; أساليب مرفوضة وانتهاك لحقوق الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان أساليب مرفوضة وانتهاك لحقوق الإنسان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 23-فبراير-1999

رأي المجتمع

      شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية، وعلى وجه الخصوص منذ بداية عقد التسعينيات، ما عرف باسم «الموجة الديمقراطية الثالثة» والتي تجلت في اتجاه عدد من دول العالم الثالث، التي حكمت سنوات طوالًا، بالحكم العسكري الدكتاتوري- إلى الأخذ بالنهج الديمقراطي، وإجراء انتخابات حرة سليمة، أفرزت قيادات مدنية غير عسكرية، وتم تسلمها للسلطة لتباشر حقبة جديدة من العمل السياسي في بلدانها.

      وقد واكب ذلك انهيار النظم الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا، وانتهاء الدكتاتوريات الشيوعية، وقيام نظم ديمقراطية جديدة هناك، غير أن موجة التغيير العالمية توقفت عند حدود عدد من بلداننا العربية والإسلامية، والتي تحكمها دكتاتوريات عسكرية مشابهة، وثبت إلى كرسي السلطة، في غفلة من الشعوب وبدعم غربي، وهي تتشبث به منذ ذلك الحين، وتسلك في سبيل ذلك كل السبل، وجميعها سبل غير مشروعة، إذ كيف تكون مشروعة وهي التي تحرم الشعوب من حقها الطبيعي في العدل والحرية، وتحيل حياة الشعوب إلى جحيم لا يطاق من الاستبداد، وكبت الحريات، وفتح أبواب السجون والمعتقلات، وفوق ذلك كله تعطيل شرع الله، والتخاذل أمام قضايا الأمة المصيرية.

     وفي محاولة ساذجة لإيهام الشعوب والعالم الخارجي بديمقراطية العسكر، يلجأ بعض هذه الأنظمة للأخذ ببعض مظاهر العملية الديمقراطية، على سبيل تشكيل حزب سياسي أو جبهة سياسية تكون واجهة للدكتاتورية العسكرية، أو إجراء انتخابات برلمانية أو إجراء الاستفتاء على مرشح وحيد لرئاسة الجمهورية، ولكن المتتبع لحقيقة هذه الإجراءات لا يحتاج إلى طويل وقت، ليكتشف اللعبة السخيفة الممجوجة، إذ لا يلبث القناع الزائف أن يسقط ليظهر الوجه البشع للدكتاتورية، ولنرى بموجبه ما يحدث من تلاعب باسم الديمقراطية في بعض أقطار العالم العربي التي تحكم حكمًا فرديًا إرهابيًا مباشرًا.

1- يجرى توزيع البطاقات الانتخابية على المواطنين قبل الانتخابات أو الاستفتاء بمدة كافية، ويشترط أثناء ذلك إبراز البطاقة الانتخابية مع كل معاملة يجريها المواطن في أي دائرة حكومية، أما بعد الاستفتاء فيتحتم أن تكون البطاقة الانتخابية ممهورة بختم لجنة الانتخاب؛ دليلًا على أن المواطن قد ذهب للإدلاء بصوته، وهكذا ترتفع نسبة التصويت الإجباري ليجري التغني بعد ذلك بارتفاع نسبة المشاركة الشعبية.

٢- أن الاستفتاء يكون على شخص مرشح واحد هو ذاته الموجود في السلطة، والذي تسخر لخدمته والدعاية له كل إمكانات الدولة.

٣- أن التصويت يكون علنًا أمام الملأ وأمام كاميرات التصوير، وعيون المتلصصين من مختلف أجهزة الأمن والمخابرات ثم يقال بعد ذلك إن الموافقة كانت ساحقة، وإن النتيجة تقترب من نسبة (100%) دون أن يسأل أحد نفسه عما إذا كان هناك خيار آخر أمام الناخب سوى أن يقول نعم، وهل المطلوب من الناخبين أن يكونوا أعضاء في فرقة فدائية حتى يقولوا لا، ويلقوا بأنفسهم إلى التهلكة؟ بل ربما كانت النتيجة الفعلية هي (١٠٠٪) وليست (٩٩,٩٪)، إذ لا يتوقع أن يقول أحد لا، والسيف مصلت على رقبته.

٤- إن بعض أبناء هذه الشعوب ذاق الأمرين من الحكم المستبد المطلق، فمنهم من مات ذووه في السجون، ومنهم من سجن لآماد طويلة، ومنهم من شرد، فهل يقال إن هؤلاء أيضًا قد قالوا نعم لجلاديهم وسجانيهم وقاتلي أهليهم؟

٥- ثم تتلو ذلك الاحتفالات الضخمة، بما تحقق من نتائج في الانتخابات، ولا ندري أي نصر تحقق وأي معضلة حلت وأي عقبة كؤود تم تجاوزها؟ وفيم إهدار الطاقات البشرية والمادية، وشغل الناس بالتمثيليات والمسرحيات إذا كانت الخاتمة معروفة سلفًا؟

     ثم إن هؤلاء الذين ركنوا إلى السلطة المغتصبة شطحت أمانيهم وأهواؤهم، فترى الحاكم العسكري يهيئ المجال لأبنائه ليخلفوه في السلطة من بعده، ولا ندري من أين لهم الحق في أن يفعلوا ذلك، وما المقومات التي أهلت ذلك الابن لتبوأ تلك المناصب؟

     إن أساليب الحكم البائدة هذه لم تعد مقبولة ولا منصورة، لقد مضى عهد لينين وتالين، وأنور خوجا وشاوشيسكو إلى غير رجعة، وقد نالت الشعوب حظًا وافرًا من الوعي والثقافة يكفي لتكوين رأي صائب.

     كما أن الاختلاف من طبيعة البشر، وقد تباينت آراء الصحابة حول من يكون خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم من تلاه من الخلفاء والأمراء، ولا يعيب حاكمًا أن يعترض عليه البعض، ولا يرفع آخر أن يقال إن الناس قد أجمعوا عليه، وقد أصبحت للشعوب إرادة قوية، وهي تريد أن ترى أثر رأيها فيما يقع في المجتمع من أحداث، وأن تشارك بفاعلية في صنعها، لا أن تظل مغيبة معزولة يصدق فيهم قول الشاعر:    

             ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستئذنون وهم شهود

     إن القصور عن تبني أساليب الحكم وتطبيق الشريعة التي تحقق قيم العدل والحرية والمساواة- هي السبب الرئيس فيما يصيب المجتمعات من آفات العنف وضعف المشاركة الشعبية والاغتراب الاجتماعي، والتي تترك آثارًا سلبية عميقة، تشل الحركة وتمنع التطور والتقدم.

       ولو أنصف أولئك، لخلو بين الشعوب وبين إرادتها، لتختار من يصلح الله به أمر دينها ودنياها، ويعيد لها هيبتها التي فقدتها –بأفعالهم– بين الأمم.

الرابط المختصر :