العنوان لجنة تنقيح الدستور.. وغثاء السيل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980
مشاهدات 138
نشر في العدد 470
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 19-فبراير-1980
لا شك أن الموجة العارمة والاهتمام المتزايد في كافة الأوساط، مُركزًا كله حول ما طرحته الحكومة من رغبة لها في تنقيح مواد الدستور، وتكليف اللجنة التي نشرت أسماء أعضائها بالعمل على هذا التنقيح .
وبادئ ذي بدءٍ لنا أن نتساءل.. بل إن هذا التساؤل لا بد وأن يكون قد ورد في ذهن كل مواطن ومسؤول، هذا التساؤل هو: هل هناك من موجب أدى إلى أن يكون هناك تنقيح للدستور؟ وإذا كان هناك من موجب.. فهل في قدرة اللجنة المشكلة أن تقدم حلولًا ناضجة لأزمة التمثيل النيابي في هذا البلد؟..
ولكي نرد على هذين التساؤلين لا بد من عرض ما يأتي:
أولًا: إن من الخطأ إطلاق القول بأن الدستور سيكون محلًا للتنقيح، وذلك لأن الدستور يتضمن مبادئ أساسية يكتسبها الفرد لمجرد كونه إنسانًا، كالعدل والحرية والمساواة «م 7 وما بعدها» وحقه في الانتساب إلى أسرة، وحقه في أن ينال من التعليم ما يؤهله له استعداده... إلخ.
والأصوب هو القول بأن التنقيح سيتناول الفصل الثالث من الدستور، وهو ما يتعلق بالسلطة التشريعية «من المادة 79 إلى المادة 122»، وهي المرتكز الأساسي في التنقيح.
ثانيًا: إنه قد حدث بالفعل فيما بين صدور الدستور بتاريخ 11 نوفمبر 1962م وحتى هذا التاريخ من المتغيرات ما يجعل من الصعب عدم الأخذ بها في الاعتبار..
وأدى تجاهلها لمدة طويلة إلى أن نمر في هذا الفراغ التشريعي الحالي.
فالتغيير الأساسي إذًا سيكون منصبًا على السلطة التشريعية بالذات، أو ما أطلق عليه خطأ مجلس الأمة «لأن الكويت لا تمثل أمة»، كما أن هناك متغيرات كان يجب أن تكون محل اعتبار لكي حتى لا تتكرر المشكلة، إذا ما تجوهلت هذه المتغيرات مرة أخرى.
والمشكلة الأولى هي كيفية تشكيل مجلس «الأمة»، ليست بذات أهمية وذلك لأن لدى الحكومة تصورًا باعتقادي أنه هو الذي سيقر من خلال هذه اللجنة التي أعلنت أسماء أعضائها، لأنها أي اللجنة- وإن احتوت على بعض من لهم الخبرة في صياغة وعمل القوانين، إلا أنهم أقلية لا يستطيعون فرض خبرتهم على من لا يفهمون طبيعة عمل اللجنة، ويقودهم جهلهم إلى رفض كل ما لا يفهمونه!! نقول: إن هذه اللجنة بتشكيلها الحالي سيقودها إلى الشغل عن الخروج بأي نظام ذي فائدة، في حين أن البديل جاهز لدى الحكومة وهو الذي سيقر في النهاية... لذلك فالكلام في هذا الموضوع سيكون تحصيل حاصل!!
أما الموضوع أو المشكلة الأخرى فهي في نظري أصل الداء ومكمن العلل، والتي نستطيع إذا ما أخذناها بالاعتبار وضع السلطة التشريعية في الحدود التي يرضى بها الله سبحانه وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم.. والتي نرجو أن نستطيع تلخيصها في الأمور التالية:
أولًا: يجب أن يتضمن الدستور تعديلًا في المادة الثانية منه بأن تكون «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع».
وهذا القول ليس بالقول الجديد، فقد طالب به عدد من النواب يمثلون الغالبية العظمى في مجالس سابقة، وصدر به قانون لم يحظَ بموافقة السلطة التنفيذية، فلم ير هذا القانون النور.
وقد كان للتخوف في ذلك الحين ما يدعمه -في نظر البعض- من أن هذا التعديل سيجعل كافة قوانين البلاد عرضة للإلغاء، إذا ما تعارضت مع الشريعة الإسلامية، وسيكون هناك فراغ تشريعي يتطلب وقتًا طويلًا لملئه، سيكون الناس خلاله مذبذبين لا يعرفون ماذا يتبعون حتى تصدر القوانين الجديدة!! نقول: إن هذا التخوف لا يجد ما يدعمه الآن، وذلك أن هذا الفراغ المزعوم لن يكون له وجود، والقوانين الأساسية جميعها قد نقحت وصيغت بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية -حسبما يدعون- وهي الآن موجودة في الأدراج تنتظر!!
ثانيًا: ألا تكون سلطة أي مجلس تشريعي سلطة مطلقة، أي أن يشرع ما يريد وبالكيفية التي يريدها.. بل لا بد أن تكون هناك حدود وضوابط لكل ما يصدر منه من تشريعات، خضوعًا للنص الذي اقترحناه في البند السابق من كون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع.. فلا يجوز للمجلس مثلًا أن يصدر قانونًا يحتوي على نصوص تبيح أن يكون التعامل بين الأفراد تعاملًا ربويًا عن طريق الفائدة المحرمة شرعًا... كما لا يجوز له أن يحل عقوبات بديلة للعقوبات التي جاءت بها الشريعة الغراء في قوانين الجزاء التي ستفرض عليه.
ثالثًا: أن يكون الطريق ميسرًا أمام كل مسلم غيور على أحكام دينه أن يحاكم ويرفع إلى المحكمة الدستورية كل ما يراه مخالفًا لتعاليم دينه من الأحكام المستقر عليه في الشريعة الإسلامية، حتى ولو لم يكن له مصلحة دستورية، أي حكم ما لم يدفع به من له مصلحة «مباشرة» من عدم تطبيقه عليه، أي بمعنى آخر أن المحتسب الذي يرجو مرضاة ربه ومصلحة دينه لا يقام له وزن في هذا المجال.
من ذلك نخلص إلى أن الشكل البرلماني الذي ستتمخض عنه اجتماعات اللجنة المشكلة لتنقيح الدستور بقدر أن يكون هناك نصوص تأخذ في الاعتبار رغبة هذا الشعب في أن يكون حكمه نابعًا من شريعته، وهو أهم متغير حدث منذ صدور دستور سنة 1962م حتى الآن، وهو الذي يجب أن تستوعبه اللجنة والحكومة، وأن يكون هناك تقييد من المجلس نفسه فيما يصدره من تشريعات، وفي حالة خطئه وخروجه عن الدور المرسوم له أن تكون هناك الوسيلة الرادعة له؛ لكي تعيده إلى الطريق السليم.
هذا في رأيي هو ما يجب أن ينصب عليه التنقيح، إذا أريد لهذا البلد الخير في هذا البحر المتلاطم من التهديدات ومن الأمواج من الأفكار والنظريات التي خبرناها وعايشناها، فوجدناها كغثاء السيل...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل