواتهم بطرق وأساليب ملتوية، وهذه نقطة ضعف قد لا يمكن التغلب عليها خلال الانتخابات الجارية.

لكن عيباً آخر في صفوف هذه الأحزاب هو اختلافها، والخلافات بينها تبدو سياسية وليست مذهبية بحتة كما كانت في انتخابات ١٩٥٥م، فنحن نری نهضة العلماء تنقسم سياسيًا إلى خمسة أحزاب أحدها بقيادة عبد الرحمن وحيد الذي لا يمانع من رئاسة ميجاواتي كامرأة لإندونيسيا، لكن الأحزاب الأربعة الأخرى ترفض ذلك، ونرى أحزاباً أخرى تتصارع على صلتها التاريخية بأحزاب قديمة، ويصل الخلاف إلى منهج الأحزاب، فبعضها مثل حزب التنمية وحزب النهضة القومية لا يدعو إلى تأسيس دولة إسلامية وقد يهاجمها، وهذا ما قام به عبد الرحمن وحيد، بينما يرى آخرون ذلك هدفاً رئيساً لهم.

ويعتقد أن الانتخابات الجارية ستؤدي إلى إعادة تشكيل صف الحركات الإسلامية وخاصة بعد ظهور النتائج وبروز عدة أحزاب تمثل صوتًا لتيارات سياسية إسلامية جديدة، وهذا يعني أن التقسيم القديم بدأ يتغير تدريجيًّا بفعل الاختلافات السياسية، كما أن الانتخابات أبرزت وجود تيارات سياسية خارج إطار جمعيتي نهضة العلماء والمحمدية «٤٠ و3۰ مليون عضو على التوالي» ومما ينبغي على رجال الصحوة في إندونيسيا دراسته حالة هاتين المنظمتين ومحاولة استنباط الدروس والعبر من دورهما المهم والمؤثر منذ بداية هذا القرن، وكشف نقاط القوة والضعف ومنها سبب انشقاق أعضائهما إلى عدة أحزاب، وما العبرة من أن يكون الأعضاء منظمين تعليميًّا أو ثقافيًّا، ولكنهم يتناحرون سياسيًا وأين الوحدة الفكرية التي كان لابد من أن تصقلها جهود المنظمتين بين صفوف الأعضاء ذلك أنه لو لم تكن هذه الجموع الهائلة منشقة سياسيًا لما أمكن لحزب جولكار أو الأحزاب الأخرى الوصول إلى السلطة مع وجود جبهة إسلامية.

الانشقاق ظاهرة عامة

الانشقاق بين الأحزاب الإسلامية ليس سمتهم وحدهم، فالأحزاب القومية واليسارية منقسمة كذلك إلى تيارات مختلفة بعضها يرفع شعارات متشابهة، مدعيًا الأصول التاريخية للتيار القومي أو اليساري، وهذه إحدى نقاط ضعف حزب ميجاواتي وتيارها اليساري – القومي، فكل الأحزاب المنشقة عنها تدعي أنها الأولى والأحق برفع شعار أحمر مرسوم عليه صورة بقرة، لكن نقاط قوة ميجاواتي تكمن في أنها بنت رئيس إندونيسيا الأول سوكارنو، وأنها كانت رمزًا للاضطهاد السياسي في عهد سوهارتو، والمعارضة له ولها شعبية بين سكان ريف جاوة لكونها جاوية ثم لأنس الدعم الغربي لها، والذي بدأ قبل سقوط سوهارتو، والدعم الإعلامي من الإعلام الإندونيسي الذي يتحكم في عدد من مؤسساته النصارى واليساريون، وسبب ذلك أن ٥٠ - ٧٠٪ من مرشحي حزبها حسب أحد التقديرات من النصارى، فالنصارى يريدون الوصول إلى البرلمان، وتكوين ثقل داخله عن طريق حزبها، وعلى الرغم من إنشاء أحزاب نصرانية ترفع الصليب فهذه لن تكون قادرة على التأثير لصغرها، وهذا ما يفسر تحالف الصينيين مع ميجاواتي ودعمهم لها ضمانًا لمصالحهم إذا فازت بالرئاسة.

 نقاط الضعف والقوة للتيارات السياسية الإندونيسية ستضطرها إلى الاعتماد على التحالفات والتي ستتشكل بفعل مؤثرات لا تقوم على أساس عدد نواب كل حزب في البرلمان، ولكن على موقف كل حزب فيما يخص الإصلاح وتفسيره لمعنى الإصلاح المالي والاقتصادي والاجتماعي وتأييده للفيدرالية، وإسلاميته أو عدم إسلاميته، كل هذه وغيرها من العوامل ستسمعنا أنباء قد تكون مفاجئة فهل ستتحقق أحلام الملايين وهل سيعود الاستقرار للبلد وهل سينجح الرئيس القادم في إرساء أركان الوحدة والحفاظ على البلد من الانقسامات وتيمور على وشك الذهاب؟ وماذا سيكون دور الجيش هل حقًّا سيترك دوره السياسي بعد عدة أعوام وهل سيحقق مع سوهارتو بشكل كامل ويغلق هذا الملف الذي أزعج فقراء إندونيسيا وهل ياترى سيترك الشعب الإندونيسي ليهنأ باكتمال فرحته هذا ما ستكشفه لنا الأيام والأسابيع القادمة والتي لن تنتهي إلا بأداء القسم من قبل رئيس جمهورية إندونيسيا الجديد.

الرابط المختصر :