العنوان الجزائر: تكريس الائتلاف.. علمنة الثقافة والتربية.. أسلمة الوزارات التقنية
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1508
نشر في الصفحة 28
السبت 06-يوليو-2002
تضمنت الحكومة ٤٠ حقيبة وزارية منها ٢١ وزيرًا جديدًا و ۱۸ وزيرًا احتفظ بحقيبته الوزارية. وتقاسمت جبهة التحرير الوطني رفقة التجمع الوطني الديمقراطي الرئاسة والأمانة العامة للحكومة.
الحكومة الجديدة تتشكل من الناحية الحزبية من أربعة أحزاب هي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم وحزب التجديد الجزائري، ومن حيث العدد عادت خمس حقائب وزارية للتجمع الوطني أما حركة مجتمع السلم فحصلت على أربع وزارات وهي الأشغال العمومية للدكتور عمر غول، والصيد البحري والموارد الصيدية للدكتور إسماعيل ميمون والمؤسسات والصناعات الصغيرة والمتوسطة والصناعات التقليدية للدكتور مصطفى بن بادة والصناعة للهاشمي جعبوب، وهذا يعني أن الحركة استفادت من حقيبة إضافية مقارنة بالحكومة السابقة مع إضافة الصناعات التقليدية التي كانت تابعة لوزارة السياحة سابقًا، أما حزب التجديد فقد استفاد من حقيبة واحدة يمثلها رئيس الحزب السابق نور الدين بوكروح وهي وزارة التجارة.
ولأول مرة يتم تعيين خمس نساء في مناصب وزارية وفي عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي عرفت الحكومات التي تعاقبت على مستوى رئاسته إقصاء» للعنصر النسوي خاصة في المناصب الثقيلة أو الوزارات المهمة، حتى إن حقيبة التضامن الوطني والأسرة أوكلت إلى الرجال في الحكومات السابقة، ولكننا اليوم نلحظ وجودًا قويًا للعنصر النسائي في البرلمان والحكومة فعينت فتيحة منتوري وزيرًا منتدبًا لدى وزير المالية مكلفة بالمالية وهي شخصية مستقلة غير متحزبة محسوبة على التكنوقراط وليلى حمو بوتليلس ابنة الشهيد بوتليلس وعينت وزيرًا منتدبًا لدى وزير التعليم والبحث العلمي مكلفة البحث العلمي، وخليدة مسعودي «وهي أكثر النساء حظًا» عينت في منصب وزير الاتصال والثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة.
كما عينت البروفيسور بثينة شريط وزيرة منتدبة مكلفة بالأسرة وقضايا المرأة وهو منصب جديد إضافة إلى فاطمة الزهراء بوشملة وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بالجالية الوطنية في الخارج. وتعتبر كل هذه المناصب مهمة وتشمل مختلف القضايا ولكن هل وجود المرأة بهذه الكثافة في الحكومة هو قناعة سياسية أم أن ثقافة الديكور لا تزال هي السائدة؟
الرئيس يتمسك بوزراء الثقة
وكما كان متوقعًا احتفظ الرئيس بوزراء السيادة في مناصبهم، فقد احتفظ بشكيب خليل وزيرًا للطاقة والمناجم بغرض استكمال المشاريع الجارية في القطاع والمتمثلة في تعديل قانون البترول والغاز وفق التغيرات التي تعرفها الأسواق العالمية، خاصة أن قانون الطاقة سيكون من مشاريع القوانين الأولى التي سيتم عرضها على البرلمان، ويعد شكيب خليل لإصلاحات عميقة في قطاع الطاقة، خاصة فيما يتعلق بعمل أهم مؤسسة اقتصادية في البلاد وهي شركة سوناطراك التي شرع في إعادة هيكلتها. كما ستعرف هذه الفترة توقيع أكبر عدد من الاتفاقيات وعقود الشراكة التي تحدد معالم السياسة البترولية الجزائرية المستقبلية.
واحتفظ الرئيس بالوزير حميد تمار الذي انتقل من وزارة التجارة إلى وزارة المشاركة بعد تعديلها لتشمل «ترقية الاستثمار»، كما سيتابع مسار الخصخصة وتطوير المحيط الاقتصادي لجلب رؤوس الأموال الأجنبية والمستثمرين. ومن جهته احتفظ وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين يزيد زرهوني بمنصبه وهو الذي كانت الحملة الإعلامية مركزة عليه لترك الوزارة.
تمسك الرئيس بوزارات السيادة برجاله الثلاثة الأساسيين منذ توليه الرئاسة فيه إشارة إلى أن الرئيس بوتفليقة يملك من النفوذ ما يجعله يحتفظ بهؤلاء رغم كل الحملات التي نظمت ضدهم خلال العهدة الحكومية السابقة. فماذا سيقدم هؤلاء الذين كانوا لا يحضرون حتى لقاءات الحكومة أيام الدكتور بن بيتور رئيس الحكومة السابق المستقيل؟
استحداث هياكل جديدة
ما يثير الانتباه أكثر في التغيير هو استحداث وزارة منتدبة مكلفة بإصلاح السجون أوكلت لعبد القادر سلاط. وقد يبدو للوهلة الأولى أن إدارة السجون ستختفي بعد تأسيس هيئة مكلفة بالقطاع ملحقة بوزارة العدل، والكل يعلم ما حدث في سجون الجزائر قبل الانتخابات التشريعية من انتفاضة في أربع محافظات مما أحدث اضطرابًا كبيرًا بلغ درجة تغيير وزير العدل أحمد أويحيى، كما تدعمت الحكومة بوزارة منتدبة للتنمية الريفية هذا الريف الذي شهد أثناء الأزمة وفتنة الإرهاب عملية نزوح كبيرة حيث إن أغلب المجازر وعمليات العنف حدثت في الريف، كما أن المواقع الأساسية والمركزية لجماعات العنف كانت في الريف. كما تم استحداث وزارة منتدبة مكلفة بالأسرة وقضايا المرأة أوكلت لبثينة شريط وذلك يشير إلى رغبة الرئيس في إدخال تغييرات عميقة على النصوص التي تضبط الأحوال الشخصية في إطار قانون الأسرة، ويعد وجود خمسة نساء في الجهاز التنفيذي انعكاسًا لهذا الانشغال.
أما إنشاء وزارة منتدبة مكلفة بإصلاح المالية تشرف عليها فتيحة منتوري، فهي في نظر أهل القطاع تطور عادي لمسار الإصلاح الجاري منذ صدور قانون القرض والنقد في أبريل من سنة ٩٠، والملاحظ كذلك أن وزارة السياحة أعفيت من الإشراف على قطاع الصناعات التقليدية وألحقت بوزارة المؤسسات والصناعات الصغيرة والمتوسطة فهل بعد هذا التكيف مع الملفات الحادة والحساسة المطروحة على الساحة هناك استعداد فعلي لمعالجة تلك الملفات أم أن الأمر يتعلق بهياكل ترهق الميزانية وتزيد في تعفن الملفات؟
الاستئصال يحكم قبضته على التربية والثقافة: بعد مخاض عسير جاءت الحكومة مخالفة للتوقعات وضاربة عرض الحائط المقاييس السياسية المتعارف عليها، فالأسماء المختارة لا تعكس أبدًا لون الطيف السياسي الذي فرضته الانتخابات حتى ولو كان عليها كلام يطعن في نزاهتها وهو ما يعطي دلالة على أن الرئيس لم يراع أبدًا الجديد الذي أتت به الانتخابات من إقصاء للتيار الاستئصالي وعودة للتيار الوطني والإسلامي.
حكومة خليدة مسعودي
حكومة بن فليس أو حكومة خليدة مسعودي التي أصبحت من اليوم فصاعدًا ناطقة رسمية باسم الحكومة حملت معها رياح التغريب ودلت على إصرار لا متناهٍ لحسم ماهية مشروع المجتمع الذي بدأ يتبلور في الخفاء ليستأصل بقايا الهوية الوطنية التي أصبحت مهددة أكثر من أي وقت مضى. يتجلى ذلك من خلال إسناد وزارة التربية لمقرر لجنة بن زاغو التغريبية نور الدين صالح، وفي الأمر رسالة واضحة لأنصار المدرسة الأصيلة وإصرار على المضي قدمًا في تطبيق التقرير المشؤوم رغم الانتفاضة القائمة والمرتقبة خلال الموسم الدراسي القادم من طرف غالبية المعنيين بالمنظومة التربوية والواضح من خلال هذا التعيين أن الرئيس استجاب لرغبة الأقلية في محاولة صياغة المجتمع وفق رؤيتها القائمة على التنكر للذات والارتماء في أحضان الغرب ماديًا وفكريًا والتنصل من كل الالتزامات التاريخية والحضارية.
وفي ميدان الثقافة يثير تعيين خليدة مسعودي على رأس وزارة الإعلام والاتصال ناطقة باسم الحكومة كثيرًا من الجدل في الأوساط السياسية، فهذه المرأة استطاعت أن تنسج في وقت قصير علاقات على مستوى عال مع أطراف عديدة في الحكم وهي من أوائل من طالبوا بإلغاء قانون الأسرة وكانت عضوًا نشطًا في التنظيمات النسوية. ففي سنة ١٩٩٢ كانت من الوجوه البارزة في اللجنة الوطنية لإنقاذ الجزائر وترشحت في قوائم الحزب اللائكي -حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية- في الانتخابات التشريعية وفازت بمقعد في البرلمان السابق.. المعروف عنها أنها عنصر بارز من العناصر التي تقف ضد هوية الشعب الجزائري وناضلت منذ زمن من أجل سلخ المرأة الجزائرية عن هويتها وخصوصيتها الإسلامية، وتقف أمامها اليوم كوزيرة ملفات جد حساسة من ملف قانون الإعلام وملف الإشهار وكذا قطاع «السمعي البصري».
أربع حقائب وزارية للإسلاميين
حققت حركة مجتمع السلم تقدمًا في موقفها داخل الائتلاف الحكومي وأصبحت العمود الثالث في التوليفة الجديدة وأحد أركانها الرئيسة بقيادتها أربع وزارات ذات ثقل في أداء الاقتصاد الجزائري وهي الأشغال العمومي وقد نجح الدكتور النائب عمر غول الذي يتولاها الآن نجاحًا باهرًا في تسيير وزارة الصيد البحري وأعطى نموذجًا راقيًا في الأداء الوزاري بشهادات شعبية ورسمية.
كما دخلت الحركة بثلاثة وزراء جدد هم الدكتور إسماعيل ميمون والدكتور مصطفي بن بادة والهاشمي جعبوب وترمي الحركة من خلال مشاركتها الرابعة في حكومة ائتلافية إلى تجسيد مفهوم الاستقرار في الميدان، فضلًا عن إعطاء انطباع لدى الرأي العام الوطني والدولي بأن الإسلاميين من أكفأ الناس، ولهم القدرة على تسيير الوزارات وبالتالي ضرب مقولة إن الإسلاميين لا يصلحون للحكم وليس لهم برامج تنموية.
كما أن لمشاركة حركة «مجتمع السلم» في الحكومة دلالات سياسية واجتماعية مختلفة لا تقتصر على لغة الأرقام المفروضة على الإسلاميين، فهناك من يراهن على تقليص حجم الإسلاميين، وإبعادهم عن المشاركة في معالجة مختلف الأزمات وأي مقاطعة من جانب الإسلاميين للمشاركة في الجهاز التنفيذي هي قرة عين لذاك الطرف.
والتساؤل المهم اليوم في الشارع الجزائري ماذا بعد الانتخابات، وهل يمكن أن تلعب هذه الحكومة دورًا في معالجة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الكارثي الذي يعانيه المواطن ولا سيما الشباب منه ذلك هو الرهان الحقيقي الذي إذا ما نجحت الحكومة في تحقيقه، يمكن أن نقول إننا بدأنا نخطو خطوات نحو التنمية والتحديث السياسي.
ارتفاع عدد المدمنين على المخدرات في الجزائر
شهدت الجزائر ارتفاعًا في عدد المدمنين على المخدرات، ولم تعد كما كانت في السابق مجرد ممر لتجارة السموم البيضاء بل صارت بلد استهلاك!. وقالت مصادر جزائرية: إن عدد المتورطين في قضايا استهلاك وترويج المخدرات بلغ في النصف الأول من العام الجاري ١٨٣٤ شخصًا، في حين بلغ عدد المتورطين في قضايا التعاطي ١١٤٦ شخصًا، وبلغ عدد التجار والمهربين الذين قبضت عليهم قوات الأمن ٦٦٨ شخصًا، ومن ناحية أخرى، نقلت صحف جزائرية عن عبد الكريم عبيدات، رئيس المنظمة الوطنية لجمعيات رعاية الشباب في افتتاح أسبوع وقائي ضد المخدرات، أن ١٤% من تلاميذ المعاهد الثانوية يتعاطون المخدرات بشكل منتظم، وأن ۲۰% منهم يتعاطون المخدرات بالقرب من مؤسساتهم التعليمية!. وفي تفسير ذلك، يقول مراقبون إن المجتمع الجزائري شهد في العقد الماضي هزة عنيفة على الصعيد القيمي والأخلاقي، أدت إلى الإضرار بالتلاحم الاجتماعي بين أفراده، كما انتشر عدد من الأمراض الأخلاقية، والاجتماعية، وكذلك ظواهر مثل: الانتحار، والردة عن الإسلام.