; علماء الإسلام كما يجب... ولكن؟ | مجلة المجتمع

العنوان علماء الإسلام كما يجب... ولكن؟

الكاتب أحد الغرباء

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979

مشاهدات 72

نشر في العدد 440

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 10-أبريل-1979

• مر بخاطري ما قاله شوقي الشاعر في مسرحية مصرع كليوباترا، وأنا أشاهد على الشاشة الصغرى استقبال شعب مصر الرائع لبيجين والسادات، والهتاف يملأ الجو، ويشق أجواء الفضاء بحياة أبطال السلام.. قال شوقي -رحمه الله-: 

اسمع الشعب ديون 

                             كيف يوحون إليه 

أثر البهتان فيه 

                         وانطلى الزور عليه 

يا له من ببغاء

                            عقله في أذنيـه

ملأ الجو هتافًا

                      بحياتي قاتليــــــه         

كان شوقي قاسيًا، ولكنه لم يقرر غير الواقع، واقع الحياة في عصره، في الربع الأول من هذا القرن، ولو أن الحياة قد امتدت بالشاعر حتى يرى ما نراه اليوم، وما سبق أن رأيناه على مسار ربع قرن مضى، لكان أشد قسوة... فبالرغم من أن شوقي عاصر فترة الحماية البريطانية على مصر، واحتلال الجيوش البريطانية لأرض مصر، إلا أن الشعب المصري لم يفقد على الدوام رجولته، ولم يفتقد أبطاله، بل ما أكثر ما أثبت وجوده، فتصدى لطغيان الإمبراطورية التي لم تكن الشمس يومئذ تغيب عن ممتلكاتها، ولطغيان حكومات مصر العميلة، وشعب مصر هو الذي أنهى -في ظل الحماية والاحتلال- حياة الخونة من الحكام، أمثال بطرس غالي، وأحمد ماهر، والنقراشي، وأمين عثمان، وسليم زكي حكمدار العاصمة.. أما منذ الثورة المشئومة، فما أندر ما أثبت شعب مصر وجوده، إذا استثنينا مظاهرة مارس ١٩٥٤م التي أعادت الرئيس محمد نجيب إلى الحكم، ومظاهرات يناير ١٩٧٦م التي زلزلت كيان الحكم والجالس على العرش.. أما ما حدث سوى هذه وتلك، فتمثيل في تمثيل.. مسرحيات أتقنوا تأليفها، وأجادوا إخراجها، وأحسنوا أداءها، فالشعب الذي أرادوا له أن يهتف ويصفق، وتزغرد نساؤه لجيش مصر وهي في طريقه إلى اليمن للعدوان على شعب آمن أعزل، هو نفس الشعب الذي أرادوا له أن يفعل في استقبال الجيش العائد المنهزم، أكثر مما فعل في وداعه، وهو نفس الشعب الذي أرادوا له أن يهتف ويصفق، وتزغرد نساؤه للشاه الطاغية المطرود من بلاده، المنبوذ من شعبه.. ولبيجن السفاح الملوث ماضيه بدماء العرب والمسلمين، والهاتك لشرف العروبة والإسلام، والذي ما يزال يتحدى مشاعر مائة مليون عربي، وزهاء ألف مليون مسلم!

أجل، لو امتد العمر بشوقي فرأى الشعب المصري في اليومين التاسع والعاشر من شهر يونيو ١٩٦٧م، أی بعد الهزيمة المنكرة بثلاثة أيام أو أربعة، يخرج عن بكرة أبيه إلى الشوارع في هستيرية يهتف بحياة البطل المنهزم، والقائد الذي جلب العار لمصر والعروبة والإسلام، يطالبه بعدم التخلي عن السلطة ليكمل المسيرة.. ولا تسل: أية مسيرة يقصدها شعب مصر؛ لأن شعب مصر نفسه كان يلقن الشعارات فيرددها كالببغاوات لا يفقه منها شيئًا، والاعتماد كله على وسائل الإعلام التي لا تعرف للحياء معنى، ولا للخجل سبيلًا، ماذا كان يقول شوقي رحمه الله؟ وعلى كل فقد كان المتنبي أشد قسوة من شوقي على شعب مصر منذ ألف عام، بالرغم من أن شعب مصر كان شيئًا من الحياة والحياء معًا في عصر المتنبي، ولم يكن الحكم قد بلغ من الطغيان عشر معشار ما بلغه حكم الطغاة المحدثين في مصر، لقد زار المتنبي مصر في عهد كافور الأخشيدي، ثم غادرها هربًا في ليلة العيد، وترك قصيدته المشهورة: «عيد بأية حال عدت يا عيد» وجاء فيها:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

                                       فما بشمن وما تفني العناقيد

وفيها:

أوكلما اغتال عبد السوء سيده

                                         أو خانه فله في مصر تمجيد؟؟

قد يرى البعض أننا نقسو دائمًا على الشعب المصري دون أن نقدر أنه شعب مغلوب على أمره، وماذا يفعل هذا الشعب البائس الذي يحكم بالحديد والنار «في ظل سيادة القانون- المزعوم؟ ألم يكن طاغية مصر عبد الناصر يضع قدمه على رقاب الشعب المصري، وهو يردد شعاره الزائف: «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى زمن الاستعباد»؟ والطاغية الجديد يرفع شعارًا أكثر زيفًا هو شعار «سيادة القانون»، وشعارًا آخر هو شعار «الديمقراطية»، بينما هو يهدد ويتوعد في كل حديث مكتوب أو مذاع كل من يخرج عن طاعته، أو يفكر في معارضته، وهو الذي يشرع ويقنن، وعلماء الشرع، ورجال القانون يتقبلون شريعته وقوانينه، أكثرهم بالرضا، وأقلهم بالصمت... 

هؤلاء المدافعون عن الشعب المصري بمنطق أعوج، يبدو أنهم لم يقرءوا أبدًا آية من كتاب الله تصف فرعون وقومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (سورة الزخرف: 54)، ولهذا كانت النهاية لفرعون وقومه واحدة: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾ (سورة الزخرف: 55- 56)، إذن فالله -سبحانه- لن يعذر شعبًا بدعوى أنه كان مغلوبًا على أمره، وإلا فمتى يكون الجهاد والتضحية لتقويض صرح الظلم؟

                                           ◘ ◘ ◘

• صرح شيخ الأزهر الدكتور محمد بيصار قبيل سفر الرئيس السادات إلى الولايات المتحدة لتوقيع المعاهدة، بقوله: إن شعب مصر الآن يمر بفترة من أسعد فترات حياته، مع رحلة السيد الرئيس التاريخية إلى أمريكا لتوقيع معاهدة السلام.. وهذا ليس بمستغرب صدوره من شيخ كالدكتور بيصار، الذي لم يكن يحلم في يوم من الأيام أن يكون شيخًا لمعهد ديني ابتدائي، فضلًا عن أن يكون شيخًا للأزهر، لكن هناك حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، هي أن الشيخ بيصار قد تعلم الكثير خلال أن كان مديرًا للمركز الإسلامي في واشنطن.. لم يزدد علمًا ولا ثقافة ولا معرفة، وإنما أتقن وأجاد كيف يدرك: من أين تؤكل الكتف؟ وأتقن وأجاد كيف يمكنه التسلق على أعناق الآخرين، أو الزحف على جثث الضحايا ليصل إلى غايته، لقد قال لنا أستاذ جامعي نثق في دينه وضميره وخلقه، قال لنا منذ شهور: إن لدي كشفًا بأسماء ضحايا الدكتور بيصار، الذي كان يرفع التقارير عنهم إلى المخابرات المصرية، ولا يزالون على قيد الحياة، تستطيعون الرجوع إليهم إن شئتم...

ثم عقب الأستاذ الجامعي بقوله: لذلك لا أستبعد أن يؤتى بالدكتور بيصار وزيرًا، أو شيخًا للأزهر إذا سمحت الظروف؛ فهو خير من يرضي أهواء السلطة، ويستجيب لرغباتها، وهو خير من يجيد كتابة برقيات التهاني في المناسبات وغير المناسبات.

في أوائل محنة الإخوان عام ١٩٦٥م حدث الآتي: 

دفعت المخابرات العسكرية ومباحث أمن الدولة بعض المشايخ وبعض الدكاترة إلى السجن الحربي، وإلى معتقل مزرعة طرة بعد ذلك؛ ليقوموا بتوعية الممتحنين بعد أن فشل جهاز صلاح نصر رئيس المخابرات في عملية غسل المخ، وكان من أوائل المشايخ الذين جلبوا إلى السجن الحربي للتوعية الدينية هو الدكتور بيصار، وهو كعادته لا يقدم علمًا ولا فقهًا، وإنما يجتر دردشة لا تمت إلى الإسلام بصلة، وكان مما قاله: إن الإسلام دين متطور.. وسأله أحد الشباب المسلم: وهل يشمل التطور الحدود مثلًا؟ فأجاب في انفعال: أجل، أم أنكم تريدون مجتمعًا مشوهًا؟ يعني حد السرقة.. واكتفى الشاب المسلم بالصمت؛ حتى لا يناله نصيب أكبر من سياط الزبانية، لكنه همس إلى إخوته: أن الدكتور بيصار أصلح من يتولى مشيخة الأزهر في ظل الثورة.

والذين شاهدوا الدكتور بيصار شيخ الأزهر على الشاشة الصغيرة عند استقباله لكارتر مع المستقبلين في مطار القاهرة، رأوه يجيد دبلوماسية الانحناء، وهو ممسك يد كارتر بكلتا يديه، بينما رأوا البابا شنودة يصافح كارتر منتصب القامة تمامًا.. وقد ذكرت الأنباء أخيرًا أن محافظ القاهرة قرر أن يكون اليوم السادس والعشرين من شهر مارس- يوم توقيع المعاهدة عيدًا وطنيًا تعطل فيه المصالح الحكومية، ولما كان شيخ الأزهر لا يملك إصدار مثل هذا القرار، فقد ابتدع في الإسلام صلاة ركعتين، وأطلق عليهما سنة السلام.. ومن يدري فقد يصدر شيخ الأزهر قرارًا بإضافة سنة السلام إلى كتب الفقه التي تدرس بالأزهر... 

لقد صدر قرار جمهوري باعتبار مرتب شيخ الأزهر مساويًا لمرتب رئيس الوزراء، هذا من الناحية المادية، أما من الناحية الأدبية، فلا نعتقد أن شيخ الأزهر يطمع حتى في مرتبه وكيلًا للوزارة..

وكان الله في عون شعب مصر وأزهر المسلمين!                                                                  

الرابط المختصر :