العنوان قراءة في الدستور السوري
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000
مشاهدات 106
نشر في العدد 1405
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-يونيو-2000
دستور الجمهورية العربية السورية.. جرى الاستفتاء عليه بتاريخ ۱۹۷۳/۳/۱۳م عبر مجلس الشعب السوري الذي جاء من خلال تعيين رئيس الجمهورية لأعضائه وليس من خلال الانتخابات وهو مازال ساري المفعول إلى يومنا هذا.
تعرض هذا الدستور لبعض التعديلات أهمها:
1- في مراحل اعتماده الأولى، وبالضبط عام ۱۹۷۳م قامت في سورية اعتراضات شعبية على مواد هذا الدستور كان لعلماء سورية دور فيها، لعل أبرزها النصوص التي تلغي دين رئيس الدولة الإسلام، أو التي لم تنص على أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع أو التي تنص صراحة على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية... (المادة (۸).. وكانت نتيجة هذه الاعتراضات والمظاهرات التي عمت المحافظات وجرى على أثرها اعتقالات للعلماء وقادة الرأي في البلد.. تعديل لبعض مواد الدستور، فيما يخص دين رئيس الدولة الإسلام) (المادة (۱/۳) و الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع (المادة (۲/۳) ولولا هذا التعديل لكان النص الباقي الحزب القائد في المجتمع والدولة، يعني أن دستور سورية علماني، لأن دستور البعث الحاكم ينص صراحة على أنه حزب علماني والعلمانية في العالم العربي والإسلامي - كما . هو معلوم ومطبق - معاداة الدين الإسلامي بالذات.
2- التعديل الثاني المهم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونظام تشاوشيسكو، وتوجه عدد من الأنظمة الشمولية في العالم لإجراء تعديلات في بنياتها إن طرأ تعديل على الدستور السوري معاكس لحركة التاريخ المشار إليها، حيث تم تعديله لاستيعاب قانون الطوارئ الذي هو في الأصل قانون استثنائي يعمل به في حالات الضرورة القصوى كالحروب والفتن الداخلية... وبالمناسبة هو قانون معلن والعمل به مستمر منذ الثامن من مارس عام ١٩٦٣م، وهو يحصر السلطات كلها بيد السلطة التنفيذية، وبيد الرئيس الأول صاحب القرار.
3- التعديل الثالث المهم أيضًا هو ما جرى يوم 2000/6/10م حين عدل مجلس الشعب المادة (۸۳) فحولت الشرط بعمر رئيس الجمهورية من ٤٠ إلى ٣٤ سنة، وهنا لدينا تعليقات على مجريات التعديل أو الآلية التي تم بها، وعلى اختيار سن الرابعة والثلاثين بالذات فقد تمت المداولة والصياغة والموافقة على تعديل المادة المذكورة بسرعة تلفت النظر، إذ لم يستغرق الوقت أكثر من نصف ساعة أما اختيار العمر الجديد لرئيس الجمهورية، فليس له مسوغ منطقي غير مطابقته لعمر ابن رئيس الجمهورية المتوفَّى حديثًا، وهذا إجراء يخل بالنزاهة الدستورية للآليات وللأهداف المتوخاة من نصوص الدستور نفسه.
على أن السؤال بل الإشكال الأكبر إلى أي حد تم الالتزام بهذا الدستور؟
الجواب للأسف هو أن الخروقات الفعلية عميقة ومتعددة، وتعطينا صورة عن بعضه تقارير اللجان الدولية المتخصصة بالدفاع عن حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية أمنستي ( انظر تقرير ۱۹۸۳م الضافي) مثلا ومنظمة هيومان رايتس ووتش - سبتمبر ۱۹۹۰م - التقرير الواسع أيضًا كما يعطينا جانبًا من هذه الصورة ما أطلق عليه مؤخرًا حملة القضاء على الفساد الإداري التي تناولت رئيس الوزراء محمود الزعبي، وأحد نوابه سليم ياسين و نائبًا لرئيس وزراء سابق هو محمد حيدر، ورئيسًا للمخابرات السورية، ورئيسًا للأركان وعددًا من المسؤولين والوزراء بلغ عددهم حتى الآن ثلاثة وثلاثين، والحبل على الجرار إن أخذت الأمور مجراها الطبيعي إلى نهايتها!.
نبدأ بقراءة موجزة للدستور السوري الذي هو الوثيقة الرسمية التي يعترف بها النظام السوري، ويمكن أن يحاكم عليها، لأنه اختارها أو صممها على قياسه، ومع ذلك يتم اختراقها وهنا نستعير قراءة فصيل سوري من الفصائل الشعبية غير الإسلامية التي عارضت هذا الدستور في حينه وماتزال، ألا وهو الحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي) أو ما اصطلح عليه جناح رياض الترك الذي اعتقل سبعة عشر عامًا (۱۹۸۰) - (۱۹۹۷م) يقول الترك مع العلم إننا اقتبسنا هذا النص في مقالنا السابق بعنوان جذور الفساد - المجتمع ١٤٠٤، ونعيده هنا لأهميته : « في بلدنا أزمتان أزمة السلطة وأزمة المجتمع بجوانبها المختلفة فالمفاهيم والبِنى والمؤسسات التي يقوم عليها شكل الحكم في سورية، لم تكن شكلًا ابتدعه النظام، وإنما هي نقل وتقليد لما كان سائدًا في دول الكتلة الاشتراكية الزائلة فمركز السلطة ومركز القرار، ومفهوم الحزب الحاكم والجبهة الوطنية التقدمية والنقابات الشعبية والأجهزة الأمنية، والصحافة الرسمية، كل هذه كانت سائدة بشكل أو بآخر في تلك الدول المشكلة اليوم هي أن هذا الشكل والأسلوب في الحكم قد شاخا .. أما أزمة المجتمع فهي نتيجة ومحصلة لما مارسه النظام خلال فترة حكمه الطويلة، خصوصًا منذ الثمانينات ويقول أيضًا: «المسألة ليست قضية فساد أو خلل إداري، كما تحاول بعض الصحف تصويرها.. المسألة هي أسلوب وشكل في الحكم تجاوزهما الزمن.. بل هي خلل موضوعي يرتبط بكون مراكز القرار السياسي والاقتصادي لا تخضع للمراقبة، ولا للمساءلة الشعبية.
وهكذا نستخلص من قراءة الترك أربعة أمور:
1 - مركزية السلطة والقرار.
2 - شبه ذلك بالأنظمة الشمولية التي كانت سائدة في دول الكتلة الاشتراكية.
3 -غياب المراقبة القانونية أو المساءلة الشعبية.
٤ - ممارسات النظام التي تعني فيما تعني اختراق الدستور وانتهاك نصوصه.
ولنقف عند المسألة الأولى مركزية السلطة والقرار التي تحدث عنها الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتاب كامل، ورأى أنها أصل البلاء والفساد.
إن مركزية السلطة والقرار في الدستور السوري ليست نصوصًا صريحة وحسب بل هي روح شاملة تتلبس نصوص الدستور كلها من أولها إلى آخرها، ومع ذلك سوف نقف عند المواد المتعلقة برئيس الجمهورية، هذه المواد مدرجة في الفصل الثاني - السلطة التنفيذية، ولدى دراستها نجدها تهيمن على السلطات كلها التنفيذية التشريعية والقضائية.
من المواد الجامعة (المادة (۹۱) لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولًا عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة أعماله إلا في حالة الخيانة العظمى ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، وقرار مجلس الشعب بتصويت علنِي وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، ولا تُجرى محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا.
لعلك لاحظت عدم مسؤوليته عن كل أعماله إلا في حالة واحدة، وهذه وضعت لها قيود متسلسلة متصاعدة: ثلث المجلس للاقتراح، ثلثا المجلس للتصويت؛ التصويت علني، ثم المحاكمة أمام المحكمة العليا، وسوف نرى في السلطة القضائية من رئيس الجمهورية يرأس مجلس القضاء الأعلى، ويبين القانون طريقة تشكيله اختصاصاته وقواعد سير العمل فيه المادة (۱۳۲) ولدى الرجوع إلى القانون يتبين أن رئيس لجمهورية هو الذي يعين ويعزل هؤلاء القضاة وفي المادة (١٤٣): يقسم رئيس المحكمة لدستورية العليا وأعضاؤها أمام رئيس لجمهورية وبحضور رئيس مجلس الشعب قبل توليهم القسم التالي.
أما هيمنة رئيس الجمهورية على السلطة التنفيذية فنراها في عدد من المواد مثل:
المادة: ٩٥ يتولى رئيس الجمهورية تسمية نائب له أو أكثر، وتفويضهم ببعض صلاحياته وتسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه، وقبول استقالتهم وإعفاءهم من مناصبهم.
المادة ۱۰۳ رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة، وله حق التفويض ببعض هذه السلطات والعادة أن تكون هذه الصلاحيات لوزير الدفاع أو الرئيس الوزراء، هذه أمثلة عن قمة السلطة أو الهرم وإليك أدنى درجات الهرم وعمومه في المادة ۱۰۹ يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم وفقًا للقانون والمألوف أن يتبع الموظفون المدنيون للمؤسسات المدنية والعسكريون للمؤسسات العسكرية، ومع ذلك ليس رئيس الجمهورية مسؤولًا عن هذه الأعمال كلها بنص الدستور!.
وبالمناسبة نتذكر ترفيع ابن رئيس الجمهورية فجائيًا وبغير تسلسل أو منطق إلى رتبة عقيد ثم من رتبة عقيد إلى رتبة فريق حتى يؤهل لمنصب رئيس الجمهورية وقيادة الجيش والقوات المسلحة!.
أما هيمنته على السلطة التشريعية، فنجد لها أمثلة في المواد التالية:
المادة ۱۰۷: لرئيس الجمهورية أن يحل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه، وتجرى الانتخابات خلال تسعين يومًا من تاريخ الحل.
المادة ۱۰۸: لرئيس الجمهورية حق دعوة مجلس الشعب لانعقاد استثنائي.
المادة ۱/۱۱۱: يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع خارج انعقاد دورات مجلس الشعب، على أن تعرض جميع التشريعات التي يصدرها على المجلس في أول دورة انعقاد له.
المادة ۲/۱۱۱: يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع أثناء انعقاد دورات المجلس إذا استدعت ذلك الضرورة القصوى المتعلقة بمصالح البلاد القومية.
المادة ٤/١١١: يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع في المدة الفاصلة بين ولايتي مجلسين، ولا تعرض هذه التشريعات على مجلس الشعب، ويكون حكمها في التعديل أو الإلغاء حكم القوانين النافذة، ولعل سائلًا يسأل: ماذا أبقى رئيس الجمهورية لمجلس الشعب الذي يتوقع منه أن يكون صاحب السلطة الأولى في التشريع والرقابة؟
على أن أخطر مادة في هذا الدستور هي المادة (١٥٣) التي هي بمثابة قيد يكاد يعطل كل ما جاء في الدستور، على ما فيه من مأخذ أشرنا إلى كثير منها.
نص المادة ١٥٣: تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه والأسئلة التي تثيرها هذه المادة الغريبة:
1- لماذا وضع هذا الدستور إذن مادامت هناك تشريعات أخرى قبله مستمرة بالنفاذ والعمل رغم إقرار الدستور، وبناء وضع دستوري جديد عليه؟ ألا تنسف هذه المادة هذا الدستور كله، وتطعن بمصداقيته؟!
2- ما التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور؟! لماذا لا يشار إليها صراحة؟ ولماذا لم تدرج في صلب الدستور؟!
3- لمجرد العلم نذكر بعض التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور مثل قانون إعلان حالة الطوارئ الذي تم إدراجه في صلب الدستور في الثمانينيات، وهو في الأصل قانون استثنائي يعطل المؤسسات العامة ويركز الصلاحيات بيد صاحب القرار الأول أكثر مما هي مركزة من قبل كما أشرنا.
القانون الآخر أو التشريع النافذ والصادر قبل إعلان هذا الدستور هو قانون حماية الثورة الذي يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على كل مخالفة للتشريعات والقوانين الاشتراكية ولو كانت المخالفة بالكلام!
هذا الدستور السوري المعمول به أو الساري المفعول.. فيه الكثير من هذه المأخذ التي عفى عليها الزمن، وأنتجت ما أنتجت من أوزار المرحلة الماضية، التي يطلب طي صفحتها عاجلًا أو أجلًا، وما أزمات الفساد الإداري إلا صورة مصغرة من صورها.
سمعنا أن هناك توجهات للتحديث والاصلاح وبدء مرحلة جديدة، فهل نتفاعل أم ننتظر الوقائع حتى نحكم عليها أولًا بأول أحكامًا موضوعية، غير محكومة بإرث الماضي ولا مستسلمة للوعود والشعارات.
أيًّا كان حجم التغيير فإن هناك مطالب على المدى القريب: مثل: إطلاق سراح المعتقلين وكشف مصير المفقودين، والسماح بعودة المهجرين والمبعدين.. وما إلى ذلك من تفاصيل حقوقية مباشرة لا مجال فيها لاختلاف أو اجتهاد وعلى المدى المتوسط والبعيد فلابد من «مخرج ديمقراطي وطني» يقوم على إلغاء حالة الطوارئ وتحرير المجتمع من الرقابة المفروضة عليه، وإطلاق الحريات العامة كحرية الصحافة والاجتماع وإبداء الرأي... كما يستدعي تحرير الحياة العامة من القيود المفروضة على العمل السياسي، والسماح بتأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية، وفق أنظمة ومعايير قانونية محددة وواضحة، كما يجب رد الاعتبار إلى الدولة ككيان يعبر عن المجتمع في عموميته، وبالتالي، لابد من تحريرها من أسر السلطة، أيًا كانت هذه السلطة أي الخروج من نظام« مركزية السلطة» والقرار كما أوضحنا من خلال قراءة الدستور السوري الذي مضى على إقراره ما يزيد على ربع قرن تغيرت فيه الدنيا والناس وتغير الوضع السوري نفسه.