العنوان المعتزلة ما لهم وما عليهم
الكاتب الدكتور محمد سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
مشاهدات 116
نشر في العدد 329
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
- تعقيب على مقال «دفاع المعتزلة عن الإسلام» الذي نشرته مجلة «الوعي الإسلامي» في عددها ١٤٤ أول ذي الحجة ١٣٩٦
1- تعريف
المعتزلة فرقة إسلامية تميزت بفهم المقائد الدينية على منهج عقلي صرف. وقد يسمون في الكتب الإسلامية ب -القدرية- لإنكارهم تقدير الله تعالى لأفعال العباد. وقد قال بعض المعتزلة: لا يكون معتزليًا إلا من قال بأصولهم الخمسة وهي العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد وسنبين كلًا من هذه الأوصول باختصار.
2 - تاريخ
بدأ ظهور بعض آراء اعتزالية في آخر عصر الصحابة. ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ما يفيد أنه بلغه من قوم أنهم يقولون لا قدر أي إنهم يزعمون أن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد حسنها وسيئها. فقال ابن عمر لمحدثه. أخبرهم أني منهم براء. ثم روی حدیث جبريل المشهور، الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان فأجابه وكان جوابه صلى الله عليه وسلم عن الإيمان أن قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
وقد استطار أمر بعض هذه المبادئ الاعتزالية في العصر الأموي وكان لها دعاة استطاعوا التأثير على الطبقات المثقفة، حتى أن بعض خلفاء الأمويين دان بتلك المبادئ. وقد نسب شيء من ذلك إلى الحسن البصري رحمه الله.
ومن أوائل دعاة هذا المذهب واصل بن عطاء -٨٠ - ١٣١هـ - الذي تأثر بمعبد الجهني الذي قِيل إنه أخذ مذهبه من نصراني يقال له سوسن «1» وأخذ واصل أيضًا عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، والجهم بن صفوان الذي اشتهر بنفي صفات الله تعالى. وكان واصل يحضر في أول أمره على الحسن البصري، ثم خالفه في مسألة فاعل الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر. فقال واصل إنه في -منزل بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر- فطرده الحسن من مجلسه - فاعتزل في ناحية من المسجد فسمي هو ومن معه- بالمعتزلة بسبب ذلك. «2»
ثم تابعه على مذهبه عمرو بن عبيد -٨٠ -144هـ -وقد عرف بزهده وورعه حتى قال أبو جعفر المنصور في بعض العلماء الذين زاروه:
كلكم يمشي رويد
كلكم طالب صيد
غير عمرو بن عبيد
واشتهر من المعتزلة أعلام كبار قرروا مذهبهم ووسعوه وناقشوا على أسسه مختلف المسائل التي يطرقها المتكلمون والتي يطرقها الفلاسفة أيضًا فمن أعلامهم أبو الهذيل العلاف -135-235هـ- وإبراهيم بن سيار النظام - ١٦٠-231هـ وأحمد بن أبي دواد الذي كان قاضيًا للمأمون -0-٢٤٠ هـ والجاحظ وهو عمر بن بحر بن محبوب - ١٥٩ - ٢٥٦هـ - وبشر ابن غياث المريسي الذي كان في عصر المأمون وأبو علي الجبائي -235-303 هـ - وابنه أبو هاشم الجبائي -321 هـ - والقاضي عبد الجبار بن أحمد المهداني صاحب المغنى -359-416 هـ - والعصر الذهبي للاعتزال هو هذا العصر الذي كان فيه هؤلاء الذين ذكرتهم، وهو أوائل العصر العباسي.
وقد أنكر عليهم علماء أهل السُنة ما في مذاهبهم من الأخطاء بالبيان والحجج. إلا أن غلوهم في التمسك بالعقليات في الأمور التي لا مجال للعقل فيها من المغيبات هذا الغلو جعلهم يسيئون التصرف. فقد استغلوا ثقة الخلفاء بهم، وميلهم إليهم، فأغروا الخلفاء بحمل الناس بالقوة على اعتناق مذهبهم، والتبرؤ من كل اعتقاد يخلف ما يقولون به. وكان من ذلك فتنة عظيمة، فقد اشتغلت السلطات الحاكمة بالقبض على العلماء المخالفين وإيداعهم السجون وإبعادهم عن بلادهم وأهلهم وضربوهم بالسياط حتى اضطر كثير منهم تحت التهديد والإكراه أن ينطق بخلاف ما يعتقد. وثبت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله على قوله فأصابه من ذلك بلاء عظيم وقهر، وبقى تحت العذاب طيلة أواخر عهد المأمون ثم عهد المعتصم إلى أن أطلقه الواثق، الذي انتصر ومنع التعرض لها وفرح الناس بالعودة لمذهب أهل السُنة ورفع الأصار عنه، وفشل أهل الابتداع في القضاء على المذهب السني. ولم يزل عامة الناس بعد ذلك ينظرون إلى مذهب الاعتزال بنوع من الاستنكار والاستنكاف. وتجنبه أهل العلم لما وقع فيه رؤساؤه من الإساءة، ولما تضمنه المذهب نفسه من الاعتقادات المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله.
وكان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة ثم خرج عليهم ورد على كثير مما ذهبوا إليه بالحجة والبرهان ولم يزل علماء السُنة بعد ذلك يردون عليهم. ويزيفون ما أخطأوا فيه.. ومن أشهر من رد عليهم ابن تيمية في كتابه المشهور -منهاج السُنة النبوية- وهو الذي اختصره الذهبي في كتاب -المنتقى من منهاج الاعتدال- وكلاهما مطبوع متداول يحسن اقتناؤه.
3 - أصول المعتزلة
- أصول المعتزلة التي يدور عليها كلامهم خمسة نذكرها واحدًا واحدًا ونبين مرادهم بها ووجهة نظر أهل السُنة فيها:
- الأصل الأول: التوحيد:
وهذا أهم الأصول الخمسة والتوحيد عند أهل السُنة أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئًا، وأن تعتقد أن ﴿ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ (4) ﴾ (سورة الإخلاص: 1-4).
لكن المعتزلة تأثروا بالفلاسفة في وصف الله تعالى بالسلب والنفي ففهموا قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (سورة الشورى: 11) على طريقة فيها مبالغة وغلو. فالمؤمن يسمع هذه الأية فيفهم منها أن الله تعالى ليس له نظير في علمه وحكمته وقدرته وسائر صفاته التي منها السمع والبصر. يقول الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الشورى: 11) فأثبت لنفسه السمع والبصر مع نفيه المثيل. لكنهم فهموا أنها تنفي العلم والقدرة والحكمة لأن إثباتها يؤدي بزعمهم إلى تعدد الألهة. فأقروا بأن الله سميع ولكن دون سمع، بصير بلا بصر. ونفوا أيضًا أن يكون الله تعالى في السماء وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة مع أن ذلك ثابت في كتاب الله، وابتدعوا الكلام في مسألة خلق القرآن ورأى أهل السُنة أن القول فيها بدعة ما أنزل الله بها سلطانًا، وإنه ينبغي أن يسعنا ما وسع السلف الصالح. من السكوت عن مثل هذا، مع الإقبال على امتثال كتاب الله تعالى.
- الأصل الثاني: العدل
يعلم كل مسلم أن الله عدل لا يظلم ولا يجور ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ (سورة الكهف: 49) لكن المعتزلة تعمقوا في فهم العدل، فرأوا أن الإنسان الذي كفر أو فعل السيئات فأدخله الله النار، إنما أدخله بسبب سوء صنيعه. ورأوا أن ذلك يقتضي أن أفعال العباد من خلقهم، لا من خلق الله ولا من تقديره فنفوا القدر، ومن أجل ذلك سموا القدرية كما تقدم ذكره. ومن أجل ذلك يتهمهم أهل السُنة بأنهم أثبتوا خالقين، فعندهم أن الله خلق الإنسان، والإنسان خلق أفعال نفسه دون أن يكون لله تعالى قدرة على خلقها.
وكان المعتزلة بذلك على النقيض من الجبرية، الذين يدعون أن الإنسان لا يفعل شيئًا، وأن الفعل إنما هو لله وحده. ولا يزيد الإنسان عن أن يكون كالريشة في مهب الريح تقلبها الريح كيف شاءت، دون أن يكون للريشة اختيار.
والمعتمد عند أهل السُنة التوسط بين الفرقتين فالإنسان فاعل لفعله حقيقة، دون أن يلزم من ذلك خروجه عن مشيئة الله تعالى. وقد احتج البعض على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لنفي القدر، بقوله تعالى﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (سورة المزمل: 19).
يعني أن الله تعالى جعل المشيئة في اختيار سبيل الحق إلى العبد.
فقال عمر: اقرأ ما بعدها ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (سورة الإنسان: 30) - فانقطع الرجل.
فالإنسان يختار ويعمل ويمتنع عن العمل، والذي يختاره لا يخرج عن دائرة الخلق والتقدير السابق.
- الأصل الثالث: الموعد والوعيد:
قالت المعتزلة: بأن الثواب والعقاب مرتبطان بالأعمال حتمًا، وقالوا بأن الله يجب
عليه إثابة الطائعين وأن يعاقب المسيئين. وصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه لأنه أخبر بأنه سيعاقبه. فلو لم يعاقبه كان كذبًا، ولأن الذنب مستوجب للعقوبة لا محالة.
وقال أهل السُنة: ثواب الله تعالى على الطاعات فضل أتاه الله تعالى عباده ووعد ألزم الله به نفسه وهو لا يخلف الميعاد، وعقابه تعالى لعباده العصاة وعقابه للكفار، جزاء أن أوقعه بهم فهو عدل، وإن شاء عفا وغفر. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 23)، وإن عفا فذلك كمال ولا نقص فيه
- الأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين:
رأي الخوارج أن المسلم إذا فعل الكبيرة خرج من الإسلام ودخل في الكفر.. ولا يعود إلى الإسلام ما لم يتب من تلك الكبيرة ومن أجل ذلك كفروا عليًا رضي الله عنه لقبوله التحكيم.
أما المعتزلة، فقالوا إن المسلم الذي يفعل الكبيرة، فإنه يخرج من الإسلام ولا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وهي مرتبة الفسق، فالفاسق ليس مؤمنًا ولا كافرًا.
والذي يقوله أهل السُنة: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان،وتصديق بالقلب. ومن فعل الطاعات زاد إيمانه، ومن فعل المعصية نقص إيمانه. وقد ينقص إيمان العبد حتى يكون في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يخرج العبد من حظيرة الإسلام بمجرد فعل الكبيرة بل يكون بفعلها فاسقًا مع إيمانه. وحجتهم في ذلك ما في القرآن والسنة من إطلاق اسم الإسلام الإيمان على فاعل المعصية كقوله تعالى، في حق قاتل النفس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة البقرة: 178) سمى القاتل أخًا للمقتول في الدين. وقال﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 10) - فسمی المتقاتلين أخوة وجعلهم جميعًا مؤمنين.
- الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، والمعتزلة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إن لم يكف اللسان، وبالسيف إن لم تكف اليد. وجعلوا ذلك حتمًا على كل مسلم، سواء كان ذا سلطان أم لم يكن. وهي طريقة الخوارج بعينها.
وأهل السُنة مختلفون في هذا، فمنهم من لا يرى حمل السلاح في وجه مسلم مهما كان الأمر. ومنهم من يوافق قول المعتزلة. ومنهم من يفصل فيجعل التغيير باليد والسيف للإمام والسلطة الحاكمة، ولا يجعل لأحد أن يغير على الإمام بالسيف «ما لم يروا كفرًا بواحًا».
4 - تعقيب
المعتزلة قد جعلوا العقل حكمًا مطلقًا، فطريقتهم عقلية صرفة. حكموا العقل في النصوص تحكيمًا مطلقًا.. وكان الواجب أن يقف العقل من المغيبات موقف أدب، فلا يجعل نفسه سيدًا للنصوص المنزلة في عالم الغيب، فإن الله تعالى يخبر عن نفسه وملائكة قدسه وملكوته بما لا يستطيع العقل أن يحكم فيه بنفي ولا إيجاب. ومن أجل ذلك فإن أول صفة في المؤمن أن يؤمن بالغيب، وهذا معنى كونه مؤمنًا. قال الله تعالى ﴿الٓمٓ (1) ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ (2) ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ (سورة البقرة: 1-3) فما أخبرنا به عن نفسه، أو عن ملائكته، أو عن شؤون الآخرة فذلك عالم آخر غير عالم الشهادة الذي نحن فيه. ولا يقاس عليه. بل أن عالم الغيب أمر وراء العقل، فإن العقل مقيد بحدود الزمان والمكان والتجارب والمشاهدات. وإن كان الوحي لم يأت بشيء يحكم العقل الصحيح بأنه نقيض الحق. وإنما الواجب على المؤمن في ما يتعلق بعالم الغيب أن يتثبت من ورود الوحي وصحة دلالته على المراد، فإذا تم ذلك لم يبق على العقل إلا الإذعان والتسليم.
- جهود المعتزلة
هذا وقد كان للمعتزلة جهود مشكورة لا تنكر، في المقارعة بالحجة والبرهان للملحدين والزنادقة والباطنيه المتسترين والمجاهرين، فقد ردوا على طوائف من أولئك، بمنطق العقل الذي برعوا فيه وأسكتوا أصواتًا ناعقة على الدين الحق بالبهتان والتزييف. فردوا على الراوندي والحلاج وغيرهما. وردوا على النصارى واليهود والثنوية وغيرهم، في مطاعنهم على الإسلام بمنطق خصب وجدل مبين. ونحن نقرأ من ذلك للجاحظ وللقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، ولغيرهم أشياء تثبت دعائم الإسلام وترسخها في نفوس المؤمنين، وتكشف زيف المضللين والحانقين. كما ردوا على الذين خاضوا فيما شجر بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ادعوا عليهم بالباطل فبينوا الحق خلفه.
وكان للمعتزلة دورهم أيضًا في بحوث جيدة في الطبيعة وفي اللغة، وغيرها وقد ذكر الجاحظ في «الحيوان» وفي رسائله من أرائهم وملاحظاتهم طرفًا جيدًا وكان لأرائهم أثرها في دفع معلومات المسلمين عن الحيوان والنبات والجمادات والطب وغيره إلى الأمام شوطًا بعيدًا. وإن كان قد غلب على بحثهم في ذلك طريقة القياس المنطقي والجدل التي ألفوها في الإلهيات والشرعيات مع أن طريقة القياس لا توصل في استكشاف قوانين الطبيعة إلى الحق، بل لابد من التجربة والاختبار واتباع الأسلوب العلمي للمعرفة ومع اعترافنا بفضل المعتزلة في ما كان لهم فيه الفضل إلا أننا نضعهم في مكانتهم التي يستحقونها في علوم الألهيات. ونلتزم بأخذ عقائدنا من كتاب الله تعالى وما صح من سُنة رسوله صلى الله على عليه وسلم فإنه تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل