; ملحمة الشيشان في شعر «محمد أحمد الصديق» | مجلة المجتمع

العنوان ملحمة الشيشان في شعر «محمد أحمد الصديق»

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 55

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 11-أبريل-1995

 

نداء الحق.. والإيمان والتحدي.. قادمون مع الفجر.. قصائد إلى الفتاة المسلمة، أناشيد للصحوة الإسلامية، وأناشيد للطفل المسلم، هكذا يقول الحجر، جراح وكلمات، وطيور الجنة، تلك هي إبداعات الشاعر أحمد محمد الصديق قبل أن يكتب ملحمة الشيشان.

كم غنى شعراء الأرض لفلسطين! كم صار الشعر ورموز الصلب وسب المولى- سبحانه- أنظمة تتكرر عند القوم؟ لكن الصديق لا يخفى هوية، بل ويناجي الرب:

صيامك يا نفس فيه الخلاص

من الضعف والعجز والمأتم

ومعراجك الفذ تقوى الإله

فركضًا إلى الله لا تحجمي

نبض الإيمان حي دومًا في نفس الشاعر، لا ينتهي عن قول الحق، قد لا تجد منطقة وسطى في فكره.. هل يترك هذا الشاعر الشيشان في تلك المحنة دون مشاركة كبرى منه؟؟

هذا ما كان في ملحمة الشيشان، وماذا كان التعريف النقدي للملحمة؟

هو أنها عمل قصصي- شعرًا أو نثرًا- له قواعد وأصول، يشاد فيه بذكر الأبطال والملوك، وآلهة الوثنيين، ويقوم على الخوارق والأساطير، ويتمثلون له بالإلياذة عند الإغريق، والشاهنامة عند الفرس.. ويقولون بغيابه عند العرب.

إذا كان الأمر كذلك، فإن أحمد محمد الصديق قد احتذى ما أبدعه من قبل الشاعر الإسلامي الكبير أحمد محرم حينما كتب الإلياذة الإسلامية؛ ليقدم دليلًا عمليًا على أن العربية يمكنها أن تبدع فن الملحمة دون أن تلتزم بوهم وعبث الآلهة اليونانية الوثنية، التي تدل على طفولة العقل الإنساني الذي يعجز عن تنزيه الإله المعبود، وينزله منزلة البشر.

المسرح والصراع واليونان

لقد أنكروا وجود مسرح عربي أو إسلامي اعتمادًا على ارتباط المسرح بالصراع اليوناني الذي يكون بين الآلهة والبشر عادة، ولم يفطنوا إلى هذا الصراع المسرحي القوي بين الخير والشر في النفس الإنسانية، خاصة ما كان منه في القصص الديني والقرآني خاصة.. «قصة سيدنا يوسف- عليه السلام- مثالًا» »انظر تحليل د. حسين علي محمد لها في كتابه القيم عن القرآن والفن».

تأتي مأساة الشيشان لتكشف سوءة جهلنا بأمة مسلمة، لم تمتد لها يد العون من الأمة الإسلامية الكبرى حتى بعد الاستقلال، وسقوط الاتحاد السوفييتي.

ولم تمتد لها يد التعريف لترفع عنها كاهل الشر الجاثم عليها من الاحتلال الروسي السابق.. ليفاجأ العالم بصلابة وقوة للشيشان اجتذبت الشاعر الصديق، فراح يقلب أوراق التاريخ ليحكي- شعرًا- صراع الأهل هناك ضد غزاة الماضي والحاضر، فقد وقفوا ضد القياصرة.

وقفوا لعُباد الصليب       ومن تمادى في عماه

ثم قادهم الإمام شامل للجهاد:

وتجمعت في وحدة شماء أشتات القبائل

وإلى المعارك قادها سيف الإمام الفذ شامل

بعزيمة الإيمان يضرب وهو يفتتح المعاقل

أما الصراع ضد الشيوعية فقد سجله الشاعر الصديق، وأشاد بالصمود أمام البلاشف، وهتف السقوط الشيوعية:

سحقوا الغني مع الفقير وكل ذي خلق ودين

وتزودوا في حربهم لله بالحقد الدفين

لكنهم سقطوا ومرَّغ أنفهم في الخاسرين

وتقوضت أحلام «ماركس»، وهو يرقد في السعير

ثم يروى إعلان استقلال الشيشان في ۱۹۹۱م، وبدء جنود الطاغية في العربدة:

ويعربد الطاغوت تقرعه الشعارات الجديدة

يرغي ويزيد هائجًا في بحر غضبته الشديدة

والخمر تملأ رأسه.. تلهو بفكرته البليدة

بعدها يرد الدعاوي الزائفة، ويبعث بالتصميم وبالثبات للشيشان:

إني أرى فصل النهاية للجبابرة الطغاة

هيا أعدي أمة القوقاز مقبرة الغزاة

وغدا ستزهر في رباك الخضر أفراح الحياة

ويختتم مخاطبًا «جروزنی»:

هي جولة لكنما الأيام حبلي بالأماني

ستدور دورتها غدًا.. وتفوز خيلك في الرّهان

وصباحك الموعود يُشرق بالسلام والأمان.

لم تتكرس الملحمة لتمجيد بطل محدد، لكنها دارت وجالت في معركة حقيقية، لا أساطير فيها ولا خوارق، هل كانت جروزني «ومعناها الرعب باللغة الروسية» هي البطل الحقيقي في الملحمة من الجانب الفني؟ هل يمكن أن يكون صمود جروزني في حد ذاته أمرًا خارقًا أمام قوة عسكرية روسية تمتلك ترسانات من الأسلحة المدمرة؟! قال الصديق:

إن الضعيف هو القوى إذا أبى عيش النعام.

بين النحوي والصديق

إن اعتبارنا لـ «جروزني»، بطلًا للملحمة، ومحاولة تشريح الأصول النقدية والعسكرية لها، لا يجعل قبلتنا تتجه نحو اليونان أو الرومان، فيما يمكن أن يبدو مختلفًا مع ما قاله الشاعر الإسلامي د. عدنان النحوي «ملحمة البوسنة» من أن الملحمة في المفهوم الإسلامي المستند إلى كتب النقد الحديث هي الحروب التي تدور بين المسلمين وغيرهم في آخر الزمن، أو التعبير عن انطباعات الإنسان نحو قضية أو موقف... إن هذا الرأي قول رائد، لكنه لم يصبح مسلمة بعد، فإن المطولات الشعرية- وللدكتور حلمى القاعود كتاب هام فيها- هي الباب المفتوح لتدخل منه هذه الأعمال- بذلك المفهوم النحوي- لا الملاحم.. وإن ما عند الآخرين ليس مرفوضًا أو مقبولًا على إطلاقه. 

وإن القاسم المشترك والفهم المستقر في علم النقد الأدبي هو الأصل في الأدب الإسلامي- تنظيرًا- ما لم يصطدم بالعقيدة الإسلامية في أصولها وفروعها، وما دامت الملحمة المعاصرة بعيدة عن أساطير وصراع الآلهة اليوناني، فإنها هي الملحمة فنًا وبناءً.

فنيات الملحمة

الزمان والمكان والقصة والموقف يدعو إلى الثبات واستمرار الجهاد، وهذه هي أدوات الشاعر الفنية، يستحضر بها التاريخ القوي، ويستشهد بثبات أهل الحق، «فالباطل المنفوش» سوف يزول «كالزبد المهدد بالزوال»، ولا تغيب الصورة عن رؤية الشاعر لقضيته رغم حماستها، فإنه يوظف كل بعد من الحياة، يأسي عليه ليقف به- بعد أن ينعيه– معترفًا بخطأ أمته ليشد من أزر الشيشان...

وتأتى الألفاظ والكلمات- كعادة الشاعر- مليئة بالرمز الإسلامي العام، منبئة عن عقيدته وتمسكه بها، غير عابئ بالآخرين، ممثًلا بذلك روحًا قوية تعضد من عزم إخوانه المسلمين في هذه المأساة؛ فيبعث هذه الملحمة «نجوى» يعلقها على صدر المدينة.. مُصرًا على هذا الوسام الذي أنجزه في أيام معدودة، شحذ فيها الفكر والعاطفة بكل اقتداء.

وإذا كانت دراسة الشاعر الجامعية، ودراسته العليا في الدراسات الإسلامية «تخرج في جامعة أم درمان الإسلامية، وأكمل دراساته في جامعة الأزهر بمصر»، فإن البعد الإسلامي لا يشرك معه أبعادًا أخرى في أشعار الشاعر جميعًا..

وإذا كان الشاعر والمفكر والفقيه د. يوسف القرضاوي قد رأى محورين أساسيين في شعر الصديق- حينما قدم ديوانه «نداء الحق»- هما دينه ووطنه، فإن فلسطين وطن الشاعر، ومسقط رأسه، لم تكن وطنه الأوحد، بل كان العالم الإسلامي بأجمعه هو الوطن الحقيقي الذي عزم على انتصاره دائمًا، وإن كان الصديق قد غنى للقدس طويلًا- دون صلب ونوح وكفر كما فعل غيره من شعراء فلسطين- فإن «جروزني» لم تغب عنه كما لم تغب أفغانستان، أو البوسنة، أو الأكراد، أو كشمير، أو الجزائر!!

ولذلك لا يعجب المرء حينما يجد أناشيد الشاعر أحمد محمد الصديق الإسلامية والوطنية تذاع في معظم وسائل الإعلام العربية، كما دخلت قصائده مناهج الدراسة الأدبية في دولة قطر ودول أخرى بالمنطقة، كما تناول دارسوه بأبحاثهم شعره وفنه.

إن «ملحمة الشيشان» علم وموقف حاد، يضاف إلى إبداعات أحمد الصديق رائدًا من رواد الأدب الإسلامي خاصة شعره.

الرابط المختصر :