العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1337)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1337
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 09-فبراير-1999
أمراض «القلب الروحاني»
بقلم: د. أحمد عبد الرحمن.
خطورة النفاق في أن أصحابه يعلنون الإسلام في حين يكيدون له أحط الكيد، وأخطر كيدهم الاجتزاء من الإسلام أي الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.
أوردنا في مقالات سابقة صورة «القلب» الروحاني أو المعنوي الذي يشكل الذات الباطنة في الفرد الإنساني في موازاة جسده بجوارحه الظاهرة، وأعضائه الداخلية.
وهذا القلب قد يصاب بالمرض في إحدى ملكاته أو في جميعها، وقد تتعطل إحداها أو جميعها، فينخسف الإنسان إلى مستوى البهيمة؛ إذ لا يتبقى منه إلا ذاته الجسدية، وفي هذا المقال نعرض لبعض أمراض القلب وأعراضها، كما يصورها القرآن الكريم.
ولقد ورد لفظ «المرض» اثنتي عشرة مرة في كتاب الله، وكان المرض المقصود هو مرض القلب الروحاني، ولم يرد لفظ المرض مرة واحدة بمعنى مرض القلب الحسي، فالمرض هو الشك، والريب، والنفاق، والزيغ، والفجور، وليس هبوط القلب، أو قصور الشريان التاجي، أو الذبحة، أو الروماتيزم، أو غير هذا من أمراض القلب الحسي التي نعرفها، وهذه الحقيقة تؤكد أن القلب الذي تحدثت عنه آيات الكتاب العزيز هو ذلك القلب الروحاني بوظائفه العديدة، والذي يشكل الذات المعنوية الباطنة للفرد الإنساني، أو يشكل حقيقة الإنسان كما قال الغزالي.
النفاق:
ولعل النفاق (۱) هو أخطر أمراض القلب على الفرد المنافق نفسه، وعلى الجماعة المسلمة التي يعيش بين ظهرانيها، إن القلب أو الذات الباطنة لا ينفصل عن الخارج أو الذات الجسدية، وواجب المسلم أن يعبر عن ذاته الباطنة بالقول والعمل، فهذا هو الإخلاص الذي يفرضه الإسلام، ويجعله شرطًا لقبول العمل، فإذا تعمد المرء تصوير باطنه على غير حقيقته فقد نافق، فالإخلاص استواء الباطن والخارج، أو استواء السريرة والعلانية، والنفاق عکسه، فهو تباين الباطن والخارج، كأن يصور الكافر نفسه على أنه مؤمن، وبذلك يقبل في صفوف المسلمين، وينخرط في جماعتهم، ويطلع على أحوالهم، وأسرارهم أحيانًا، ثم يستعمل ذلك ضدهم.
والمنافق مصاب في قواه العقلية، فهو عاجز عن إدراك الصدق في «العلم اللدني» وملكته الحدسية لم تنضج، ولم تعمل، وهو خاضع لنفسه الأمارة بالسوء ونفسه اللوامة خرساء بكماء، وإرادته أسيرة شهواته، وقد يكون عالمًا فيزيائيًا كبيرًا، لكنه يعجز عن إدراك خالق الطبيعة ومديرها، وقد يكون فيلسوفًا مبدعًا، لكنه يخفق في الإيمان بمبدع الوجود، وفي التمييز بين الخير والشر، بل يحرض الناس على الشر، ويغريهم بالرذيلة، ويفلسف لهم الهبوط الأخلاقي، فإذا جرته مصالحه إلى إخفاء كفره بالله، وإعلان الإيمان به فقد نافق، وإن أعلن عن كفره لمصلحة أو لغير مصلحة، فهو كافر، وليس بمنافق
وعلاج النفاق عسير وبعض المنافقين يعاقبهم الله -تعالى- في الدنيا بتفاقم المرض، وفي هذا يقول جل جلاله؛ ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (سورة البقرة: ١٠).
وقد كانت السور القرآنية تنزل على الرسول ﷺ بالهداية، فتزيد المنافقين نفاقًا، وتزيد المؤمنين المخلصين إيمانًا وإخلاصًا، كالطعام الطيب يتناوله المريض فيتفاقم مرضه، ويتناوله العافي فيزداد عافية، لكن باب التوبة مفتوح، وبعض المنافقين يتوب ويخلص لله، والله -تعالى- يقول: ﴿فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ﴾، (سورة التوبة: ٧٤).
وتوبة المنافق تعني العودة إلى استواء الظاهر والباطن، أو القلب والجوارح في الأعمال والأقوال (۲)، وعلى المسلمين أن يحتاطوا من المنافقين (وما أكثرهم اليوم) أولئك الذين يعلنون الإسلام في حين يكيدون له أحط الكيد، وأخطر كيدهم الاجتزاء من الإسلام أي الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، وقبول بعض العقيدة، وبعض الشريعة، وجحد البعض الآخر، فيبدون، لنا كأنه منا، وما هم منا، ولا نحن منهم (۳)، وتلك هم خدمتهم الكبرى، وسلاحهم الأمضى في حربهم ضد الإسلام في العصر الحديث.
الزيغ:
ولا يقل الزيغ عن النفاق خطورة، وفي لغة القرآن الكريم يمارس زائغو القلوب عملًا إجرائيًا شنيعًا هو محاولة رد المسلمين عن الإسلام، وفتنتهم عن دينهم: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ﴾، (سورة البقرة: ١٩١)، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، (سورة البقرة: ٢١٧)، في حكم القرآن الكريم، وفي هذا يقول الله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ﴾، (سورة آل عمران: ٧) هذه هي الأعراض السلوكية التي تعبر عن مرض القلب بالزيغ.
إن المصاب يعمد إلى الآيات المتشابهات، ويؤولها حسب هواه ليفتن المسلمين عن دينهم.
وفي هذا يقول القرطبي -رحمه الله-: «هذه الآية تعم كل طائفة من كافر، وزنديق، وجاهل، وصاحب بدعة، وإن كان الإشارة بها في ذلك الوقت، إلى نصارى نجران» (٤)، وإن متبعي التشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه:
أ- «طلبًا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام» وهؤلاء حكمهم الكفر، والقتل من غير استتابة.
ب- أو «طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة» وحكم المجسمة، أنهم عباد أصنام، ويستتابون وإلا قتلوا.
ج- أو «يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها» وقد اختلف في حكم التأويل بين السلف والخلف.
د- أو «إيضاح معانيها، كما فعل «صبيغ»، حين أكثر السؤال عنها على عمر، وهؤلاء حكمهم التأديب كما فعل عمر مع «صبيغ» (٥).
والزيغ المنتشر هذه الأيام هو من النوع الأول، ولم يقف زيغ العلمانيين عند حدود المتشابه، بل تعداه إلى المحكم أيضًا، هدفهم تضليل العوام والمتعلمين جميعًا، وإقناعهم بأن الإسلام لم يعد يصلح للتطبيق إلا في «بعض» المجالات، وهذا هو الاجتزاء الذي أشرت إليه أثناء الكلام عن مرض النفاق والمجالات التي لا يصلح الإسلام للتطبيق فيها -عندهم- يجب أن تطبق عليه النظم الوضعية البشرية، وهكذا يتحقق هدفهم بإحلال الثقافة المادية محل الإسلام شيئًا فشيئًا، حتى يتم إقصاؤه من الحياة في نهاية المطاف
ومن أمثلة زيغهم: المطالبة بتطوير عقائد الإسلام لتساير الفكر الأوروبي المعاصر (المادي العلماني)، وكذلك زعمهم أن واجب الحجاب خاص بنساء النبي، وأنه لا توجد عقوبة محددة على شرب الخمر وغير هذا كثير، وهو يفوق أعراض الزيغ التي ذكرها القرطبي بمراحل والكتب والمجلات والصحف طافحة بمثل هذا.
والعلماني مؤمن بالمادة، كافر بخالقها، أي أن قدراته العقلية وقفت عند حدود الحواس، وعجزت عن تجاوزها، ولم يستطع التعلم من «العلم اللدني» علم الله الذي أوحاه إلى رسله، وأودعه كتبه، ومثل هذا الإنسان لا يمكن أن يتمتع بالمملكة النورانية الحدسية في مجال الدين، بل إنه يسخر قواه العقلية في محاربة الدين وفتنة المسلمين عن دينهم، وأما أخلاقه فقوامها مصالحة الأنانية الذاتية المادية، فنفسه الأمارة الحاكمة، ونفسه اللوامة ميتة أو مشلولة شللًا تامًا، وإرادته مسخرة لشهواته وأهوائه.
الفجور:
ويحدثنا القرآن الكريم عن مرض ثالث من أمراض القلب هو: الفجور، ولفظ الفجور لفظ مشترك؛ أي هو يحتمل أن يؤخذ بأكثر من معنى، غير أن بينها جامعًا مشتركًا هو: مقارفة المعاصي دون اكتراث، ونحن هنا نقتصر على عرض واحد من أعراض الفجور، طلبًا للإيجاز، وهو مقارفة المعاصي التي تتصل بالجنس الحرام، وانتهاك القيم الأخلاقية الخاصة بالعفة والصيانة والشرف (٦).
إن المصاب بالفجور في قلبه يتطلع دائمًا إلى الجنس الحرام، وهو قد يكون زوجًا محصنًا عنده زوجة جميلة، وعلى الرغم من ذلك يهملها ويتطلع إلى غيرها، إن شهواته تسيطر على قواه الإدراكية وعلى إرادته، وضميره، ومن مثل هذا يحذر القرآن الكريم نساء النبي ﷺ ونساء المسلمين معهن فيقول: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (سورة الأحزاب: ٣٢).
وقد كثر هذا الصنف من مرضى القلوب الفجار الذين يمارسون الفسق علنًا، ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ومنهم آلآف مؤلفة ترتزق بالفجور في هيئة فنون قصصية وروائية، وقصائد شعرية، ومسرحيات، وأفلام سينمائية حتى صارت الفنون في معظم منتجاتها فجورًا أو فسقًا، أو اتجارًا بالفحشاء.
الهوامش:
١-الكلام هنا من النفاق في الدين، لا من النفاق الاجتماعي.
٣،٢- راجع: الفضائل الخلفية للمؤلف ص٤٠.
٤-القرطبي: ج٣، ص١٢٢٥.
٥- نفسه: ج٣، ص١٢٥٦-١٢٥٧، والصواب ما ذكرته الآية نفسها في قوله -تعالي-: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. (سورة آل عمران: ٧) وهو مذهب السلف.
٦-راجع ابن القيم مدارج السالكين، ج١، ص٥٢.
واحة الشعر:
في ربوع القدس.
شعر محمد علي الطبلاوي.
سأسكب في عيونك ذكرياتي * * * وأنقش في ربوعك أغنياتي
أحبك رغم ما بي من جراح * * * وأفني في هواك المر ذاتي
غريب في ديار الأهل أسعى * * * أفتش في ترابك عن سماتي
وعن آثار عمرو والمثنى * * * وعن عمر وآلآف الغزاة
وعن آثار خيل الفتح تترى * * * وعن عز توارى في الغلاة
فقابلني بأرض القدس شيخ * * * وقور يمتطي ظهر الحياة
يجوب الدرب يحكي للحيارى * * * ويروي قصة الأرض الموات.
فقمت له أسائله بحزن * * * عن المسرى وخيل صافنات.
عن الزيتون عن حيفا ويافا * * * عن الأقصى وأوقات الصلاة.
وعن داري وعن أهلي وزوجي * * * وعن ولدي الصغير وعن لداتي.
وعن أطياف عصر قد تسامى * * * بدين الله مرفوع القناة.
أشاح بوجهه حزنًا وأخفى * * * تباريح الليالي المظلمات.
وقال بعبرة كانت بلادي * * * ومازالت وإن رغم العواتي.
بلاد القدس أرض العرب دهرًا * * * بنينا عزها في الخاليات.
وجبنا أرضها شبرًا فشبرًا * * * وعانقنا الرمال مع الحصاة.
***
ومر الدهر والأيام تجري * * * مرور السحب في ليل السراة.
وجاء الفاتحون بكل عز * * * يحثون الخطى للمكرمات.
أضاءوا دربها نورًا فأضحت * * * جوانحها تنير الحالكات.
وصلوا في ربا الأقصى ونادت * * * مآذنه بحي على الصلاة.
مضى زمن ونور الحق يسري * * * كنهر النيل بالخيرات أت.
فيروي أرضنا عزًا ومجدًا * * * ويروي الدهر تاريخ الأباة.
وحاد الناس عن نهج قويم * * * وراحوا من سبات في سبات.
فحل الغاصبون كما الخطايا * * * وجاسوا بالخيول مطهمات.
وساقوا القدس في قيد السبايا * * * بليل حالك الأجواء شات.
تلملم جرحها حزنًا وتبكي * * * وترثي نخوة العرب الحماة.
وصار الزيف حقًا بالتمادي * * * وأهل الحق أبناء الشتات.
وشرد في ربوع الأرض قومي * * * وصارت أرضنا ملك الطغاة.
وجئت تردد الآهات تشكو * * * تباريح المحبة للأساة.
تغني في رباها كل حين: * * * سأفني في هواك المر ذاتي.
وليس الحب أن نبكي هوانا * * * ولكن المحبة في الهبات.
فهيا للشهادة في ثبات * * * فلن نخشى أزيز الطائرات.
ففي ظل الجهاد نعيش عزًا * * * وفي الأنفال أطواق النجاة.
المستشرقة الألمانية أنماري شيمل للمجتمع
هناك انفتاح إيجابي بين الجيل الجديد من المستشرقين على الثقافة الإسلامية
أجرى الحوار في لندن: عامر الحسن
لا أدري لماذا يدرس المستشرقون الإسلام إذا كانوا لا يحبونه؟
يجب أن نركز على القواسم المشتركة والغرب ليس كله أحفاد الصليبيين.
دخلت عميدة الاستشراق الألماني المخضرمة أنماري شيمل في صراعات حادة مع اليهود في ألمانيا؛ بسبب تعاطفها مع الإسلام، واتهامها زورًا بأنها ضد السامية، وهي صاحبة مائة كتاب عن الإسلام والثقافة الإسلامية، بدأت بتأليف أول كتاب وهي في الثامنة عشرة من عمرها حول مبادئ الإسلام وأركانه، ثم توالت كتاباتها عن القرآن والحديث، والتصوف واتجاهاته، والزهد والأخلاق الإسلامية، بالإضافة إلى ترجمتها للأدب والشعر إلى الألمانية.
ولا تزال شيمل التي بلغت الرابعة والسبعين من عمرها تترجم عن ست لغات شرقية إلى الألمانية، وتكتب وتحاضر بالألمانية والعربية والأوردية والفارسية والتركية، فضلًا عن بقية الاثنتي عشرة لغة التي تجيدها، كما لاتزال تتجول في أروقة الجامعات الشهيرة في ماربورغ وبون، وهارفارد، وإسلام آباد، وغيرها.
وقد منحتها الأوساط العلمية والأكاديمية المعروفة العديد من الأوسمة والجوائز والشهادات والعضويات الفخرية؛ اعترافًا بفضلها وعلمها الغزير، ودورها في التعريف بالإسلام، وكان أحدثها جائزة رابطة الكتاب الألماني للسلام، التي سلمها لها الرئيس الألماني رومان هرتزوج في عام ۱۹۹٥م، ووسام الاستحقاق المصري في العلوم والفنون من المرتبة الأولى في صيف ١٩٩٦م، وقد انتهزت المجتمع فرصة وجودها في لندن لحضور أحد المؤتمرات الإسلامية لإجراء الحوار التالي معها:
كيد بدأت علاقتك بالإسلام؟
بدأ اهتمامي بالشرق منذ كنت في السابعة، وقررت بعدها أن أدرس الشرق بشكل عام وليس الإسلام فقط، وتوافرت لدي ظروف مناسبة إذ كان لي مدرس لغة عربية صاحب علم وخلق عندما كنت في الخامسة عشرة، ولم يكن والدي يمانع في دراسة الشرق، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن وأنا مشغوفة بالشرق والإسلام، وقد تعمقت تلك المحبة في بطريقة تدريس ذلك المدرس العربي الذي لم يكن يدرسني النحو فقط، وإنما كان يتكلم عن الثقافة الإسلامية، والفن الإسلامي، فلما دخلت الجامعة لاستكمال دراستي كانت عندي قاعدة فكرية جيدة عن الإسلام، لم تكن موجودة لدى العديد من أقراني.
وانتهيت من دراستي الجامعية في وقت مبكر، وكان عمري (١٧) سنة، وصار أمامي خياران: إما دراسة العلوم الطبيعية أو الدراسات الإنسانية، وطلبت المشورة من بعض الأكاديميين، فأشاروا عليَّ بدراسة العربية والتركية والفارسية والفن الإسلامي، ونصحوني بتقديم كل المساعدات لي، وفعلًا تركت العلوم الطبيعية، وكتبت رسالتي في الدكتوراه عن مصر في عهد المماليك، وبعد الدكتوراه لم أتمكن من أن أنضم لمتحف الفن الإسلامي، وعملت في الخارجية الألمانية كمترجمة.
وبعد الحرب ذهبت لمدينة ماريو ودرست فيها اللغة العربية والفارسية والتركية والتاريخ الإسلامي من ١٩٤٥م- ١٩٥٤م.
وفي ١٩٥٤م تبوأت كرسي التاريخ الديني في معهد الإلهيات في العاصمة التركية أنقرة حتى ١٩٥٩م، وفي ١٩٦١م ذهبت إلى مدينة بون، وفي ١٩٦٧م ذهبت إلى جامعة هارفارد الأمريكية لتدريس تاريخ الثقافة الإسلامية في شبه القارة الهندية، ومكثت في هارفارد نحو (٢٥) سنة ثم عدت إلى بون مرة أخرى حيث أقيم حاليًا، وحيث أتجول في العالم العربي والإسلامي لإعطاء المحاضرات وبالمناسبة، فقد كنت في الكويت منذ سنتين ونصف تقريبًا.
قمت بترجمة عدة أعمال شعرية من لغات مختلفة للألمانية، ألا تعتقدين أن ترجمة الأشعار العربية عمل صعب؟
صحيح لقد قمت بترجمة العديد من الكتب من اللغات الأخرى مثل العربية والأردية والتركية إلى اللغة الألمانية، والترجمة ليست صعبة، إذا كان المترجم شاعرًا، لكن الصعوبة هي في ترجمة الأشعار العربية القديمة لشاعر مثل المتنبي، وهناك المترجم الألماني «ريكوت» في القرن التاسع عشر الذي استطاع بنجاح ترجمة قصائد امرئ القيس ومقامات الحريري للألمانية، وأنا أعتبره مثالي الأعلى في الترجمة.
وما أنشطتك الحالية في مجال دراسة ونقل الثقافة الإسلامية؟
طبعًا لدي ارتباطات أسبوعية بمحاضرات داخل ألمانيا، غير الدعوات التي تصلني من الخارج، وقبل أسابيع نزل لي في الأسواق كتاب جديد عن «الأحلام في الإسلام» الذي أوضحت فيه دور الأحلام في الشعر العربي والتاريخ الإسلامي، وكيف نفك رموزها ونفهمها، وهو موضوع شائق.
لديك أيضًا اهتمام خاص بالتصوف لا سيما ما يتعلق بأعمال العلامة محمد إقبال، فما دوافع هذا الاهتمام؟
كان عندي دومًا اهتمام بالتصوف الإسلامي، وعندما كنت تلميذة قمت بترجمة قصائد ابن الرومي والحلاج فهو مجال واسع ورحب لا تنتهي شواطئه.
للحركة الاستشراقية تصور غير حسن في ذهن معظم المسلمين؛ لأنها ارتبطت بمعاداة الإسلام، وتهيئة الأرضية الثقافية للمستعمر لاحتلال البلاد الإسلامية، كيف تقيمين الحركة الاستشراقية المعاصرة، وهل تلحظين فيها تغيرًا عن الاستشراق القديم في القرن التاسع عشر مثلًا؟
هناك انفتاح إيجابي بين المستشرقين من الجيل الجديد على الثقافة الإسلامية مقارنة بالجيل القديم الذي لايزال يحمل أفكارًا متعصبة ضد الإسلام والمسلمين، وهو موقف غريب، إذ إنني لا أعرف لماذا يدرس هؤلاء الإسلام، إذا كانوا لا يحبونه، لكن كما قلت هناك شباب ألمان مثقفون يحبون الإسلام ويتفهمونه، وأنا متفائلة بأن المستقبل لن يعطي المستشرقين المتعصبين دورًا كبيرًا، وأن الذين يحبون الإسلام هم الذين سيؤثرون وهذا هو طموحي.
قواسم مشتركة
لكن لماذا يعبر التيار الفكري الجديد عن نفسه بطروحات، مثل: «نهاية التاريخ» «وصراع الحضارات»؟
الإنسان دومًا يريد أن يتخيل وجود عدو ولا يستطيع أن يتخيل وجود حضارتين بدون صراع، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ إذ أصبح الإسلام هو العدو الجديد، والقضية معقدة، لكن المشكلة خطيرة لأنها توقظ أحاسيس متعصبة تتعلق بروح الحروب الصليبية، وهذا لا يساعد على التعايش أبدًا، لذلك يجب أن تركز على القواسم الحضارية المشتركة الموجودة بيننا، وطالما احترمني جاري، فيجب أن أسعى لأن احترمه وأفهمه، وموضوع صراع الحضارات لا يأتي إلا من الضعفاء؛ لأن الضعيف فقط هو الذي يخالف، ولو كنت واثقًا من نفسك ومن ثقافتك فلا تخاف من أحد، وإنما تكون متسامحًا مع الجميع، وبالتالي لا تضطر إلى رسم صورة وهمية عن العدو، وإلا فإن هذه العداوة لن تقابل إلا بعداوة مماثلة من العالم الإسلامي، والسياسيون الغربيون يدركون خطورة ذلك.
كمستشرقة لك علاقات عديدة مع المسلمين، وتجولت في بلدان عربية وإسلامية كثيرة، كيف تقيمين نظرة المسلمين للغرب؟
هذا سؤال جيد، ويجب التركيز عليه في دراستنا، وقد بحثنا هذا الموضوع في مؤتمر انعقد بالأردن مؤخرًا، واكتشفت أنه توجد أفكار مغلوطة لدى المسلمين عن الغرب، فالغرب ليس كله أحفاد الصليبيين وعباد التكنولوجيا، وبالتالي يجب على المسلمين أن يتعلموا تاريخ الغرب، وثقافته وتطوراته، ليتفقهوه بصورة أوضح.
من الذي يصوغ ويشكل في الغرب فكرة الغربيين عن الإسلام والمسلمين، وهل هناك مقترحات لكسر احتكار مؤسسات معينة لعملية التأثير؟
أعتقد أن أهم المؤسسات الفاعلة في الغرب التي تؤثر في الرأي العام حاليًا هي الإعلام والسياسيون والمدرسة أيضًا تؤدي دورًا، وأقترح أن تكلف مواد تدريس الإسلام في المدارس الغربية في مقابل تدريس الثقافة الغربية المفيدة في الدول الإسلامية، وكنت قد ألقيت محاضرة في مدينة «زيورخ» لمجموعة من الأثرياء الألمان في البنوك والمؤسسات الاستثمارية، تكلمت فيها عن أثر القيم والأفكار الإسلامية على ثقافتنا العربية بدءًا بالأرقام وانتهاءً بالفلسفة، وقال لي شاب ألماني مستغربًا: لماذا لم نتعرف كل هذه المعلومات في مدارسنا؟ لكن المشكلة أيضًا أن المسلمين أنفسهم لا يعرفون تاريخهم، وهناك مسلمون لا يعرفون شيئًا عن تاريخ الدولة العثمانية أو الهند أو آسيا وهذا شيء سيئ، إذ يتوجب على المسلمين أن يعرفوا ماذا حدث في الماضي، وما الذي أنجزه أسلافهم في هذه المناطق من العالم.
ظاهرة اعتناق الأوروبيين للإسلام صارت ملحوظة سواء في ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا، وقد نشرت إحدى المجلات الألمانية -المعروفة قبل أعوام مقالًا- قالت فيه: إن ما لا يقل عن سبعة آلآف امرأة تعتنق الإسلام في ألمانيا، فما أسباب هذه الظاهرة الإيجابية، ولماذا هي خاصة بين النساء؟
صحيح هي ظاهرة منتشرة، وأنا أعرف أصدقاء كثيرين دخلوا في الإسلام، ولا أعرف السبب الحقيقي وراء إسلامهم، ربما هي ردة فعل للحرية غير المحدودة الموجودة في أوروبا وهذا ما يقولونه لنا؛ إذ إنهم يشعرون بالأمن والرعاية أكثر في الدول الإسلامية، وأيًا ما كانت الأسباب فإنني أعتقد أنه يجب علينا أن نحترم قرارهم، خصوصًا أن بينهم مثقفين وكتابًا معروفين.
طرح بعض المسؤولين في ألمانيا أهمية الاعتراف الرسمي بالإسلام، وهي صيحات نسمعها في دول أوروبية أخرى، إلى أي مدى تعتقدين أن هذه الطروحات تمثل خطوة إيجابية في بناء علاقات الثقة بين الحكومات الأوروبية والجاليات الإسلامية، سيما مع صعود حكومة جديدة لحكم ألمانيا مثلًا؟
طبعًا هي خطوة إيجابية، لكن لا أعرف بالضبط ما الذي تنوي الحكومة الجديدة في ألمانيا فعله، وعندما ثارت لدينا قضية المعلمة «فريشتا» التي طردت من المدرسة بسبب الحجاب، كتبت مقالة دفاعًا عنها وقلت: إن القديس بولس قال في «العهد الجديد» من الكتاب المقدس إنه يتوجب على المرأة أن تغطي شعرها، وإذا لم تفعل تكون عاصية، ولو غضب الناس لأن المرأة هنا تلبس الحجاب، فما الفرق إذن بيننا وبين بعض الأصوليين في الدول الإسلامية الذين لا يقبلون بالديمقراطية مثلًا، يجب إذن أن نعطي لهؤلاء المسلمات حريتهن، ودائمًا أقول إن معلمة الرياضيات مثلًا لو اختارت أن تلبس الحجاب فإن ذلك لن يؤثر على تدريسها، وستكون معادلة ٢+٢=٤ هي هي بالحجاب أو بغير الحجاب، المهم هو أن نحترم قرارها.
وكما قلت فإنه من المبكر أن تقرر ما الذي ستفعله الحكومة الجديدة، لكنني مسرورة بأنها أدخلت تدريس الإسلام في المناهج الدراسية الألمانية؛ لأن الألمان الصغار يحتاجون ذلك، ويكون جيدًا أيضًا لو أدخلوا الإسلام في المناهج الدراسية للمعاهد المسيحية؛ لأن ذلك سيعزز من روح التسامح بين الأديان.
سلام: أول فيلم لشخصية كارتونية عربية إسلامية عالمية.
شهدت أسواق الكويت وباقي دول الخليج وكثير من دول أوروبا والولايات المتحدة تقديم أول شخصية كارتونية عربية إسلامية حائزة على جائزة عالمية في ثوب جديد، ومن خلال عالم سلام المليء بالإثارة والترفيه والقيم التربوية السامية والموجهة نحو جيل الغد من أطفال اليوم؛ فقد ظهر فيلم كارتوني للأطفال مدته ساعة على أشرطة فيديو ومغلف على شكل لعبة جميلة بعنوان «سلام وفرسان الخير»، بالإضافة لمنتجات متنوعة مساندة للفيلم، ويأتي هذا متوافقًا مع احتفالات الأطفال بعيد الفطر المبارك وبداية سنة جديدة، يعتزم القائمون على المشروع طرح ثلاثة أفلام كارتونية في العام بسبع لغات؛ بهدف الحفاظ على هوية الأطفال العرب والمسلمين، وحمايتهم من الغزو الثقافي المستمر، وتوفير وسائل ترفيه قيمة وتربوية ومسلية ومتطورة.
تبنى القائمون على المشروع حلم بناء شخصية كارتونية للطفل العربي، وتحولت الفكرة الحلم إلى واقع بمبادرة مخلصة من بعض رجال الأعمال الكويتيين والعرب.
إن مشروع سلام يهدف لإيجاد صناعة ترفيه تساعد على تنشئة الطفل العربي والمسلم في ظل قيم العائلة والأخلاق الفاضلة بعيدًا عن تأثيرات العنف والجنس الذي يخدش الحياء، ويحاول القائمون على المشروع إيجاد إضافة عربية إسلامية جادة لأبطال الكارتون الغربي أو الياباني حتى لا يضيع الطفل العربي بين زخم الإنتاجات الغربية والشرقية، وهو بحاجة ماسة لرؤية جديدة، ومثل أعلى وقدوة تمتلك عليه عالمه الصغير الكبير، إذا كنا نريد لهذا الطفل العربي أن يرى حقيقة حضارته ورقيها.